آخر الأخبار

سياسيون وصحافيون: ضربة ترامب للإخوان… قد تعيد رسم خريطة الحرب في السودان

شارك

مع تصاعد الضغوط الأمريكية على جماعة الإخوان المسلمين، عاد الجدل حول انعكاسات هذه التحركات على بؤر الصراع في المنطقة، وعلى رأسها السودان الذي يعيش حربًا مفتوحة منذ أبريل 2023. فبينما تنظر بعض الأطراف إلى أي تضييق دولي على شبكات الإسلام السياسي بوصفه عاملًا قد يغيّر موازين القوى داخل المعسكرات المتصارعة، يرى آخرون أن تعقيدات المشهد السوداني — بتداخلاته العسكرية والسياسية والإقليمية — تجعل تأثير هذه الضغوط محدودًا.

في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى يمكن للتحركات الأمريكية ضد الإخوان أن تنعكس على مسار الحرب في السودان، أو تعيد تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية المرتبطة بها؟ للإجابة، لا بد من قراءة أوسع في طبيعة نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة السودانية، وعلاقاتهم بالقوى المتحاربة، فضلًا عن السياق الإقليمي والدولي الذي يحيط بالأزمة.

إستبعاد الإخوان من المشهد

وتري الصحافية ورئيس تحرير صحيفة التغيير، رشا عوض،إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمةً إرهابية يصب في اتجاه واضح يتمثل في استبعاد الإسلاميين من أي تسوية سياسية محتملة لإنهاء الحرب، مؤكدةً إن هذا القرار في سياق التطورات الإقليمية، خصوصًا في ظل التصعيد العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن الصورة تبدو أكثر وضوحًا.

“رشا عوض : تصنيف الإخوان يصب في إتجاه إبعادهم من اي تسوية قادمة”

وتضيف رشا عوض ، إن السياسة الأمريكية في المرحلة الراهنة تتجه نحو التعامل مع شبكة الحركات المرتبطة بإيران في المنطقة باعتبارها جزءًا من منظومة واحدة. وقد سبق أن صنفت واشنطن منظمات مثل الحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله ضمن قوائم الإرهاب. وفي هذا السياق الأوسع، يُقرأ تصنيف الإخوان المسلمين بوصفه خطوة ضمن سياسة تهدف إلى تقليص نفوذ القوى الأيديولوجية المسلحة أو المرتبطة بمحاور إقليمية.

وتذهب “عوض” إنه بالنسبة للسودان، فإن هذا التطور قد يشير إلى تحول مهم في النظرة الدولية إلى الحرب الجارية. فهناك من يرى أن الحركة الإسلامية كانت من القوى التي ساهمت في إشعال الصراع أملاً في العودة إلى السلطة، أو على الأقل فرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية تتعلق بمصير البلاد.

غير أن مثل هذا التصنيف، خاصة عندما يصدر من قوة دولية كبرى مثل الولايات المتحدة، يرسل رسالة سياسية مفادها أن المجتمع الدولي قد لا يكون مستعدًا لقبول عودة الإسلاميين إلى السلطة ضمن أي تسوية قادمة. كما يعكس ذلك تقييمًا متراكمًا لدور الحركة الإسلامية في تاريخ السودان الحديث، وهو تاريخ شهد سنوات طويلة من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية التي دفعت البلاد ثمنها سياسيًا واقتصاديًا.

كما أن مواقف بعض الأصوات داخل التيار الإسلامي السوداني، والتي أبدت تعاطفًا أو تأييدًا لإيران في ظل التوترات الإقليمية، ساهمت في تعزيز هذه الصورة لدى المجتمع الدولي. ورغم محاولات لاحقة للتراجع أو تخفيف حدة تلك التصريحات، إلا أن المؤسسات الدولية عادة ما تعتمد في تقييماتها على ما تعتبره وقائع وسلوكًا سياسيًا طويل الأمد أكثر من اعتمادها على بيانات أو مواقف إعلامية عابرة.

في هذا السياق، يمكن فهم القرار باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل المشهد السياسي الإقليمي، حيث تسعى قوى دولية وإقليمية إلى الحد من نفوذ الشبكات الأيديولوجية المرتبطة بمحاور الصراع في الشرق الأوسط والبحر الأحمر. وإذا استمر هذا الاتجاه، فمن المرجح أن ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الحركة الإسلامية في السودان وعلى فرص مشاركتها في أي ترتيبات سياسية قادمة.

وتختم رشا عوض حديثه قائلةً:” إن هذا التطور قد يمثل عامل ضغط إضافي يحد من طموحات الحركة الإسلامية في العودة إلى السلطة، ويؤكد أن مستقبل السودان السياسي سيُناقش في ظل توازنات إقليمية ودولية جديدة تختلف كثيرًا عما كان قائمًا في العقود الماضية.

“القرار الإمريكي محاولة لإعادة تعريف الصراع والحرب في السودان”

محاولة إعادة تعريف الصراع

من جانبه يري الباحث في الجماعات الإسلامية،الأستاذ عمار نجم الدين في حديثه لـ”إدراك”، إن القرار محاولة لإعاد تعريف الصراع والحرب في السودان، ويقول في حديثه، إن تنظيم القاعدة لم ينشأ في فراغ خارج السياق السوداني بل وجد في السودان خلال التسعينات واحدة من أهم البيئات التي سمحت له بالتنظيم والتمدد في تلك الفترة استضافت حكومة الخرطوم قيادات بارزة من التيار الجهادي العالمي مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ووفرت لهم مساحة للعمل والتنظيم والتمويل.

ويضيف نجم الدين ، إنه في تلك المرحلة لم يكن الأمر مجرد وجود أفراد بل كان تشكلا لبنية فكرية وتنظيمية ارتبطت بخطاب البراء المتطرف الذي تبنته بعض التيارات الإسلامية الراديكالية هذا الخطاب قام على فكرة الصراع العقائدي مع العالم وعلى تبرير العنف باسم الدين وهو الخطاب الذي شكل لاحقا أحد الأسس الفكرية للتنظيمات الجهادية العابرة للحدود.

ويذهب “عمار” في حديثه علي إن ،الأساليب التي ظهرت لاحقا لدى تنظيمات مثل القاعدة ثم داعش وجبهة النصرة بما في ذلك مشاهد قطع الرؤوس والتمثيل بالضحايا لم تكن مجرد ممارسات عسكرية بل تعبيرا عن منظومة فكرية واحدة تقوم على العنف الرمزي والجسدي باعتباره أداة سياسية وأيديولوجية.

من هذه الزاوية يرى بعض الباحثين أن المنهج لم يتغير كثيرا فالأدبيات المتطرفة نفسها ما زالت تتكرر وإن تغيرت الأسماء والتنظيمات فالتسلسل الذي بدأ مع القاعدة امتد لاحقا إلى تنظيم داعش وإلى جماعات أخرى خرجت من نفس البيئة الفكرية.

كما أن شبكة العلاقات الإقليمية التي أحاطت بهذه التنظيمات لعبت دورا في استمرارها سواء عبر مسارات التمويل أو الدعم السياسي أو الممرات الجغرافية الممتدة في المنطقة بعض هذه الشبكات ارتبطت بمحاور إقليمية مختلفة شملت علاقات مع أطراف في إيران أو مع تيارات إسلام سياسي في تركيا وقطر ضمن شبكة معقدة من التداخلات السياسية والأيديولوجية.

في هذا السياق يصبح السودان في التسعينات محطة جغرافية مهمة في تاريخ هذه الحركات بينما ظل تنظيم الإخوان المسلمين يمثل بالنسبة لكثير من الباحثين الخلفية الفكرية الأوسع التي خرجت منها بعض هذه التيارات المتشددة أو التي تأثرت بأدبياتها.

لذلك فإن النقاش الحالي حول الإسلام السياسي في السودان لا ينفصل عن هذا التاريخ الطويل فالقضية ليست فقط صراعا سياسيا معاصرا بل امتدادا لصراع أعمق حول طبيعة الدولة وطبيعة الخطاب الديني المستخدم في السياسة في المنطقة كلها.

ضربة ترامب للإخوان قد لا تغير مسار الحرب في السودان بشكل فوري لكنها تعزز تحولا سياسيا بدأ يتشكل بالفعل داخل بعض القوى السودانية فخلال الفترة الأخيرة ظهر خطاب سياسي جديد داخل تحالف تأسيس يقوم على الابتعاد عن الإسلام السياسي وتقديم مشروع مختلف قائم على العلمانية وفصل الدين عن الدولة.

هذا التحول يرتبط بعدة عوامل أولها الخلفية الفكرية للحركة الشعبية لتحرير السودان التي ظلت منذ عقود تطرح العلمانية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إدارة التعدد الديني والثقافي في السودان القائد عبد العزيز آدم الحلو ظل يؤكد في خطابه السياسي أن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع على السلطة بل أزمة بنيوية تتعلق باستخدام الدين في السياسة وأن العلمانية تمثل مخرجا من دوامة التصنيفات العرقية وخطاب العنف المرتبط بالإسلام السياسي.

العامل الثاني هو التحولات داخل القوى العسكرية والسياسية التي أصبحت جزءا من تحالف تأسيس فمع اندلاع الحرب بدأت بعض هذه القوى تعيد تعريف موقعها السياسي وتبتعد عن التحالفات السابقة مع جماعات الإسلام السياسي بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين هذا التحول ترافق مع خطاب سياسي يتعامل مع التنظيمات الإسلامية المسلحة باعتبارها جزءا من الأزمة وليس جزءا من الحل.

كما أن قرار تصنيف جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي من قبل بعض الفاعلين السياسيين في السودان إلى جانب النقاش القانوني حول هذا التصنيف يعكس اتجاها جديدا يحاول إعادة تعريف الصراع بوصفه صراعا بين مشروعين مشروع الدولة الدينية المرتبط بالإسلام السياسي ومشروع الدولة المدنية العلمانية.

في هذا السياق يمكن فهم المقارنة التي تطرح أحيانا مع النموذج الكردي في العراق وسوريا فهناك أيضا اعتمدت الولايات المتحدة على قوى محلية ذات خطاب غير ديني لمواجهة التنظيمات الجهادية لكن هذه المقارنة تبقى جزئية لأن السياق السوداني مختلف وتعقيداته الداخلية أكبر.

بالتالي فإن السؤال حول ضربة ترامب للإخوان لا يتعلق فقط بتوازنات الحرب العسكرية بل بالتحول الأيديولوجي الجاري داخل بعض القوى السودانية فإذا ترسخ خطاب العلمانية كإطار سياسي جامع فقد يعيد ذلك تشكيل طبيعة التحالفات داخل السودان وفي علاقته بالإقليم.

نقطة تحول جوهرية في مسار الحرب

ويقول الناطق بإسم حركة تحرير السودان، بقيادة عبدالواحد نور الأستاذ محمد الناير بوتشر، إن هذا القرار يُعدّ نقطة تحوّل جوهرية في مسار الصراع في السودان خلال حقبة الإسلاميين، وكذلك في سياق الحرب الدائرة حالياً. فهو لا يقتصر على كونه موقفاً سياسياً عابراً، بل يحمل دلالات عميقة تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى والاصطفافات داخل المشهد السوداني، ويفتح الباب أمام مقاربات جديدة للتعامل مع الأزمة المستمرة منذ اندلاع الحرب.

ويضيف “بوتشر” إنه ومن المرجّح أن تكون لهذا القرار نتائج إيجابية على صعيد الجهود الرامية إلى وقف وإنهاء الحرب في السودان، لا سيما في ما يتعلق بمبادرة الرباعية، التي تسعى إلى خلق مسار سياسي يقود إلى تهدئة الصراع وإطلاق عملية سلام شاملة. إذ يمكن أن يشكّل القرار ضغطاً سياسياً ومعنوياً على الأطراف المتحاربة، ويدفع نحو مراجعة الحسابات العسكرية الضيقة لصالح حلول سياسية أكثر استدامة.

وفي هذا السياق، لم يعد أمام قادة الجيش مجال واسع للمراوغة أو شراء الوقت كما كان يحدث في مراحل سابقة من الأزمة. فقد أصبح الموقف الدولي والإقليمي أكثر وضوحاً وحسماً، الأمر الذي يضع القيادة العسكرية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما فك الارتباط بصورة واضحة مع الحركة الإسلامية وأجندتها الحربية التي ساهمت في تعقيد الصراع وإطالة أمده، والانخراط بجدية في مسار السلام الذي تدعمه الرباعية والمجتمع الدولي، أو الاستمرار في هذا الارتباط بما يعني عملياً الاصطفاف ضمن مشروع الحركة الإسلامية وجناحها العسكري.

وفي حال اختار قادة الجيش المسار الثاني، فإن ذلك سيؤدي إلى ترسيخ الانطباع بأنهم يشكلون امتداداً سياسياً وعسكرياً للحركة الإسلامية، الأمر الذي قد يضعهم في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والعالم الديمقراطي، ويزيد من عزلتهم الدولية، ويعرّض البلاد لمزيد من الضغوط والعقوبات، وهو ما قد يفاقم من معاناة الشعب السوداني ويعقّد فرص الخروج من دائرة الحرب.

ويختم محمد الناير حديثه، إن اللحظة الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد القيادة العسكرية لاتخاذ قرار استراتيجي ينحاز لمصلحة السودان واستقراره، ويضع حداً لسنوات من الصراع والاستقطاب، ويفتح الطريق أمام مرحلة جديدة قوامها السلام، وإعادة بناء الدولة، والاستجابة لتطلعات السودانيين في الحرية والاستقرار والتنمية.

ادراك الالكترونية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا