آخر الأخبار

تعدد مبادرات السلام في السودان يزيد تعقيد الأزمة بدل حلها

شارك

الخرطوم- يرى محللون أن تعدد مبادرات السلام المحلية والدولية في السودان يزيد تعقيد الأزمة بدل حلها ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام صعب التحقيق، مشيرين إلى ضرورة توحيد المبادرات.

ويسعى رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس من خلال مبادرته الوطنية إلى استعادة زمام المبادرة السياسية وفرض إيقاع سوداني على جهود السلام.

وتقوم هذه المبادرة على وقف شامل لإطلاق النار، ونزع سلاح قوات الدعم السريع، وإطلاق حوار سوداني–سوداني يستند إلى المصالحة الوطنية والدمج المجتمعي، مع إخضاع أي اتفاق لرقابة إقليمية ودولية.

وترتكز المبادرة أيضًا على البعد الإنساني وحقوق الإنسان، بما في ذلك حماية المدنيين وتسهيل عودة النازحين وضمان عمل المنظمات الإنسانية، في مسعى لربط المسار السياسي بالواقع الميداني المتدهور.

وقد قدم إدريس سردًا تفصيليًا للانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين خلال لقاءاته مع مسؤولين أمميين في جنيف الخميس، سعيًا لإظهار الحكومة كطرف يسعى لتحقيق السلام، وتحميل خصمها المسؤولية الأساسية عن تفاقم الأزمة.

لكن المبادرة الحكومية تواجه تحديات كبيرة على الأرض. عدم الثقة بين الأطراف المتحاربة، واستمرار الأعمال العدائية، والتدخلات الإقليمية المتباينة، تجعل تنفيذ أي اتفاق صعبًا، ويزيد من احتمالات فشل المبادرة أو تحويلها إلى اتفاق شكلي لا يغير من واقع النزاع.

ويشكل الربط بين البعد السياسي والإنساني في آن واحد تحديًا إضافيًا، إذ أن أي إخفاق في التنفيذ يفاقم معاناة المدنيين ويؤثر على مصداقية الحكومة والمبادرة نفسها.

وبالتوازي مع ذلك، طرحت الولايات المتحدة خطة سلام جديدة تحت إشراف المبعوث الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، بدعم من آلية رباعية تشمل الإمارات والسعودية ومصر، مع مشاركة لاحقة لدول مثل بريطانيا وتركيا وقطر، وهو ما يعكس اهتمامًا دوليًا متزايدًا بإنهاء الأزمة السودانية.

وتقوم الخطة على خمس ركائز أساسية تبدأ بهدنة إنسانية، وحماية المدنيين وإعادتهم إلى مناطقهم، يليها وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقالية سياسية، وصولًا إلى إعادة إعمار البلاد.

وأوضح بولس أن الخطة الجديدة تعتبر نسخة منقحة عن المبادرة السابقة للرباعية التي طرحت في سبتمبر الماضي، لكنها قوبلت برفض قيادة الجيش وحلفائه الإسلاميين، بسبب محاولة استبعادهم من السلطة وإقصاء الإسلاميين وفلول النظام السابق، وهو ما يعكس تعقيدًا كبيرًا في التوافق على أي مسار سياسي شامل.

وتُظهر التجربة أن تعدد المبادرات يضعف التنسيق بين المسارات المحلية والدولية ويضاعف التحديات على الأرض، إذ يصعب على المدنيين والمؤسسات الإنسانية التمييز بين المسارات المختلفة، ومعرفة أيها الأكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة.

كما أن التدخلات الإقليمية المتباينة المصالح، وحرص كل طرف على حماية موقعه الاستراتيجي في التسوية، تجعل فرص النجاح محدودة، وتزيد من مخاطر أن تتحول أي مبادرة إلى أداة للضغط السياسي بدلاً من حل الأزمة.

وعلى الجانب الإنساني، يعكس مؤتمر المانحين الذي عقد في واشنطن حجم التدهور الكبير للأوضاع في السودان. فقد تعهدت الإمارات بتقديم 500 مليون دولار، والولايات المتحدة 200 مليون دولار، بهدف الوصول إلى 1.5 مليار دولار من المساعدات الإنسانية للعام 2026، في وقت تعهدت فيه السعودية ودول أخرى بزيادة دعمها دون تحديد أرقام دقيقة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، قد تتأثر بغياب التوافق السياسي بين المسارات المختلفة، حيث أن أي خلاف أو تناقض في السياسات المحلية والدولية يمكن أن يعيق وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجًا، ويزيد من معاناة المدنيين الذين يعانون بالفعل من انعدام الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب.

التجربة تظهر أن تعدد المبادرات يضعف التنسيق بين المسارات المحلية والدولية ويضاعف التحديات على الأرض، إذ يصعب على المدنيين والمؤسسات الإنسانية التمييز بين المسارات المختلفة، ومعرفة أيها الأكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة.

ويشير التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة إلى أن أي تدخل إنساني لا يمكن فصله عن مسار وقف العدائيات والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، مؤكدًا أن تعدد المبادرات السياسية يضع المدنيين في موقع هش ويؤخر تحقيق انفراجة ملموسة.

وأوضح التحالف أن أولويات العمل الإنساني يجب أن تركز على تأمين الممرات الإنسانية، وإيصال الغذاء والدواء، وإعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب حماية المدنيين من المخاطر المباشرة للنزاع.

وفي هذا السياق، تبدو المؤشرات الميدانية محدودة، مثل إعلان الجيش فك الحصار عن مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، خطوة رمزية لكنها غير كافية لتغيير مسار الحرب أو تخفيف الأزمة الإنسانية المستمرة.

ويظل جزء كبير من السكان السودانيين يعيش في ظروف صعبة، في مخيمات مكتظة أو مناطق نائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مع استمرار النزوح وتدهور الأمن الغذائي والصحي.

وبالرغم من النوايا الحسنة لجميع المبادرات، فإن الواقع يظهر أن تعدد المسارات السياسية يزيد التعقيد ويحد من فرص الوصول إلى سلام شامل. فالتضارب بين المبادرة الحكومية والخطط الدولية، وضعف الثقة بين الأطراف المتحاربة، والمصالح المتباينة للأطراف الإقليمية، يجعل التنسيق صعبًا، ويعرض أي اتفاق للخطر قبل أن يتم تطبيقه.

كما أن المخاوف من إعادة الإسلاميين إلى معادلة الحكم تزيد من حدة الشكوك حول مصداقية التسويات، خصوصًا في ظل تجاهل بعض المطالب الداخلية المتعلقة بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد السياسي السوداني ويزيد من صعوبة بناء توافق شامل.

وبناءً على ذلك، يظهر أن نجاح أي مسار سياسي في السودان مرتبط بمدى قدرة الأطراف المختلفة على توحيد المسارات، وضمان التزام شامل بوقف العدائيات، وحماية المدنيين، وربط الجهد الإنساني بالمسار السياسي لضمان فعالية المساعدات.

كما يتطلب الأمر تنسيقًا دقيقًا بين المبادرة الحكومية والخطط الدولية، مع إشراك المجتمع المدني والنازحين في رسم ملامح التسوية لضمان قبولها محليًا، وتجنب أن تتحول إلى اتفاق شكلي غير قادر على تغيير الواقع على الأرض.

وتظل الأزمة السودانية مثالًا على الصعوبة الكبيرة التي يواجهها أي بلد عندما تتعدد المبادرات السياسية وتتصادم المصالح المحلية والدولية، حيث يصبح الوصول إلى سلام مستدام تحديًا مركبًا.

وبين المبادرة الحكومية والخطط الدولية، وبين المصالح الإقليمية المختلفة، يجد المدنيون أنفسهم في قلب الصراع، ضحايا مزدوجين للصراع المسلح ولتعقيدات المسارات السياسية التي يفترض أن توفر لهم الأمان والحماية.

ومع استمرار النزاع، يبقى الحل الفعلي رهينًا بقدرة الأطراف على الالتزام بالاتفاقات، ووقف العدائيات، وتوفير بيئة مستقرة تسمح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى مستحقيها، وإعادة بناء السودان على أسس سياسية واجتماعية عادلة ومستدامة.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا