في ظل تفاقم الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 وامتدادها إلى ما يقرب من ثلاث سنوات، تعالت في الأوساط السياسية والدبلوماسية مطالب متزايدة بتصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية.
وقبل أيام أوصت دراسة أمريكية بتصنيف فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، استناداً إلى ما وصفته بـ” تأثيرات أمنية إقليمية متزايدة”.
هذه المطالب تأتي في سياق إقليمي وعالمي يشهد تصاعداً في محاربة فكر الإسلام السياسي المتشدد، وخاصة بعد أن أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط منظمات إرهابية أو كيانات إرهابية عالمية.
كيف تتحرك جماعة الإخوان في السودان؟
تنظيم الإخوان المسلمين في السودان ليس كياناً جديداً على المشهد السوداني، بل يعود تاريخه إلى ما قبل استقلال السودان، متأثراً بالحركة الإخوانية في مصر وغيرها من فروع الجماعة في العالم العربي. وقد لعب التنظيم دوراً محورياً في الحياة السياسية السودانية لعقود، لكنّه برز بشكل أساسي عندما سيطر على السلطة بعد انقلاب 30 حزيران/يونيو 1989 بقيادة عمر البشير، الذي وضع نهاية لحكومة المدنيين وأسس لحكم استمر أكثر من ثلاثة عقود.
خلال تلك الفترة شكّلت “الحركة الإسلامية “، التي تُعدّ الذراع التنظيمية للإخوان في السودان، واجهة للنظام، وتغلغلت في أجهزة الدولة، بما في ذلك الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام؛ الأمر الذي جعلها قوة مؤثرة في السياسة الوطنية. ورغم تمكنها من التحكم بالسلطة خلال فترة البشير، إلا أنّ حكم الجماعة تميز بترابط وثيق مع قضايا الفساد والعزلة الدولية، وهو ما عزز الانتقادات المحلية والإقليمية ضدها.
أسباب ودوافع التصنيف
منذ التسعينيات وُجّهت اتهامات لحكم الإخوان في السودان بدعم بعض الأنشطة والكيانات المرتبطة بالعنف، وأبرز ذلك ما أُشير إليه في مواقف السودان من أحداث كبرى في المنطقة، مثل استضافة تنظيمات متشددة وتورط الخرطوم في قضايا تتعلق بالإرهاب الدولي في ذلك الوقت، بما في ذلك علاقة تنظيم البشير وتنفيذيي حكم الإخوان بأحداث مرتبطة بالتنظيمات المسلحة.
بعد الثورة السودانية في كانون الأول/ديسمبر 2018 والإطاحة بنظام البشير، وجد الإخوان أنفسهم في مواجهة مباشرة مع قوى الثورة والمدنيين، الذين رأوا فيهم عقبة أمام التحول الديمقراطي. وقد شهدت الفترة الانتقالية صراعات سياسية حادة بين الإسلاميين والحركات المدنية، وهو ما أضاف مزيداً من الاحتقان السياسي والاجتماعي.
وقد أشار العديد من المراقبين إلى أنّ الإخوان سعوا لتثبيت وجودهم السياسي عبر وسائل غير ديمقراطية، وعرقلوا مسارات انتقال السلطة إلى المدنيين، وهو ما يجعل هناك دعوات قوية داخل السودان لتصنيفهم كتنظيم إرهابي يعطل الانتقال السلمي.
تزايد الدور في الحرب الحالية
منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة “حميدتي” محمد حمدان دقلو، ظهرت اتهامات بأنّ التنظيم الإخواني لعب دوراً في تسريع وتوسيع نطاق القتال، إمّا عبر دعم أطراف قائمة، وإمّا عبر تحريض قواعدها، وهو ما قال عنه مراقبون إنّه” قدح شرارة الحرب”، والسعي إلى عرقلة التسويات.
هذه الاتهامات، حتى وإن احتاجت إلى تحقيقات مستقلة موثقة، تشكل مستنداً لدى خصوم التنظيم بالداخل والخارج في القول إنّ نشاط الإخوان لم يعد سياسياً فقط بل يمتد إلى أفعال تقوض الأمن والاستقرار.
المطالب السودانية والدولية المتصاعدة
ليس فقط في السودان، بل على الساحة الدولية أيضاً، هناك توجهات قوية لتصنيف فروع الإخوان منظمات إرهابية، خصوصاً بعد أن صرحت إدارة ترامب بتصنيف فروع في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية، وتشهد الأمم المتحدة نقاشات واسعة حول دور الجماعة في تمويل التطرف، وفي بعض الحالات دعمها للجماعات المسلحة أو الإرهابية في المنطقة.
في السودان، هناك مطالبات من تحالفات سياسية مختلفة بتصنيف الإخوان، بهدف إنهاء دورهم في المشهد، ومساءلتهم عن الدور الذي لعبوه في أحداث القمع والمعارك والعراقيل السياسية.
دور الإخوان في إشعال وإطالة أمد الحرب الأخيرة
لا يمكن فصل النقاش حول تصنيف الجماعة عن الحرب التي تخوضها البلاد منذ عام 2023، والتي تُعدّ واحدة من أخطر النزاعات في أفريقيا من حيث الأعداد والدمار والتهجير. وقد ظهرت اتهامات بأنّ الإخوان كانوا حاضرِين في خلفيات عدة من هذه الأحداث، من خلال:
– تأثيرهم في هياكل الجيش والأمن، فقد أكدت بعض التقارير أنّ آلافاً ممّن خدموا في جهاز المخابرات والأمن خلال عهد البشير، والذين تربطهم علاقات تنظيمية مع الإخوان، يشاركون اليوم في القتال، ممّا يربط بين التراكم التاريخي للنفوذ الإخواني واستمرارية الحرب الحالية.
– محاولة استخدام الحرب منصة لإعادة الهيمنة السياسية، بدلاً من العمل لإيقاف الاقتتال ودفع أطراف الحرب نحو تسوية سلمية، وهو ما يؤشر إلى أنّ بعض الفصائل الإخوانية تستفيد من استمرار الصراع للحصول على موطئ قدم في أيّ تسوية مستقبلية.
كلّ ذلك يشير إلى أنّ الجماعة لم تعد تمثل فاعلاً سياسياً عادياً بقدر ما صارت لاعباً في نزاع مسلح أدى إلى كارثة إنسانية واسعة.
ما طبيعة التحركات مؤخراً؟
من بين أبرز الأسماء المرتبطة بحركة الإخوان في السودان يأتي اسم علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، الذي سبق أن وُجهت إليه اتهامات بعرقلة جهود التسوية السياسية والسعي إلى تثبيت النفوذ السياسي، وهو ما جعله هدفاً لعقوبات أمريكية سابقة.
الحالة التنظيمية للإخوان في السودان معقدة أيضاً، لأنّها تمزج بين المؤسسة السياسية الرسمية “الحركة الإسلامية”، وبين شبكة من النشطاء والموالين في الجيش والأمن والحياة الاقتصادية، ممّا يجعل من السهل عليهم التحرك في أكثر من مجال سياسي وأمني.
وهذا الجانب يعزز الحجة القائلة إنّ الحركة تمتلك بنية تحتية قوية قادرة على تدوير الأزمة لصالحها، إذا لم يتم التعامل معها بحزم.
السيناريوهات المستقبلية
ـ “تصنيف إرهابي”: هذا السيناريو يقضي بإعلان إدارة ترامب رسمياً أنّ جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيم إرهابي، ممّا يعزز جهود تجفيف منابع التمويل، ويمنع أيّ دعم خارجي أو داخلي للجماعة، ويضع قياداتها تحت مراقبة أو عقوبات دولية.
المؤيدون يرون أنّ ذلك قد يضع حدّاً لدورهم في العنف، ويكون خطوة نحو نزع الشرعية عن إيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف.
ـ “رفض التصنيف”: يقول خصوم هذا الخيار إنّه ربما يجعل الجماعة أكثر عزلة ويدفعها نحو مزيد من التطرف، ويعقّد فرص السلام لأنّه سيعطيها حجّة أنّها مستهدفة من الخارج.
ـ “حل سياسي وسط”: في هذا السيناريو يمكن للولايات المتحدة أن تضع قيادات بعينها تحت عقوبات، مع إبقاء الجماعة خارج لوائح الإرهاب بما يشجعها على الانخراط في حوار سياسي شامل يحتاجه السودان.
تصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية ليس قراراً حُكماً، بل هو خيار تدعمه معلومات وتحليلات ترى أنّ الجماعة لعبت دوراً في تعطيل التحول السياسي وفي استمرار النزاع الدموي الذي يعصف بالسودان منذ عام2023 ، لكنّ القرار يحمل تبعات سياسية وأمنية واسعة، سواء في الداخل السوداني أو في العلاقات الدولية، خصوصاً مع الولايات المتحدة التي تسعى منذ فترة لتقييد نشاط فروع الإخوان في المنطقة.
المسألة إذن ليست قانونية فقط، بقدر ما هي استراتيجية تتعلق بمستقبل السودان وأمنه واستقراره، وتستحق نقاشاً عميقاً يأخذ في الحسبان النتائج المحتملة على الساحة السياسية وعلى الجهود الدولية لإنهاء الحرب.
رشا عمار- صحفية مصرية
حفريات
المصدر:
الراكوبة