في ظل تصاعد الجدل حول استهداف قافلة في منطقة الرهد بكردفان، برزت تساؤلات حادة بشأن طبيعة القافلة وما إذا كانت إنسانية خالصة أم ذات حمولة عسكرية تحت غطاء إغاثي.
وبين روايات متناقضة ووثيقة منسوبة لجهاز الاستخبارات، تتعمق المخاوف من تداعيات سياسية ودبلوماسية وإنسانية محتملة.
في هذا السياق، قدّم الكاتب والباحث السياسي ماهر أبو الجوخ، خلال حديثه إلى برنامج “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، قراءة تحليلية للسيناريوهات المطروحة، محذّراً من انعكاسات خطيرة تمس مصداقية العمل الإنساني ومستقبل الهدن في السودان.
أوضح أبو الجوخ أنه اطّلع على الوثيقة المنشورة، معتبراً أنها تحتمل مؤشرين أساسيين. الأول أن تكون جزءاً من الحرب النفسية، وعندها يبقى الوضع على حاله من تبادل الاتهامات والصراع الإعلامي. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن تكون الوثيقة حقيقية ومسرّبة من جهاز المخابرات العامة في ولاية شمال كردفان، وهو ما يعني ـــ في حال صحته ـــ تحولاً كبيراً في توصيف القافلة التي قيل إنها تعرّضت لهجوم.
ويشير إلى أن صحة الوثيقة لا تقتصر تداعياتها على البعد السياسي، بل تمتد إلى أبعاد دبلوماسية، لاسيما أن جهات دولية وإقليمية سارعت إلى التنديد بالحادثة باعتبارها استهدافاً لقافلة إنسانية. ومن ثمّ، فإن تغيّر توصيف القافلة من إنسانية إلى عسكرية سيعيد تشكيل المواقف وردود الفعل.
غياب الجهة الدولية… باب التساؤلات المفتوح
لفت أبو الجوخ إلى ملاحظة اعتبرها محورية، مفادها أن القوافل الإنسانية التي تُستهدف عادة ما تكون تابعة لجهات دولية معروفة. غير أن القافلة محل الجدل لم يُعلن حتى اللحظة عن جهة دولية قامت بتجهيزها أو تحريكها. وبحسب تقديره، فإن غياب إعلان من برنامج الأغذية العالمي أو أي منظمة إنسانية دولية أو إقليمية بشأن تحريك القافلة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعتها.
ويرى أن حسم هذا الجدل يظل رهناً بتوضيح رسمي من جهة معترف بها دولياً، لأن تأكيد صدورها عن منظمة إنسانية ينهي جانباً مهماً من الخلاف. أما استمرار الغموض، فيُبقي القضية مفتوحة على جميع السيناريوهات.
تسيس وعسكرة العمل الإنساني
اعتبر أبو الجوخ أن استخدام المساعدات الإنسانية ضمن ترتيبات عسكرية ليس أمراً جديداً في سياق الصراع السوداني. وأشار إلى مظاهر سابقة تمثلت في منع وصول مساعدات إلى مناطق خاضعة لسيطرة الطرف الآخر، أو فرض قيود بيروقراطية، أو حتى توزيع المساعدات على مقاتلين.
غير أن ما يميّز الواقعة الحالية ــ إن صحّت ــ هو الترويج لقافلة ذات طبيعة عسكرية باعتبارها جزءاً من العمل الإنساني. ويؤكد أن خطورة هذا الأمر، في حال ثبوته، تكمن أولاً في خلق حالة شك واسعة إزاء المساعدات الإنسانية، بما يهدد الهدن الإنسانية ويقوّضها. وثانياً، في نسف مصداقية الأطراف المتحاربة فيما يتعلق بتصريحاتها ومواقفها.
تداعيات مباشرة على تأمين القوافل والمانحين
حدّد أبو الجوخ ثلاثة تأثيرات رئيسية محتملة. أولها المساس بمبدأ تأمين القوافل الإنسانية، التي يُفترض أن تُعامل بوصفها محمية بموجب القوانين والعهود الدولية والالتزامات المبرمة بين الأطراف. فإذا اختلط الإنساني بالعسكري، ستتعرض هذه الحصانة للاهتزاز.
ثانيها تعقيد إيصال المساعدات إلى المحتاجين، نتيجة ازدياد القيود وعمليات التفتيش وفقدان الثقة. أما التأثير الثالث فيتعلق بالمانحين، الذين يحرصون على وصول مساعداتهم إلى المتضررين. فإذا تبيّن أن تلك المساعدات تُستخدم في إطار الصراع العسكري أو للتمويه على أنشطة عسكرية، فإن ذلك سيعمّق حالة الإحجام القائمة أصلاً عن تغطية الاحتياجات الإنسانية.
ويخلص إلى أن المحصلة المباشرة ستكون مفاقمة الأزمة الإنسانية، وتوسيع رقعة فقدان الغذاء والتهديد بالمجاعة، مع كون المدنيين المتضرر الأكبر من هذا المسار.
استهداف المستودعات وغياب المساءلة
وفي ما يتصل باستهداف مستودعات برنامج الأغذية العالمي في كادوقلي، يرى أبو الجوخ أن ذلك يندرج ضمن طبيعة الحرب بين الطرفين، حيث يُنظر إلى المساعدات أحياناً باعتبارها قد تصب في مصلحة الطرف الآخر، خاصة إذا كان يقترب عسكرياً من تلك المناطق. ومن ثمّ، يجري تدميرها وفق منطق عسكري يستهدف كل ما يمكن أن يفيد الخصم.
غير أنه يعتبر أن العامل الحاسم في تفاقم هذه الظاهرة هو غياب التحقيق وتحديد المسؤولين ومعاقبتهم. فاستمرار الاستهداف، في ظل غياب آليات رقابة ومساءلة فعالة، يؤدي إلى تكرار الانتهاكات وتزايدها. ويشير إلى أن الردود غالباً ما تقتصر على الشجب والإدانة، من دون إجراءات ملموسة تضمن الحماية للمدنيين وللمساعدات.
وبحسب تقديره، فإن عدم المعاقبة يشجّع على التمادي، ما يجعل استمرار هذه الانتهاكات نتيجة منطقية لغياب المحاسبة الفعلية.
لا هدنة إنسانية بلا تأمين فعلي
يخلص أبو الجوخ إلى أن ما يجري يدل بوضوح على صعوبة الوصول إلى هدن إنسانية حقيقية من دون إجراءات تضمن تأمين المساعدات والعاملين عليها وطرق إيصالها، فضلاً عن حماية المدنيين. ويرى أن أي هدنة لا تتضمن آليات مراقبة فاعلة وقادرة على حماية المساعدات وضمان وصولها ستظل قاصرة وضعيفة.
ويحذّر من أن الهدن، في غياب هذه الضمانات، قد تتحول إلى فترات تحضير لأنشطة عسكرية جديدة، في سياق الشد والجذب بين الطرفين.
وعليه، فإن العنوان الأبرز ــ وفق تقديره ــ يتمثل في ضرورة اتخاذ إجراءات فاعلة وملموسة تؤمّن المساعدات الإنسانية بشكل نهائي، وتمنع الاعتداء عليها، وتكفل حماية المدنيين.
سكاي نيوز
المصدر:
الراكوبة