ليست المسألة أن تتولى مصر الرئاسة الدورية لـ مجلس السلم والأمن الإفريقي. فالرئاسة شهرية ومتداولة بين الدول الأعضاء. المسألة الحقيقية: ماذا تفعل الدولة حين تمسك بمطرقة إدارة الجلسات وصياغة البيانات وتحديد المتحدثين؟
في فبراير، لم يكن ما جرى مجرد اجتماع عادي حول السودان. كان مشهدًا مكتمل الأركان لإعادة هندسة اللغة، ومن ثم إعادة هندسة الشرعية.
من “انقلاب” إلى “انتقال”… بالصياغة لا بالصندوق
السودان عُلّقت عضويته بموجب المادة (30) من القانون التأسيسي لـ الاتحاد الإفريقي، لأن السلطة وصلت عبر انقلاب عسكري. هذه ليست رواية سياسية؛ إنها حقيقة قانونية.
لكن فجأة، في البيان الأخير، تتحول الحكومة المنبثقة عن انقلاب إلى “حكومة انتقالية”.
اللغة هنا ليست بريئة. حين تغيّر التوصيف، فأنت تغيّر المآل.
تسمية الحكومة “انتقالية” تعني أنها جزء من مسار شرعي قابل للتطوير. أي أن الانقلاب لم يعد أصل المشكلة، بل صار مرحلة في طريق طبيعي نحو انتخابات. هكذا تُغسل الوقائع بماء الكلمات.
منصة المجلس… لمن؟
منح ممثل خارجية سلطة بورتسودان حق مخاطبة المجلس ليس إجراءً تقنيًا. إنه اعتراف ضمني بالصفة التمثيلية.
كيف تُعلّق عضوية دولة بسبب انقلاب، ثم تفتح المنصة الرسمية لممثل الانقلاب نفسه؟
أي رسالة تُبعث إلى القارة؟ أن الانقلاب خطأ… لكنه قابل للتسوية إذا أُعيدت صياغته جيدًا؟
“كونوا أكثر شمولًا”… ثم عودوا
الدعوة لأن تكون الحكومة “أكثر شمولًا” تبدو مطلبًا إصلاحيًا. لكنها في السياق الحالي ليست سوى إشارة ضوء أخضر:
استمروا، عدّلوا الشكل، وسننظر في إعادتكم.
بل أكثر من ذلك، جاء الترحيب بعودة ما سُمّي بالحكومة الانتقالية إلى الخرطوم باعتبارها “خطوة مهمة نحو الاستقرار”.
أي استقرار هذا الذي يتجاهل أصل الأزمة الدستورية؟
الاستقرار الحقيقي يبدأ من الشرعية، لا من إعادة التموضع الجغرافي.
بيان بميزان مختل
حين تُنسَب انتهاكات الفاشر لطرف واحد دون ذكر أي مسؤولية للأطراف الأخرى، فإن المجلس لا يعبّر عن حياد، بل عن تموضع سياسي.
لماذا كل هذا الإصرار؟
مصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا. لا تريد مغامرة سياسية مجهولة النتائج جنوب حدودها.
سلطة عسكرية يمكن التفاهم معها أفضل من انتقال مدني كامل قد يعيد رسم التحالفات.
لكن الأخطر ليس في حسابات القاهرة الأمنية؛ بل في استخدام منصة قارية لتثبيت هذه الحسابات.
حين تُستعمل رئاسة مجلس السلم كأداة لإعادة تدوير سلطة انقلابية، فإن الضرر لا يقع على السودان وحده، بل على مصداقية الاتحاد الإفريقي نفسه.
السودان… بين التعليق والتعويم
السؤال اليوم ليس: هل ستُرفع عضوية السودان؟
السؤال: هل ستُرفع لأنها عالجت سبب التعليق، أم لأنها أُعيد توصيفها بذكاء؟
إذا أصبح الانقلاب قابلًا لإعادة التسمية ثم لإعادة الدمج، فإن المادة (30) تتحول إلى نص تفاوضي، لا مبدأ قاري
الحقيقة الصعبة
ما يجري ليس وساطة حيادية، بل إعادة صياغة سياسية تُمهّد لشرعنة واقع فرضته القوة.
إنه مسار تعويم بطيء:
• تغيير المصطلح
• فتح المنصة
• الدعوة للتطوير
• التلويح بالانتخابات
• ثم إعادة المقعد
السودان لا يحتاج إلى إعادة تعويم سلطة الأمر الواقع.
يحتاج إلى مسار مدني حقيقي يطوي صفحة الانقلاب والحرب معًا.
وإذا كان الاتحاد الإفريقي جادًا في حماية مبدأ رفض الانقلابات، فعليه أن يتذكر أن الشرعية لا تُستعاد بالبيانات، بل بالمسارات الدستورية.
أما استخدام الرئاسة الدورية كجسر لعبور الانقلاب إلى الضفة الأخرى، فسيبقى وصمة في سجل القارة… قبل أن يكون أزمة سودانية.
إدراك نيوز
المصدر:
الراكوبة