آخر الأخبار

كيف يقرأ الدور الإماراتي في حرب السودان؟

شارك

ثمة تساؤلات ملحة برزت تطفو على السطح عن الأدوار الخفية لدول بعينها أدت إلى تأجيج هذه الحرب من خلال توفير الدعم اللوجيستي بكل أنواعه لأحد طرفي الصراع مما أدى إلى تطاول أمده؟

لم يتخيل كثير من السودانيين أن تستمر الحرب المندلعة في بلادهم بين الجيش وقوات “الدعم السريع” قرابة ثلاثة أعوام، من دون أن يلوح في الأفق حتى اللحظة بوادر لإنهائها بعدما ألحقت دماراً كبيراً بالبنى التحتية لعدد من المدن الرئيسة بخاصة العاصمة الخرطوم، فضلاً عن حجم الانتهاكات الوحشية التي تعرض لها آلاف المواطنين، وعمليات القتل والاعتقال والاختفاء القسري وغيرها من المآسي.

لكن ثمة تساؤلات ملحة برزت تطفو على السطح عن الأدوار الخفية لدول بعينها أدت إلى تأجيج هذه الحرب من خلال توفير الدعم اللوجيستي بكل أنواعه لأحد طرفي الصراع مما أدى إلى إطالة أمده؟

أوضح الباحث في المجال العسكري والأمني اللواء أشرف محمود أنه “على رغم المبادرات والوساطات لا تزال حرب السودان مفتوحة على مزيد من الدم والدمار” (رويترز)

أدلة وبراهين

في السياق قال المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الفريق جلال تاور “في تقديري أن إطالة أمد الحرب في السودان ترجع إلى تغير أسباب اندلاعها، ففي البداية كان معداً لها أن تكون حرباً خاطفة لا تتجاوز ثلاث ساعات أياً كان الطرف الذي أشعلها، وذلك نظراً إلى عنصر المفاجأة والتحشيد والإعداد قبل الحرب بخاصة من جانب ’الدعم السريع‘ التي كانت في أعلى جاهزيتها واستعدادها لهذه المعركة، إذ حشدت في الخرطوم قوة قوامها 120 ألف جندي، ونحو 4 آلاف مركبة قتالية، فضلاً عن الآليات الثقيلة من دبابات وغيرها، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان باستبدال قوات الجيش، لذا فشلت خطة الأخيرة بالاستيلاء على السلطة، وبدأ الجيش في التجمع والاستقواء والتحضير ووضع الخطط لردع العدوان”.

وأضاف “من المؤكد أن الدعم الخارجي الذي أدى إلى تأجيج هذه الحرب، بخاصة من الجانب الإماراتي، يعد عاملاً مهماً أسهم في إطالة أمدها، وبلا شك الاتهامات التي وجهتها الحكومة السودانية للإمارات بدعمها قوات ’الدعم السريع‘ بالسلاح والمؤن وغيرها من العتاد الحربي ليست من فراغ، بل بالأدلة والبراهين منها الشكوى التي تقدم بها السودان لمجلس الأمن، وهي مسألة واضحة لا تحتاج إلى دليل من بينها القبض على أسرى إماراتيين في أرض المعركة بخاصة في مصفاة الجيلي وفي سوق أم درمان”.

وتنفي الإمارات ادعاءات تزويد أي طرف في السودان بالسلاح اوتقول “إنها لا أساس لها” وتؤكد أنها “لا تنحاز لأي طرف وتدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين”.

لكن المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الفريق جلال تاور “هذه الاتهامات باتت مثار حديث كثير من وسائل الإعلام العالمية، إذ تناولت دور الإمارات في تقديم الدعم اللوجيستي وجلب المرتزقة الأجانب للقتال إلى جانب ’الدعم السريع‘، وإرسال الشحنات الجوية من الأسلحة والذخائر عبر مطارات أوغندا وأفريقيا الوسطى وتشاد، ومن ثم إدخالها من طريق البر إلى إقليم دارفور”.

وزاد تاور “إضافة إلى أدلة صدرت من الصليب الأحمر، وتدمير طائرات إماراتية داخل السودان وقتل إماراتيين في نيالا بجنوب دارفور، فضلاً عن موقف الإمارات في مواجهة السودان في المنصات الدولية، والأهم من ذلك موقف الكونغرس الأميركي الذي أثبت، بالدليل، ضلوع الإمارات في تأجيج الحرب السودانية، وطالب بحظر تصدير الأسلحة إليها، إلى جانب قول وزير الخارجية الأميركي (ماركو روبيو) إن اللجنة الرباعية التي تضم بلاده والسعودية ومصر والإمارات لا يمكن أن تكون مكاناً يختبئ فيه البعض ليؤجج الحرب، فكلها دلائل وبينات كافية على مشاركة الإمارات في هذه الحرب وهذا أمر لا ينكره إلا مكابر”.

قوات من الجيش السوداني بعد دخولها الخرطوم العام 2025 (أ ف ب)

وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الإماراتية نفى “بشدة” ما وصفها بأنها مزاعم بتزويد الإمارات أي طرف في الصراع الدائر في السودان بالأسلحة، واصفا هذه “الادعاءات” بأنها لا أساس لها من الصحة وتفتقر لأي أدلة مُثبتة، وفق ما ذكر موقع بلومبيرغ في يوليو ( تموز) 2025.

وأكد المسؤول الإماراتي أن مساعي الإمارات لتعزيز نفوذها بدول القارة السمراء، خاصة من خلال وعود باستثمار مليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والخدمات والتكنولوجيا والعقارات، “مدفوع بقيم مشتركة ورؤية للتنمية المستدامة والنمو الشامل”.

ويقول جلال تاور إن “هناك من يتساءل عن مصلحة الإمارات في خلق فتنة وتدخل في السودان بخاصة أنها تمتلك مشاريع واستثمارات في هذا البلد، لكن في الوقت نفسه يطرح السؤال ذاته، ماذا تريد الإمارات في كل من اليمن وليبيا والصومال”؟

وأكد أن الإمارات تقوم بدور غير واضح في المنطقة يهدف إلى خلق عدم استقرار في الدول التي تدخل فيها كصديق ومستثمر، وهو ما حدث مع الجزائر أيضاً التي اكتشفت قيامها بنشاط معاد لها.

واضح أن الإمارات تريد أن تمتلك كل موارد السودان من موانئ على البحر الأحمر وذهب ويورانيوم وزراعة ومياه، لكي تؤمن مستقبلها في حال شحت موارده، لكن هل البحث عن موارد يكون من خلال الاحتلال والاستعمار؟ هذه صورة غير منطقية وغير عقلانية بأي حال من الأحوال”.

وتنفي وزارة الخارجية الإماراتية هذه الاتهامات وذكرت في بيان سابق حول ما ورد بشأن واردات الذهب من السودان، أن الإمارات طورت «إطارا تنظيميا قويا لتعظيم أمن ونزاهة وشفافية كل معاملة ذهب” وأضافت أن الإمارات تستورد الذهب من دول عدة، وأن لديها ضوابط رقابية صارمة، بينما يمثل الذهب السوداني نحو 1% فقط من إجمالي الواردات”.

خطط التقسيم

وفيما يواجه السودان خطر التقسيم خاصة في ظل استمرار الحرب يقول تاور إن “الهدف الرئيس من وراء تقسيم المنطقة ليس هدفاً إماراتياً بل هدف إسرائيلي وعالمي، لكن في نظري أن الإمارات لديها مصلحة في تقسيم السودان وتجزئته باعتبار أن موارده ستؤهله أن يصبح دولة قوية ذات تأثير كبير مثل روسيا والهند وغيرهما، وهي لا تريد منحه هذه القوة لموقفه المعادي لإسرائيل، ومعروف أن السودان ضمن الدول السبع التي تسعى تل أبيب لتقسيمها إلى دويلات وهي ليبيا والسودان والصومال والعراق وسوريا ولبنان وإيران حتى تكون خاضعة لها”.

نازحون سودانيون في خيام موقتة بعد فرارهم من مدينة الفاشر في دارفور (رويترز)

وأكد أن “’الدعم السريع‘ في قتاله، كان يعتمد على عناصر أساسية من أهمها الدعم اللوجيستي الذي تقدمه الإمارات بشكل متواصل من دون انقطاع عبر مطار نيالا عاصمة جنوب دارفور، ومطارات دول الجوار الأخرى كتشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، فكلها كانت منافذ لدخول الأسلحة والذخائر والمتخصصين العسكريين الأجانب بمن فيهم المرتزقة الكولومبيون الذين عرضت جثثهم أثناء القتال الشرس لفك الحصار عن الفاشر”.

وزاد المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية “لكن الجديد في الأمر أنه بعد سقوط الفاشر في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد الإبادة الجماعية لسكانها التي ارتكبتها ’الدعم السريع‘ لدى دخولها الفاشر، ظهر حلف جديد لمواجهة هذا النشاط الإماراتي، وإعلان مصر أن تقسيم السودان خط أحمر، وهو ما وجد مناصرة من دول مهمة في المنطقة، مما حد من مسألة الدعم والإمداد لتلك القوات المتمردة، كذلك فإن الضغط الإقليمي والدولي المساند للحكومة السودانية أثر في سير المعارك الدائرة حالياً بين الجيش و’الدعم السريع‘”.

وكانت الإمارات قد أكدت في بيان بعد مجزرة الفاشر أنها تدين العنف الذي يمارسه الطرفان رافضة اتهامها بإسناد وتمويل الدعم السريع بقيادة حميدتي.

مشروع تخريب

من جانبه أوضح الباحث في المجال العسكري والأمني اللواء أشرف محمود أنه “على رغم المبادرات، والوساطات، والبيانات الدولية التي لم تنقطع، لا تزال الحرب في السودان مفتوحة على مزيد من الدم والدمار، فهو واقع لا يمكن تفسيره فقط بعوامل الداخل، ولا بفشل الأطراف المحلية، بل بطبيعة الصراع نفسه، وبشبكة مصالح إقليمية ودولية ترى في استمرار النار مصلحة، وفي إطفائها خسارة”.

وتابع “ما يجري في السودان ليس حرباً تقليدية بين جيشين، ولا صراعاً سياسياً قابلاً للتسوية السريعة، هو صدام بين مؤسسة دولة، بجيشها وشرعيتها وتاريخها، وبين قوة مسلحة هجينة ممثلة في ’الدعم السريع‘، فهي لم تبن كقوة وطنية ذات عقيدة عسكرية، بل ككيان قبلي إثني مغلق، جرى تجميعه على أساس الولاء لا الانضباط، والغنيمة لا الواجب”.

وبين أن “الجامع الأساس لأفراد هذه القوات المتمردة لم يكن مشروع دولة أو قضية عامة، بل اقتصاد النهب بوصفه حافزاً رئيساً للاستمرار في القتال، وذلك من خلال نهب البيوت، والاستيلاء على ممتلكات المواطنين، والسيطرة على الذهب والطرق، وفرض الإتاوات، وكلما طال أمد الحرب، اتسع هامش الغنيمة، وتكرس السلوك الإجرامي كجزء من ثقافة القوة، كذلك عززت التركيبة الإثنية المغلقة هذا المسار، إذ أنتجت عقلية نحن مقابل الآخر، وسهلت تبرير العنف ضد المدنيين، بوصفهم غنائم لا مواطنين، وبيوتهم أهدافاً لا حرمات”.

وزاد محمود “لهذا لم يكن غريباً أن تتحول الميليشيات سريعاً من أداة أمنية إلى قوة فوضى، ومن ذراع نظام إلى مشروع تخريب شامل، فهذا التكوين يجعل أي حديث عن دمج أو إصلاح أو تسوية سياسية من دون تفكيك كامل لهذه الميليشيات وهماً خطراً، لأن من بني على النهب لا يعيش إلا به، ومن تشكل على أساس القبيلة لا يخضع لمنطق الدولة”، ولفت إلى أنه خلال الأشهر الأخيرة “خرج دور الإمارات من دائرة الهمس السياسي إلى العلن، فهناك تقارير متخصصين أمميين، وتحقيقات صحافية دولية، تحدثت عن خرق محتمل لحظر السلاح، ودعم لوجيستي ومالي غير مباشر، عبر شبكات تمتد من شرق ليبيا إلى تشاد، مروراً بتجارة الذهب وشركات الواجهة”.

اصطدام مصالح

وأفاد الباحث في المجال العسكري والأمني بأن “الأدلة المادية الرئيسة على تورط الإمارات في حرب السودان تشمل أسلحة وذخائر مصادرة، ورحلات شحن مشبوهة، وصور أقمار اصطناعية، إذ سبق أن صادرت قوات الجيش ذخائر، ومركبات، وأنظمة أسلحة إماراتية الأصل من ’الدعم السريع‘، إضافة إلى صناديق ذخائر ثقيلة تحمل اسم الإمارات وشاحنات بتراخيص دبي، وقامت الحكومة السودانية بتقديم هذه العناصر لمجلس الأمن الدولي، فضلاً عن اتهامها الإمارات بتجنيد مرتزقة ونقل مصابي ’الدعم السريع‘ إلى أبوظبي، وعلى رغم النفي الإماراتي المتكرر، فإن تراكم المؤشرات جعل الملف حاضراً بقوة في الدوائر الدبلوماسية، ولم يعد بالإمكان تجاهله أو دفنه تحت لغة المجاملات”.
لكن حكومة أبوظبي تنفي هذه الاتهامات وتؤكد أنها لا تدعم أي من طرفي الصراع في السودان.

مع استمرار الحرب السودانية ستظهر ارتدادات واضحة ما يزيد تدفق اللاجئين من دارفور وحولها إلى تشاد وما بعدها (غيتي)

ويقول اللواء أشرف محمود “من زاوية استراتيجية يصعب فصل هذا الدور عن مصالح أوسع، فالسودان ليس بلداً هامشياً، فهو يتميز بموقع استراتيجي، وموارد زراعية ومعدنية ضخمة، وساحل طويل على البحر الأحمر، وعمق أفريقي – عربي حساس، لذا فإن قيام دولة سودانية قوية، موحدة القرار، مستقلة الإرادة، لا ينسجم مع نماذج النفوذ غير المباشر التي تفضلها بعض القوى الإقليمية، والبديل المريح هو دولة ضعيفة، وسلطة ممزقة، وميليشيات قوية، أي نفوذ بلا كلفة احتلال”.

ورأى أن “جبهة كردفان تشهد حالياً تحولاً لافتاً، حيث استعاد الجيش زمام المبادرة، وحقق تقدماً واضحاً، مستفيداً من تحسن التخطيط العملياتي، وتآكل القدرات البشرية واللوجيستية لـ’لدعم السريع‘، ووجود بيئة اجتماعية رافضة هذه القوات المتمردة، لكن ما يجري لا يعد انهياراً فورياً للأخيرة، بل تراجعاً تكتيكياً وإعادة تموضع، غير أن استمرار الضغط قد يحول هذا التراجع إلى مسار انهيار تدريجي يصعب إيقافه، إذا لم يكسر سياسياً من الخارج”.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا