عقد الولايات المتحدة مؤتمر دعم السودان، يبرز كمنصة استراتيجية لإعادة صياغة التعامل الدولي مع الملف السوداني، حيث يقود المستشار الأمريكي مسعد بولس مبادرة توصف بأنها الأكثر جدية وقدرة على اختراق الجمود منذ اندلاع الحرب. إن دلالة هذا المؤتمر تكمن في كونه يتجاوز المقاربات السابقة، لينتقل فعلياً إلى فرض الحلول عبر مسارات الرباعية كما وردت في بيان 12 سبتمبر 2025. تحرك واشنطن هذه المرة محاولة لإيجاد مقاربة جديدة لهندسة مسار يعتمد على تنفيذ خارطة الطريق، حيث وُضع الملف الإنساني كرافعة لفرض إتفاق لا يملك أطراف النزاع رفضه، نتيجة زيادة الضغوط والرغبة في الحكم.
تنطلق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة من قناعة مفادها أن إستعصاء الاتفاق على هدنة لإرتباطها بإستبعاد المتحاربين من المسار السياسي في الـEnd Game . ولذلك، تعمد واشنطن إلى تجاهل المسار السياسي مؤقتاً، لصالح مسار إنساني يعمل كأداة ضغط ناعمة وخشنة في آن واحد. فقد بدأت فعلياً ملامح هدنة إنسانية تتشكل، بناءً على توافقات وترتيبات تهدف إلى جمع المساعدات عبر “صندوق السودان الإنساني”. هذا الصندوق يضع الملف الإنساني في مقدمة الخطة التي تعمل على إعادة هندسة خطة الرباعية، بحيث يتم الالتزام بالإغاثة الانسانية، وتأتي بقية خطوات الخطة تباعاً وفق تقييم تنفيذ المسار الإنساني.
في خضم هذه الخطة الجديدة، تُفهم تحركات “تحالف تأسيس” الذي عقد اجتماعات مكثفة لاستكمال تشكيل الحكومة الموازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهي خطوة تحمل دلالات سياسية بالغة التأثير. إذ يسعى التحالف إلى ملء الفراغ الإداري كخطوة تعكس التجاوب مع مخرجات مؤتمر واشنطن، لتقديم جسم مدني قادر على التعامل مع “صندوق السودان الإنساني”، مما يضع العالم أمام أمر واقع قابل للاعتراف عبر بوابة العمل الإنساني. الأمر الذي يعزز المخاوف من تقسيم السودان إدارياً قبل تقسيمه سياسياً.
في المقابل، يبدو أن قيادة الجيش قد بدأت فعلياً في الاستجابة للخطة الجديدة، حيث تتواتر الأنباء عن الشروع في مشاورات تكوين مجلس تشريعي وإعادة تشكيل حكومة الخرطوم. هذه الخطوة أيضاً تحمل دلالات سياسية؛ إذ يعتبرها الجيش مبادرة بديلة للرباعية، يسعى من خلالها إلى تثبيت أقدام الحكومة في الخرطوم كممثل للشرعية.
يتقاطع التحرك الأمريكي الاخير مع الوساطة الأمريكية-السعودية الثنائية، ومع ترتيب مسارات الرباعية التي تُعد المرجعية، ما يفيد بأننا أمام تحرك أحادي، وإن كان بدعم بقية الرباعية ودول أخرى ومشاركة في آليات الرقابة الإنسانية، لا سيما بعد تعثر الإطارين الثنائي والرباعي. وهو ما دفع كافة الأطراف إلى إعادة حساباتها تماشياً مع التوجه الأمريكي الجديد في “مجلس السلام”. فبينما تراه نيالا نافذة للعبور نحو الشرعية، تعتبره الخرطوم فرصة لاستبعاد القوى المدنية. وفي الوقت ذاته، تتوجس القوى المدنية من تحوله إلى تكريس لاتفاق ثنائي قادم، فتتعامل معه وفق محددات الترحيب بإعطاء الأولوية للملف الإنساني، وضرورة الالتزام بخطة الرباعية كاملة، وعدم الاعتراف بسلطات الأمر الواقع التي تعزز التقسيم الماثل.
ومع ذلك، فإن هذا التحرك الأمريكي يصطدم بواقع سوداني بالغ التعقيد؛ إذ ما زال الجيش يرى في أي هدنة لا تضمن تفكيك الدعم السريع ستمنحه فرصة لإعادة التموضع والشرعنة، بينما يخشى الدعم السريع من أن يكون الملف الإنساني غطاءً لإعادة ترتيب الجيش لصفوفه، فيما ترفض القوى المدنية أي محاولة للتراجع عن خطة الرباعية. إن تحديات واشنطن تكمن في كيفية تحويل مخرجات المؤتمر إلى آليات ملزمة على الأرض في ظل انعدام اليقين، والتشوهات العميقة التي خلفتها سنوات القتال في بنية الدولة والمجتمع من ناحية، وكيفية تنفيذ بقية خطة الرباعية بإدارة مصالح بقية دول الرباعية من ناحية ثانية، وكيفية مشاركة القوى المدنية وفق الخطة من ناحية ثالثة. تجاوز واشنطن لهذه العقبات يتطلب استراتيجية تعتمد على إدماج شركائها في إعادة هندسة مسارات الرباعية، وتمكين القوى المدنية من عملية سياسية لإدارة الانتقال، وتجنب تكرار نموذج نيفاشا الذي أدى إلى انفصال الجنوب.
تلعب دول الرباعية مجتمعةً في هذا الإطار دوراً محوراً لتنسيق الجهود وتحويلها إلى قوة ضغط موحدة. وتعكس دعوة دول وازنة، إلى جانب السعودية والإمارات ومصر، رغبة واشنطن في إغلاق الثغرات التي كانت تنفذ منها الأطراف المتصارعة للتنصل من التزاماتها، مما أسهم في إطالة أمد الحرب. ويتطلب ذلك مباركة دول الرباعية على هذا التحرك ودعمه بما لا يتعارض مع دور واشنطن القائد والحاسم، وألا يحمل هذا التحرك في طياته اي ملامح للوصاية أو التقسيم. ومع وجاهة إعطاء الملف الإنساني الأولوية لفرض السلام الاضطراري الذي تستدعيه المأساة، فإن تنفيذ خطة الرباعية كحزمة واحدة يظل الضمان لإنهاء الحرب.
تبقى العقبة الكبرى في كيفية تعامل الأطراف المعنية بقضية الحرب والسلام مع هذا التحرك. فالجيش يتمسك بشرعيته في الحكم ويرفض مساواته مع من يصفهم بـ”المتمردين”. وفي المقابل، تقتنص قوات الدعم السريع هذه المبادرة لتعزيز حضورها كطرف معترف به وبسلطته الموازية. أما القوى المدنية، فلا ترى شرعية لطرفي الحرب، وتتمسك بإبعاد العسكريين عن السياسة والحكم. هذا التباين يجعل من “التنفيذ المجزأ” عملية بالغة الحساسية؛ فإلى أي مدى تنجح واشنطن في فرض السلام الاضطراري عبر المساعدات الإنسانية؟ يتوقف ذلك على قدرتها على إدارة الملف الإنساني متصلاً ببقية خطة الرباعية. وتبدو واشنطن، من جانبها، مستعدة لهذه المخاطرة، وقد تلوّح بسلاح العقوبات في حالة عرقلة المسار الإنساني، ضمن دبلوماسية حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب لإجبار البنادق على الصمت، حتى لو ظل الحل السياسي معطلاً لحين إشعار أخر.
في نهاية المطاف، يمثل مؤتمر واشنطن لإعادة ترتيب مسارات الرباعية اختباراً حقيقياً لقدرة إدارة ترامب على حل النزاع بدلاً عن إدارته. صحيح؛ ان تنفيذ خارطة الطريق يبدأ من الملف الإنساني هو محاولة ذكية للالتفاف على عقدة الشرعية وأزمة الثقة، لكنها تظل محاولة محفوفة بمخاطر الارتطام بالواقع الجيوسياسي وبالداخل السوداني الذي لا يخضع دائماً لمنطق الصفقات.
يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح الخطة الأمريكية في خلق نموذج جديد تحت المظلة الإنسانية، أو أن تنزلق البلاد نحو حالة من التفتت الدائم، حيث تنهار الدولة ويتحول السودان إلى “منطقة رمادية” خارج نطاق السيطرة. وستوضع الثقة التي يتحدث بها مسعد بولس على المحك عندما تبدأ أولى شحنات المساعدات في التحرك نحو السودان، لتتضح الحقيقة بشأن ما إذا كانت الهدنة قد بدأت فعلياً، أم ستكتب فصل جديد لحرب لا يريد أي من أطرافها أن يخرج منها مهزوماً، حتى لو كان الثمن فناء الدولة والمجتمع تحت وطأة الجوع والرصاص.
المصدر:
الراكوبة