على الورق يبدو النص النهائي لمسودة اتفاق السلام، الذي أعدته الآلية الرباعية حول الحرب الأهلية في السودان، أقرب إلى تفكير الأماني منه إلى تلبية المتطلبات الكافية لأي مقاربة واقعية لتعقيدات الأوضاع الميدانية وتشابك القوى، فضلاً عن معالجة التدخلات الخارجية واستمرار تدفق الأسلحة إلى أطراف الصراع.
ورغم أن الرباعية تضمّ الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، وهي دول تمتلك هذا المقدار أو ذاك من التأثير على الحكومة السودانية والجيش من جهة أولى، كما أن الإمارات حسب مختلف التقارير هي التي تواصل مساندة “قوات الدعم السريع” من جهة ثانية، فإن خارطة الطريق الرباعية استغرقت ثلاثة أشهر كي ترى النور.
وثمة اعتبارات عديدة تدفع مراقبين كثر إلى التشكيك في واقعية مشروع الاتفاق، فضلاً عن فاعلية الآلية الرباعية ذاتها، بالنظر إلى سقوف الحلول العالية التي تقترحها من جانب إجرائي، ولأن تشابك مصالح الدول الأربع من وراء إيجاد تسوية صالحة للتطبيق تتشابك وتتقاطع وتسفر استطراداً عن مستويات غير ضئيلة من احتمالات التعطيل.
المعطيات على الأرض تؤكد هذا التشكيك، وتعزز التخوف من عوامل الفشل القائمة حالياً أو الكامنة في جوهر الصراع، بدليل الهجمات التي تنفذها “قوات الدعم السريع” ضد قوافل الإغاثة والمشافي وحافلات النقل والانتهاكات المروعة في ولاية شمال كردفان، وكذلك التصعيد في خطاب قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان. دلائل أخرى تتمثل في اختلاط الأوراق وتضاد الوظائف بين قوى السودان المختلفة، على صعيد الأحزاب والتحالفات والميليشيات.
وإذا تعددت أسباب اندلاع القتال أصلاً، فإنه من غير المقبول غض النظر عن سبب محدد حاسم هو الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، فقوّض حسابات اقتسام السلطة بين الجنرالات أنفسهم من جهة، والأحزاب والقوى وهيئات المجتمع المدني من جهة ثانية، فضلاً عن حلّ الحكومة وفرض حالة الطوارئ واعتقال عشرات الساسة والنشطاء. ولعل العاقبة الأخطر كانت إقصاء الشارع الشعبي عن الفعل السياسي، وإخضاع الفضاء العام للسلاح بما يعنيه من فتح أبواب السودان أمام التدخلات الأجنبية.
بذلك فإن الفوارق تبقى شاسعة ومأساوية بين الأماني على الورق، والكوارث الإنسانية الفعلية على الأرض، سواء لجهة توطيد خطوات عملية لوقف إطلاق النار، أو لاستعادة السلم الأهلي وإنهاء حرب عبثية أسفرت عن سقوط عشرات آلاف الضحايا حسب تقديرات من الأمم المتحدة مخففة كالعادة، ونحو 15 مليون بين نازح أو لاجئ أو مهجّر.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة