آخر الأخبار

سيادة القانون فوق النفوذ: ضرورة استقالة أو إقالة عضو مجلس السيادة

شارك

في الفترة الأخيرة كشفت الأحداث المتعلقة بموظف مصلحة الأراضي بالخرطوم، آيات محمد المأذون، عن أزمة مؤسسية جسيمة تمس صميم سيادة القانون داخل أجهزة الدولة. الموظف الذي أمضى أربعين عاماً في الخدمة العامة واجه إجراءات عقابية غير مبررة بسبب التزامه بقرارات مكتوبة صادرة عن والي الخرطوم، ورفضه تجاوز التسلسل الإداري لتلبية طلب مباشر له علاقة بمصلحة خاصة مرتبطة بأحد أعضاء مجلس السيادة. هذه الوقائع لا تعكس مجرد خلاف شخصي، بل تمثل نموذجاً واضحاً لتداخل النفوذ مع الإدارة العامة، وهو ما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون ويضع مؤسسات الدولة في موقف هش أمام الانحراف عن المهنية.
الرد الرسمي لرئيس مجلس السيادة، عبر رئيس الوزراء، بتقديم اعتذار للموظف وإلغاء جميع الإجراءات بحقه خطوة مهمة تعيد الاعتبار للفرد، لكنها لا تكفي لمعالجة اساس المشكلة. ورغم أن اعتذار رئيس الوزراء للموظف خطوة تصحيحية، إلا أن الطريقة التي اتُبعت حملت طابع مجاملة لأشخاص على حساب الدولة، ولم تعكس مستوى الإدارة الرشيدة والسيادة المؤسسية المتوقع من اشخاص على رأس الدولة والحكومة. القضية لم تعد الآن مرتبطة بالموظف المتضرر فقط، بل تتعلق بمصداقية نظام الحكم وحقوق المواطنين في دولة القانون. لذلك، من الضروري تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة توثق الحقائق وتحدد المسؤوليات، وتشمل جميع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك عضو مجلس السيادة، والي الولاية، الأمين العام لحكومة الولاية، ووزير التخطيط العمراني، مع ضمان حياد اللجنة وحماية أي طرف متضرر. يجب أن يكون التحقيق أولوية قصوى، حتى وإن تم تصحيح الظلم الواقع على الموظف، لأنه يمثل خطوة أساسية لحماية الدولة والنظام القانوني من أي تجاوز مستقبلي.
بالإضافة إلى ذلك، الأمر يستوجب ضرورة استقالة أو إقالة عضو مجلس السيادة المعني، ليس كعقوبة لشخصية له، بل لأنه يمثل رمز مؤسسي لحماية القانون في الدولة، وللتأكيد على أن أي سلطة عامة مقيدة بالقواعد المؤسسية وأن النفوذ الشخصي لا يمكن أن يتجاوز سيادة اللوائح والقرارات الرسمية. هذا الإجراء يرسل رسالة قوية بأن الدولة ملتزمة بسيادة القانون وأن أي تجاوز مهما كان موقعه الأعلى لن يمر دون مساءلة.
الدروس الأساسية من هذه الواقعة تشير إلى ضرورة وضع ضوابط صارمة لتضارب المصالح، حماية السلسلة الإدارية، وتفعيل آليات تظلم مؤسسية واضحة لجميع العاملين، بما يعزز الحوكمة ويحمي حقوق المواطنين. الدولة التي تحترم نفسها ومؤسساتها لا تنتظر انفجار الأزمات اعلامياً لتتصرف، بل تبني نُظمها الداخلية بما يضمن تطبيق القانون على الجميع، وحماية الموظف الذي يلتزم بالنظام، وصون مصالح المواطنين، واستعادة الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
من هذا المنظور، نطالب الحكومة بالتصرف المهني الكامل من خلال تشكيل لجان تحقيق مستقلة ومعلنة، توثق الحقائق وتحدد المسؤوليات، وتضع آليات واضحة لمنع تكرار مثل هذه التجاوزات، مع النظر في الإجراءات الرمزية والمؤسسية اللازمة تجاه عضو مجلس السيادة لضمان حماية القانون، ولتأكيد أن السلطة العامة وظيفة مؤسسية لا امتياز شخصي، وأن الالتزام بالنظام القانوني هو معيار الدولة القوية.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا