أثار قرار الإدارة الأميركية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، جدلاً في الساحة السياسية السودانية بين مؤيد ورافض، وسط توقعات أيضاً بتأثيرات للقرار على الحرب الدائرة في البلاد منذ نحو ثلاث سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعد فشل الجهود الإقليمية والدولية في إقرار الهدنة الإنسانية المقترحة وخفض التصعيد العسكري بين أطراف الصراع، إلى جانب اصطدام التحركات الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس برفض الحكومة السودانية المتكرّر لمقترحاته بشأن تسوية الأزمة، واتهام بعض الأطراف الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) بتقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز “أيديولوجيتهم العنيفة”.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أمس الاثنين، تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، ولفتت الخارجية في بيانها إلى أنّ “تنظيم الإخوان المسلمين في السودان يستخدم العنف غير المقيّد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز أيديولوجيته العنيفة”، وأضافت أن “مقاتلي التنظيم الذين تلقّى العديد منهم تدريباً ودعماً آخر من الحرس الثوري الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين”، وأشارت الوزارة إلى أنّ “لواء البراء بن مالك” التابع لتنظيم الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) في السودان قد أُدرج في سبتمبر/أيلول 2025 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 لدوره في الحرب الوحشية الدائرة في السودان، وتابعت: “وبصفتها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، قام النظام الإيراني بتمويل وتوجيه أنشطة خبيثة حول العالم عبر الحرس الثوري الإيراني. وستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد التي تمكّنها من الانخراط في الإرهاب أو دعمه”.
جاء القرار بعد تراجع التحركات الأميركية التي كان يقودها مسعد بولس بعد إعلان الحكومة السودانية في 23 فبراير الماضي رفض مقترحاته بشأن الأزمة في البلاد
وجاء القرار الأميركي في ظل تواصل الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 15 إبريل/نيسان 2023، وفشل الضغوط التي كانت تمارسها اللجنة الرباعية المكونة من السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات لإقناع الأطراف المتصارعة بخريطة طريق تبدأ بهدنة وتنتهي بوقف دائم لإطلاق النار، كما يأتي القرار بعد تراجع التحرّكات الأميركية التي كان يقودها مسعد بولس خلال الفترة الأخيرة بعد إعلان الحكومة السودانية في 23 فبراير/شباط الماضي رفض مقترحاته بشأن الأزمة في البلاد، وسط اتهامات للحركة الإسلامية السودانية بالوقوف وراء رفض الحكومة لدعوات إنهاء الحرب.
ووجد القرار الأميركي ترحيباً من القوى السياسية المعارضة للحكومة وأخرى داعية لوقف الحرب، إذ أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، الذي يضم عدداً من الكيانات السياسية ترحيبه بقرار الولايات المتحدة، داعياً بقية الدول والمنظمات الإقليمية والعالمية لاتخاذ خطوات مماثلة. وقال التحالف في بيان أمس الاثنين، إن هذا القرار هو انعكاس لإرادة غالب الشعب السوداني الذي خرج في ثورة ديسمبر 2019 (أطاحت عمر البشير)، رافضاً إجرام هذه “العصابة” التي تسلطت على رقابه لثلاثين عاماً، فقسمت البلاد وارتكبت الإبادة الجماعية وكافة أشكال الجرائم ضد السودانيين، ونشرت الإرهاب لما وراء حدود البلاد.
من جانبه، سارع تحالف السودان التأسيسي (سياسي عسكري) الذي تقوده قوات الدعم السريع، للترحيب بالقرار الأميركي، واعتبر المتحدث باسم التحالف علاء الدين نقد، في بيان أمس، أن القرار “خطوة مهمة تلامس تطلعات الشعوب السودانية، وتستجيب لما خرجت من أجله السودانيات والسودانيون إلى الشوارع في ثورة ديسمبر، مطالبين بإزالة نظام الإخوان المسلمين الإرهابي الذي جثم على صدورهم لسنوات طويلة، وعمل لاحقاً على تخريب ثورتهم وإجهاض تطلعاتهم في الحرية والسلام والعدالة”.
كما رحب عدد من منظمات المجتمع المدني النسوية والحقوقية بالقرار الأميركي، ودعت إلى إكماله بتصنيف “الدعم السريع” منظمةً إرهابية أيضاً. وقالت مجموعة “محامو الطوارئ” المتخصصة في رصد الانتهاكات، في بيان إن هذا القرار يمثل خطوة مهمة نحو الاعتراف الدولي بمسؤولية الشبكات السياسية والتنظيمية المرتبطة بالحركة الإسلامية عن منظومة واسعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها السودان خلال العقود الماضية، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري في ما عُرف ببيوت الأشباح، وقمع الحراك السلمي واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، لافتة إلى أن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية يجب أن يشكل خطوة أولى نحو تعزيز مسارات المساءلة القانونية الدولية عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في السودان.
وعن موقف الحكومة السودانية، قالت الخارجية في بيان، اليوم الثلاثاء، إن موقف الحكومة “المبدئي والثابت هو إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، من دون استثناء أو انتقائية”، مضيفة أنه بناء على ذلك “فهي ترى أن كُل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، وترتكب الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان، تصنف جماعات إرهابية”. وطالبت بالاستجابة إلى “الدعوات القوية لتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة جمٍاعةً إرهابية؛ لما ظلت ترتكبه من جرائم مُثبتة، وانتهاكات مُوثقة، للقانون الدولي الإنساني، وارتكاب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والإرهاب”. وأضافت الوزارة أن حكومة السودان تشدد على التزامها الراسخ بالعمل على حماية أمن البلاد واستقرارها، وصون أرواح المواطنين وكرامتهم، واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات وفقاً لأحكام القانون الوطني وبما يتسق مع التزامات السودان الدولية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
من جانبها، لم تعلق الحركة الإسلامية بصورة رسمية على القرار، لكن الكثير من منسوبيها أعلنوا رفضهم على مواقع التواصل للقرار معتبرين أن الولايات المتحدة ليست مؤهلة لتصنيف أي جهة منظمة إرهابية بسبب ما تفعله في العالم من نشر للحروب والصراعات وتقويض سيادة الدولة، ولفتوا إلى أن الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية ليست جسماً سياسياً واضح الهيكلة ولا يمكن إثبات ضلوعه في أي أعمال إرهابية.
وبعد صدور القرار قال مسعد بولس إنّ الوقت حان لأن توافق الأطراف في السودان فوراً على هدنة إنسانية، بما يتيح إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية إلى المدنيين، ويفسح المجال أمام الحوار، ويمهّد الطريق نحو إنهاء المعاناة وتحقيق الاستقرار في السودان. وأضاف على موقع إكس أمس الاثنين، إنه في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب، ومع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابيةً أجنبية ومنظمةً إرهابيةً عالمية مدرجة على قائمة التصنيف الخاص، تواصل الولايات المتحدة استخدام جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب، والتصدي للنفوذ الإيراني الخبيث، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في السودان، وتابع: “لقد عانى الشعب السوداني معاناةً بالغة نتيجة الصراع المستمر، بما في ذلك الأعمال الخبيثة والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها طرفا النزاع في السودان”.
وكان القيادي في الحركة الإسلامية السودانية الناجي عبد الله، أعلن في خطاب أمام عدد من مناصريه في مقطع فيديو نشر الثلاثاء الماضي، وقوفهم مع إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل، ولفت الناجي، الذي يقاتل إلى جانب الجيش في الحرب، إلى استعداد كتائبهم المقاتلة والمجاهدين للذهاب إلى إيران والقتال معها في حال جرى شنّ هجوم عليها بقوات برية من الولايات المتحدة وإسرائيل. ورد الجيش السوداني في بيان مقتضب بعد يوم من حديث الناجي، معلناً اتخاذ إجراءات قانونية ضد المجموعة التي قال إنها ظهرت في الوسائط وهي ترتدي زياً عسكرياً وتهتف لصالح الحرب، مؤكداً أن هذه المجموعة لا تتبع للقوات المسلحة، وسيجري اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أفرادها. وجرى اعتقال الناجي لعدة أيام قبل إطلاق سراحه.
ماجد علي: فرع السودان المعروف باسم الحركة الإسلامية متهم بتأجيج الحرب الحالية والوقوف وراء تعنت الجيش في إنهاء الحرب
وفي هذا الصدد، رأى المحلل السياسي مجدي عبد القيوم، أن القرار كان متوقعاً لأنه مرتبط بالاستراتيجي الأميركي أكثر من ارتباطه بالشأن السوداني، وأضاف في حديث لـ”العربي الجديد” أن “العلاقة بين الإسلام السياسي والولايات المتحدة وكذلك بريطانيا عضوية، وهناك ما يمكن تسميته تخادماً بينهما”، وتابع: “الآن انتهى دور الإسلام السياسي في نسخته السابقة ويجري التأسيس لنسخة جديدة في إطار خدمة الاستراتيجية الأميركية”. ولفت إلى أنّ التوقيت متصل بالاستراتيجي الأميركي أكثر من ارتباطه بالحالة السودانية سيّما في ظل احتدام الصراع الدولي الحالي، أما عن تأثيره على المشهد السياسي السوداني فلا يعتقد عبد القيوم أنه سيكون للقرار تأثير كبير لطبيعة البنية التنظيمية التي شكلت أهم ملامح الإسلام السياسي.
من جهته، قال الصحافي ماجد علي، لـ”العربي الجديد”، إن القرار كان متوقعاً منذ تصنيف إدارة ترامب فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان “منظمات إرهابية”، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها، خصوصاً أن فرع الإخوان في السودان لديه علاقات وثيقة بتلك الفروع، مضيفاً أن فرع السودان المعروف باسم الحركة الإسلامية متهم بتأجيج الحرب الحالية والوقوف وراء تعنت الجيش في إنهاء الحرب مع الدعم السريع. ولفت إلى أن التوقيت مرتبط بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ومحاولة معاقبة كل من له صلة بها وبالحرس الثوري، مشيراً إلى أن “لواء البراء” الذي ذكره القرار معروف بدعمه أيضاً للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وتوقع ماجد أن يؤدي القرار للضغط على الإسلاميين للقبول بتسوية سياسية وإنهاء الحرب السودانية، أو التشدد أكثر والاستمرار في عرقلة أي جهود لإحلال السلام خصوصاً إذا كانت أميركية.
المصدر:
الراكوبة