وسيطرت مليشيات الدعم السريع في السنة الأولى للحرب على أربع من خمس ولايات إقليم دارفور، وهي ولاية جنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة، ولاية شرق دارفور وعاصمتها الضعين، ولاية وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، بينما واصلت محاصرة ومهاجمة مدينة الفاشر، عاصمة الولاية الخامسة شمال دارفور، لأكثر من 500 يوم، وخاضت مع القوات المدافعة عن المدينة أكثر من 200 معركة قبل أن تسيطر عليها في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وترتكب انتهاكات واسعة بحق من تبقى من سكانها، حسب ما وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية.
وكشفت التقارير المحلية والدولية أن مليشيات الدعم السريع عمدت الى اعتقال الآلاف من المواطنين والعسكريين بعد سيطرتها على الفاشر، ومن بينهم خمسة صحافيين، حسبما أعلنت نقابة الصحافيين السودانيين في بيان في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وقد تم احتجاز الكثيرين في سجن شالا التابع لمدينة الفاشر، فيما نقل آخرون إلى سجون أخرى في مدن دارفور المختلفة.
أبو بكر أحمد إمام: “الدعم” احتجزت منذ سيطرتها على مدينة الفاشر آلاف المدنيين
وقال المتحدث باسم المقاومة الشعبية (قوات مساندة للجيش) بولاية شمال دارفور أبو بكر أحمد إمام، لـ”العربي الجديد”، إن مليشيات الدعم السريع منذ سيطرتها على مدينة الفاشر احتجزت آلاف المدنيين في مناطق مختلفة، إذ جرى أولاً احتجاز أعداد كبيرة من الفاشر في مواقع، مثل مستشفى الأطفال على الناحية الشرقية للمدينة، ومبنى كلية تابعة لجامعة الفاشر عند البورصة، شرق المدينة، وأيضاً في منزل يتبع لقائد في قوات الدعم السريع يدعى سعيد ساركول يقع عند الناحية الشرقية. وأضاف أن هناك معتقلين أيضاً في المقر السابق للبعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (يوناميد)، والذي يقع في الجزء الشمالي الغربي للمدينة، ويتم الاحتجاز داخل حاويات حديدية.
وأشار إمام إلى أن قوات الدعم السريع حولت أيضاً مبنى هيئة حماية الأسرة والطفل بحي الدرجة الأولى بالفاشر إلى مقر احتجاز، وأخيراً سجن شالا عند الناحية الجنوبية الغربية للفاشر، وهو أكبر معتقل مقارنة ببقية المعتقلات داخل المدينة. ولفت إلى أنه في الفترة الأخيرة تم ترحيل كل المعتقلين في مبنى البورصة، وكذلك مستشفى الأطفال، إلى مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، وبالتحديد إلى سجني دقريس وكوبر، مؤكداً أن المليشيات تواصل حتى اليوم ترحيل المعتقلين إلى نيالا، ولكن حتى الآن يضم سجن شالا أكبر عدد من المعتقلين، ويبلغ أكثر من تسعة آلاف، من بينهم نحو 500 امرأة.
وحول الانتهاكات التي تحدث للمعتقلين، أكد المتحدث باسم المقاومة الشعبية أنهم يعانون من الجوع والعطش ويعتمدهما السجانون باعتبارهما أداة للتعذيب، إضافة إلى التعذيب الجسدي، والأسوأ أيضاً انتشار مرض الكوليرا. وبيّن أن المعتقلين تُقطع عنهم المياه والغذاء لأيام، وفي الفترة الأخيرة انتشرت الكوليرا بشكل كبير، وأدت إلى وفاة أكثر من 300 مدني داخل سجن شالا، وهناك عشرات المتوفين في المراكز الأخرى. وتابع: “يُجبر المساجين على ترك جثث المتوفين لأيام داخل الزنازين وهو نوع من أنواع التعذيب للأحياء، ثم يجبرون على دفنهم في أماكن مختلفة، مثل الساحة الغربية للمتوفين من سجن شالا، وكذلك الساحة الغربية لمقر يوناميد، والساحة الشرقية لسجن مستشفى الأطفال وأماكن أخرى داخل الفاشر”. وذكر أن هناك مقر احتجاز عبارة عن مبنى للشرطة بمخيم زمزم للنازحين، جنوب الفاشر، الذي سيطرت عليه “الدعم” في إبريل/ نيسان 2025.
وحسب إمام، فإن المعتقلين أغلبهم من المصابين في مدينة الفاشر، والذين لم يتمكنوا من الهروب، ولم يتم تقديم أي خدمات صحية لهم، وتعفنت جروحهم ومات الكثيرون منهم، مؤكداً أن أوضاع المعتقلين في سجون المليشيا مأساوية جداً، ولا يُسمح بالكشف عنهم ولا تُجرى لهم أي محاكمات.
وفي هذا الصدد، روى المواطن أحمد (اسم مستعار)، الذي كان شاهداً على المعركة الأخيرة بالفاشر، في لقاء مع “العربي الجديد”، كيف تم إلقاء القبض عليه وحتى فراره من السجن. وقال أحمد إنه كان يسكن في مركز السلام التابع لمخيم أبو شوك للنازحين على بعد نحو أربعة كيلومترات شمال مدينة الفاشر، وتم اعتقاله مع ثلاثة آخرين، وجرى احتجازهم في منزل بالقرب من المستشفى السعودي لمدة يومين، بعدها نقلوا إلى سجن شالا بالمدينة، ومكث هناك لشهرين. وأضاف أن الموجودين في السجن أعدادهم كبيرة جداً وبينهم الكثير من المصابين بالرصاص.
وذكر أنه خلال الفترة الأولى شهد بنفسه إعدام الكثيرين داخل الزنازين بعد اتهامهم بالعمل مع الجيش السوداني، وهناك آخرون ماتوا بسبب الكوليرا، والتي انتشرت بصورة كبيرة داخل السجن، فيما لا وجود للعلاج أو لأي اهتمام بالمرضى، لافتاً إلى أنه عندما يموت شخص لا يخرجونه بل يتركونه داخل السجن ليومين، وأحياناً لثلاثة أيام، حتى يتعفن، ثم يطلبون من بعض المساجين إخراج الجثة ودفنها بجوار السجن. وكشف أحمد عن كيفية تمكنه من الفرار، قائلاً: “تمكنت من الهرب بعدما أخرجوني مع أربعة آخرين وطُلب منا دفن جثة، وخلال الدفن انشغل الحراس عنا قليلاً، فهربت، لكنهم انتبهوا بعدها وأطلقوا النار نحوي بكثافة وأصابوني في يدي، لكنني واصلت الركض حتى تمكنت من الابتعاد والوصول إلى منطقة آمنة”، لافتاً إلى أن المسؤولين عن السجن كانوا بعد كل فترة ينقلون بعض المعتقلين إلى سجون أخرى.
شاهد: تم إعدام الكثيرين داخل الزنازين بعد اتهامهم بالعمل مع الجيش السوداني
وأشار إلى أنهم كانوا يعانون من الجوع والعطش، موضحاً أنهم “يقطعون عنا الطعام والماء لثلاثة أيام، وحتى عندما يحضرون الطعام لا يكون كافياً. كنت في زنزانة فيها نحو 50 شخصاً ويعطون كل معتقل قطعة خبز صغيرة وماء في جردل (دلو) لتقسيمه بيننا. كما أن الزنزانة ضيقة لدرجة أننا لا نستطيع النوم أحياناً أو الصلاة، لذلك نقوم بتقسيم أنفسنا، ينام جزء ويكون الجزء الآخر واقفاً لضيق المكان. كما أننا نقضي حاجتنا في الداخل أيضاً. أعتقد أن الذين تركتهم في الداخل سيموتون من الجوع والعطش لا محالة، أو من تعفُن جروحهم”.
وتمثل مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من المدن الكبيرة في غرب السودان، وتبعد عن العاصمة الخرطوم حوالي 802 كيلومتر، وتتألف من نحو 90 حياً، وتضم مقر قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش. وتتكون ولاية شمال دارفور من 18 محلية (بلدية)، وتحدها من الغرب دولة تشاد، ومن الشمال ليبيا، وقد مثلت الفاشر منذ بداية الحرب معقلاً رئيسياً للجيش السوداني في إقليم دارفور. وسبق لمجلس الأمن الدولي إصدار قرار بالرقم 2736 في 13 يونيو/ حزيران 2024 يطالب قوات الدعم السريع بإنهاء حصار مدينة الفاشر ووقف الهجوم عليها. وفي اتجاه آخر، تتخذ “الدعم” وحلفاؤها من الحركات المسلحة مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مقراً لحكومتها الموازية التي أعلنت عنها في 26 يوليو/ تموز 2025.
وفي إفادة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم الاثنين الماضي، إن “ الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بدارفور تعد كارثة كان يمكن تجنبها”، محذراً من خطر وقوع فظائع جماعية مماثلة في إقليم كردفان الذي يشهد تصعيداً في القتال وهجمات بمسيّرات تزهق أرواح المدنيين. وأضاف تورك: “لطالما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام”. وأضاف: “لقد وثقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات عديدة، بما في ذلك خلال هجوم قوات الدعم السريع للاستيلاء على مخيم زمزم، لكن تم تجاهل تحذيراتنا”. وحمّل تورك قوات الدعم السريع وحلفاءها ومن يدعمونها “المسؤولية الكاملة” عن هذه الفظائع، مشدداً على أنه “إذا بقينا مكتوفي الأيدي نندب حظنا بينما ترتكب الجيوش والجماعات المسلحة جرائم دولية، فلا يمكن إلا أن نتوقع الأسوأ”. وأشار إلى أن آلاف السكان من الفاشر لا يزالون في عداد المفقودين، وسط مخاوف من احتجازهم في ظروف غير إنسانية.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد أعلنت أنّ أكثر من ألف مدني قُتلوا في هجوم شنّته قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر في شمال دارفور. وأشارت المفوضية في تقرير، في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، إلى “مجازر وعمليات اغتصاب وأعمال عنف جنسي أخرى وتعذيب وخطف” ارتُكبت خلال الهجوم الذي نفذته “الدعم” خلال ثلاثة أيام، مؤكدة “مقتل ما لا يقل عن 1013 مدنياً”. وأضافت أنّ من بين الضحايا “319 شخصاً أُعدموا إما داخل المخيم أو أثناء محاولتهم الفرار. وقُتل بعضهم في منازلهم خلال مداهمات نفذتها الدعم السريع، بينما قُتل آخرون في السوق الرئيسي وفي مدارس ومراكز صحية ومساجد”.
العربي الجديد
المصدر:
الراكوبة