ترجمة الراكوبة:
السودان عند مفترق طرق: سلام مستدام أم مجرد ‘إدارة للفوضى’؟
*5 سيناريوهات ترسم ملامح المرحلة القادمة، وتحذيرات من ضياع الفاعلية الأفريقية لصالح ترتيبات نفوذ دولية مؤقتة. هل تنجح الوساطة في الربط بين الهدنة الإنسانية والمسار الدستوري؟*
بقلم: عبد الوهاب محمد (زميل أقدم في “أماني أفريقيا”) وسليمان أييلي ديرسو (المدير المؤسس لـ “أماني أفريقيا”)
++++
*لحظة التقاء.. ومخاطرة*
بعد قرابة ثلاث سنوات من حرب مدمرة، يقف السودان عند لحظة خطيرة وحاسمة؛ ملايين النازحين، مجاعة تزحف، واستهداف متعمد للمدنيين. لقد أُفرغت الدولة من محتواها، وما بدأ كصراعٍ ٍ على السلطة داخل المؤسسة الأمنية تطور إلى نظام صراع ٍ”ممنهج إقليمياً” تذكي نيرانه أطراف خارجية، واقتصاديات الحرب، والتنافس الجيوسياسي.
ومع ذلك، وسط هذا الدمار، يبرز أمر هام؛ فجهود الوساطة التي كانت تسير في خطوط متوازية (أفريقية، وإقليمية، ودولية) بدأت تتحرك ببطء وصعوبة نحو شكل من أشكال “الالتقاء”. هذا التقارب، رغم عدم اكتماله وهشاشته، يفتح نافذة للفرص يجب ألا تُهدر.
إن الضرورة الملحة الآن واضحة: يجب أن تتوقف الحرب. الهدنة الإنسانية الفورية أمر لا غنى عنه، وهي ليست تنازلاً، بل ضرورة ٌأخلاقيةٌ وسياسية لتجنيب السودانيين المزيد من الموت والنزوح. لكن الهدنة لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها، بل يجب ربطها بوضوح وبمصداقية بعملية سياسية موازية تهدف إلى استعادة السلطة المدنية والتقرير الديمقراطي للمصير.
لم تعد حرب السودان تعتمد أساساً على الخلافات السياسية الداخلية، بل تطورت إلى منظومة صراعٍ إقليمي تحركها ثلاث قوى:
• الصراع على السيادة والسلطة القهرية داخل السودان،
• اقتصاد حرب عابر للحدود،
• والتدخل المستمر من قوى إقليمية ودولية.
بناءً على هذا المشهد، يواجه السودان خمس مسارات (سيناريوهات) محتملة:
*السيناريو الأول: فخ الإجراءات، عندما تتحول الوساطة إلى طقس بلا أثر*
استمرار الوساطة كما هي الآن؛ مفاوضات لوقف إطلاق النار، مؤتمرات، استشارة المدنيين دون تمكينهم. والنتيجة المرجحة هي جمود طال أمده، حيث تشارك الأطراف المسلحة تكتيكياً وتتحول الوساطة إلى “طقس فني” يفتقر للقيمة الاستراتيجية.
الأولوية هنا لوقف العنف عبر هدنة إنسانية مع تأجيل القضايا السياسية. ورغم أهمية هذا المسار لإنقاذ الأرواح، إلا أنه يخاطر بترسيخ “الحكم العسكري”، حيث تصبح الهدنة أداة لتعزيز نفوذ المسلحين ويتحول الصراع إلى “نزاع مجمد”.
*السيناريو الثالث: التقاء المدنيين دون أدوات ضغط*
اصطفاف القوى المدنية والمجتمع الدولي حول رؤية مشتركة للحكم المدني. ورغم نبل هذا المسار، إلا أنه بدون نفوذ حقيقي على اقتصاديات الحرب والجهات الخارجية الداعمة، سيظل التقاءً رمزياً ينتج عنه الإحباط فقط.
*السيناريو الرابع: استقرار “الصفقات”: هل يبيع السودان سيادته مقابل وقف القتال؟ (نموذج مجلس السلام)*
*السيناريو الخامس: إعادة هندسة الوساطة — التقارب المصحوب بأدوات الضغط*
هذا السيناريو الأخير لا يرفض السيناريوهات الأخرى، بل يتعلم منها؛
• فهو يستمد من السيناريو الأول الانضباط الإجرائي والاستمرارية المؤسسية،
• ومن السيناريو الثاني يؤكد على الضرورة القصوى للهدنة الإنسانية،
• ومن السيناريو الثالث يحافظ على تقارب القوى المدنية ويعمقه،
• ومن السيناريو الرابع يدرك أن أدوات الضغط الحقيقية — بما في ذلك تلك التي يمتلكها الفاعلون الخارجيون النافذون — لا يمكن تجاهلها.
لكنه يدمج هذه العناصر كافة في بنية وساطة مُعاد تصميمها ومدركة لموازين القوة.
يهدف هذا النهج إلى: تأمين هدنة إنسانية فورية؛ ربط هذه الهدنة صراحةً بعملية سياسية موازية ومقيدة بجدول زمني؛ هيكلة آليات التعامل مع الداعمين الخارجيين؛ إدخال آليات لتعطيل اقتصاديات الحرب؛ إعادة تعريف “الحياد” باعتباره تعاملاً مبدئياً مع مراكز القوة؛ والحفاظ على الدور الأفريقي متعدد الأطراف مع استخدام نفوذ الضغط المتاح بمسؤولية.
إن الاستقرار الدائم للمواطنين والجيران والمستثمرين على حد سواء يعتمد على التقرير الديمقراطي للمصير؛ وأي حل دون ذلك لن ينتج سوى هدوء مؤقت.
*اختيار الإرادة بدلاً من الانجراف*
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق — ليس فقط بين الحرب والسلام، بل بين عقائد متضاربة للوساطة. إن وقف الحرب أمر حتمي، والهدنة الإنسانية ملحة، لكن لا يمكن اختزال السلام في مجرد “احتواء النزاع”، ولا يمكن تأجيل العمل السياسي إلى أجل غير مسمى.
لقد أظهر الشعب السوداني مراراً شجاعة وكرامة وصموداً استثنائياً. والمطلوب الآن هو استراتيجية وساطة تليق بهذا الصمود؛ استراتيجية تزاوج بين الوضوح الأخلاقي والواقعية الهيكلية.
إن الخيار أمام السودان وشركائه ليس مفاضلة بين الواقعية والمبادئ، بل هو اختيار بين “فوضى مُدارة” أو “تحول مقصود”. لا يزال السلام ممكناً، ولكن فقط إذا تم تأمين التقارب والحفاظ عليه، وهيكلة أدوات الضغط، ووضع الإرادة السياسية السودانية — المدعومة بجهد أفريقي متعدد الأطراف — في قلب المشهد.
*ملخص تنفيذي: مستقبل السودان بين التسوية الهشة والتحول الاستراتيجي*
يحلل التقرير خمس مسارات محتملة لعملية الوساطة في السودان، تتراوح بين استمرار الوضع الراهن وبين إعادة هندسة شاملة للحل:
1. سيناريو “الجمود الإجرائي”: الاستمرار في النهج التقليدي (مفاوضات ومؤتمرات دون تغيير هيكلي). يؤدي هذا المسار إلى استنزاف الوقت وتحول الوساطة إلى عملية فنية بلا نتائج ملموسة، مما يكرس الجمود الميداني.
2. سيناريو “الهدنة الإنسانية المجردة”: التركيز على وقف العنف وإيصال المساعدات مع تأجيل القضايا السياسية. ورغم أهميته لإنقاذ الأرواح، إلا أنه يهدد بإنتاج “صراع مجمد” يشرعن حكم الأمر الواقع للمجموعات المسلحة.
3. سيناريو “الاصطفاف المدني الرمزي”: نجاح القوى المدنية في توحيد رؤيتها لكن دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على الأرض أو على داعمي الحرب. يؤدي هذا لرفع سقف التوقعات مع عجز عن التنفيذ، مما يولد إحباطاً شعبياً.
4. سيناريو “استقرار الصفقات” (الوصاية الدولية): توجه تقوده قوى دولية (مثل الرباعية) لفرض تهدئة سريعة عبر صفقات مع الأطراف المتحاربة وداعميهم الإقليميين. يحقق هذا المسار استقراراً سريعاً لكنه يخاطر بتغييب السيادة السودانية وتأجيل الديمقراطية لصالح مصالح القوى الكبرى.
5. سيناريو “الوساطة الذكية” (الحل الأمثل): نهج يدمج الشرعية الدولية بالواقعية السياسية، من خلال ربط الهدنة الإنسانية فوراً بمسار سياسي دستوري ملزم، مع استخدام أدوات ضغط اقتصادية وسياسية لتعطيل اقتصاد الحرب وتحجيم التدخلات الخارجية.
*الخلاصة:*
يؤكد التقرير أن أي حل يتجاهل الإرادة السياسية السودانية أو يكتفي بتهدئة مؤقتة لن يقود إلا إلى فوضى مستدامة. الاستقرار الحقيقي يتطلب انتقالاً نحو حكم مدني ديمقراطي تدعمه آليات إقليمية ودولية قوية.
“أما بالنسبة لأفريقيا، فقد يترتب على ذلك سابقة ذات عواقب جسيمة؛ تتمثل في تنحية العمل المتعدد الأطراف لصالح ترتيبات نفوذ مؤقتة، والضياع التام *للفاعلية الأفريقية* في إدارة شؤون القارة.
المصدر:
الراكوبة