د. الشيع خضر
اليوم، الحكم المجمع عليه والسائد حول الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، هو أنها واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث. والمجمع عليه والسائد أيضا، أنه مهما تعددت وتباينت الزوايا التي ننطلق منها لتناول تفاصيل هذه الحرب، فإن أيا منها سيوصلنا إلى ذات هذا الحكم. ولكننا في مقال اليوم، سنسلط الضوء على زاوية واحدة ومحددة وهي أن الحرب تحولت إلى مسرح لمفارقات دولية وإقليمية صارخة تفضح التناقض بين الخطاب الإنساني/ السياسي الرسمي والممارسات الجيوسياسية على الأرض. نكتفي في هذا الحيز بمفارقتين، ونحاول أن نستبين من خلالهما التناقض بين الخطاب الرسمي، الإقليمي والدولي، والفعل الملموس على الأرض.
المفارقة الأولى: بينما تتكاثر المؤتمرات الدولية التي تُعقد تحت شعار دعم السودان وإغاثة سكانه المدنيين، تتعمق مأساة هؤلاء السكان وتتسع رقعة الدمار دون أن تظهر مؤشرات حقيقية على إرادة دولية جادة لوقف النزيف. حتى الآن، عُقدت ثلاثة مؤتمرات دولية كبرى تحت عنوان دعم السودان إنسانياً: مؤتمر باريس في أبريل/نيسان 2024، ومؤتمر لندن في أبريل/نيسان 2025، ومؤتمر واشنطن الذي عُقد مطلع فبراير/شباط الجاري. المفارقة الكبرى أن مؤتمري باريس ولندن، رغم شعاراتها الإنسانية المبهرة، لم يحققا أي اختراق ملموس في وقف الحرب أو حتى في حماية المدنيين، ولا أعتقد أن مؤتمر واشنطن سيأتي بعكس ذلك. فهذه المؤتمرات أصبحت وكأنها مجرد طقوس دولية فارغة المحتوى، حيث تُعلن الأرقام الضخمة للدعم الإنساني وسط تصفيق إعلامي، بينما تستمر الحرب بكل ضراوتها. وإذا كان مؤتمر باريس يمثل ضربة البداية في هذه السلسلة من المؤتمرات، فلماذا لم تستفد المؤتمرات اللاحقة من تقييم تجربته؟ ولماذا يُتوقع أن يكون مصير مؤتمر برلين المُزمع تنظيمه في أبريل/نيسان القادم مختلفاً؟ الحقيقة أن هذه المؤتمرات تكرس نفس النموذج القائم على إعلان الوعود دون آليات تنفيذ ورقابة فاعلة، ودون ربط الدعم الإنساني بضغوط سياسية حقيقية على أطراف النزاع. ورغم إعلان الدول المشاركة في هذه المؤتمرات عن منحها مبالغ ضخمة وصلت إلى مليارات الدولارات، يبقى العائد الحقيقي على الأرض ضعيفاً جداً، لأن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يظل حبراً على ورق، أو يتحول إلى أداة للضغط السياسي والمساومات، بدلاً من أن يكون غوثاً حقيقياً لإنسان يائس.
المفارقة الثانية: وهي مفارقة أخلاقية صارخة، والأكثر إيلاماً، وتتمثل في أن بعض الدول التي تعلن في هذه المؤتمرات عن منحها مبالغ طائلة للدعم الإنساني، هي نفسها الداعم الرئيسي لأطراف الحرب. ففي مؤتمر واشنطن الأخير، أعلنت دولة الإمارات عن منحها 500 مليون دولار، إضافة إلى 800 مليون دولار كرصيد سابق، للدعم الإنساني منذ اندلاع الحرب. لكن الحقائق على الأرض تؤكد أن الإمارات هي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، مما يجعل مساهمتها المعلنة أشبه بمن يقول في العلن بإطفاء النار، وهو يُغذيها في الحقيقة! وهذا ليس حال الإمارات وحدها، بل ينطبق على دول إقليمية ودولية عديدة تمارس هذا النفاق السياسي المُمنهج، تدعو علناً إلى وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، وتتعهد بمبالغ ضخمة لحماية المدنيين، بينما تغرق ساحات القتال في السودان بأسلحتها وذخائرها.
كيف نفهم هذه المفارقات والتناقضات الصارخة؟ هناك عدة عوامل قد تساعدنا في الفهم، منها:
الحرب تحولت إلى مسرح لمفارقات دولية وإقليمية صارخة تفضح التناقض بين الخطاب الإنساني/ السياسي الرسمي والممارسات الجيوسياسية على الأرض
أولاً: يبدو أن الحرب في السودان أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تسعى كل قوة إلى تعزيز نفوذها وحماية مصالحها في دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً وثروات طبيعية هائلة.
ثانياً: ربما يسعى البعض لتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة للسيطرة والنفوذ، لكي تُستخدم لشراء الولاءات وتشكيل التحالفات، بدلاً من أن تكون غوثاً مجرداً للمحتاجين.
ثالثاً: ربما تمثل المؤتمرات الدولية غطاءً أخلاقياً بالنسبة لبعض الدول المانحة، وتلميعا لصورتها في الإعلام العالمي، بينما تستمر سياساتها الداعمة لأطراف الصراع تحت الطاولة.
رابعاً: بعض القوى الدولية والإقليمية ربما تفضّل استمرار الحرب وفق حدود معينة، لأن حالة عدم الاستقرار تُبقي السودان ضعيفاً، وتُتيح استغلال موارده بأقل تكلفة. وفي مقال سابق لنا، مارس 2024، رصدنا بعض المؤشرات الدالة على ذلك، منها: * استمرار تدفق الأسلحة إلى الطرفين، دون أي نية أو اتجاه لحظر ذلك من الدوائر العالمية ذات القدرة. * أراضي السودان حبلى بالمعادن الثمينة المطلوبة عالميا. ولكن ربما الأهم من ذلك تميزها بالخصوبة ووفرة المياه مما يجعلها من ضمن الحلول التي يعتمدها العالم للتغلب على أزمة الغذاء التي تضربه حاليا والتي ستصل القمة بحلول العام 2050. وفي تقرير صادر في العام 2004 عن مركز الدراسات الاستراتيجية العالمية ومقره واشنطن، بعنوان “سودان ما بعد السلام”، وُصف السودان بالدولة الفاشلة والتي تحتاج إلى إعادة تشكيل وإبدال، عبر الاستحواذ على أراضيه، ولو بالوكالة. لذلك فإن استمرار الحرب يعني استمرار الفشل حتى يتفتت السودان وتتقاسمه عدة دول. * يحتل السودان موقعا رئيسيا في مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لإعادة تقسيمه، وكل المنطقة، إلى دويلات، وعدم الرغبة في توقف الحرب يخدم هذا المخطط.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تريد القوى الدولية والإقليمية فعلاً وقف الحرب في السودان، أم أن مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية تتجاوز في أولوياتها مصير الشعب السوداني؟ وهل الحرب أصبحت فعلا تجارة مربحة للبعض، وساحة للنفوذ للبعض الآخر، ومصدراً للضغط السياسي للجميع؟ ما يحتاجه السودان ليس مزيداً من المؤتمرات الصورية، ولا وعوداً إنسانية منقوصة، بل إرادة سياسية حقيقية من المجتمع الدولي لفرض حظر جدي على توريد الأسلحة، ومحاسبة الدول التي تغذي الصراع، وربط المساعدات الإنسانية بضمانات حقيقية لوقف القتال. صحيح لكل حرب نهاية، لكن المأساة تكمن في أن بعض الحروب لا تنتهي إلا بعد أن تُحقق لأطراف خارجية كل ما تريد، بينما يدفع الشعب والوطن كل الثمن.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة