أعتبر محللون سياسيون أن رفض تحالف السودان التأسيسي “ تأسيس ” لوساطة مصر في جهود السلام، بأنه يعكس أزمة أعمق تضرب آليات الوساطة الإقليمية والدولية، في ظل تآكل مبدأ الحياد وفقدان الثقة بين أطراف النزاع والوسطاء.
وتوقع محللون أن يؤدي استبعاد مصر من أي مسار تفاوضي، مقابل الرفض القاطع من الجيش السوداني للدور الإماراتي، إلى اختلال توازن مبادرة الرباعية الدولية، وتحويلها إلى إطار مشلول سياسيًا، عاجز عن إنتاج حلول عملية أو تقريب وجهات النظر بين طرفي الصراع.
فيما يرى آخرون أن الهجوم على الدور المصري من قبل أحد أطراف النزاع لا ينفصل عن محاولات لتخفيف الضغط الدولي على دولة الإمارات، المتهمة – وفق تقارير دولية – بدعم قوات الدعم السريع عسكريًا، عبر إعادة توجيه بوصلة الانتقادات نحو القاهرة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتعثر فيه المساعي الإقليمية والدولية لاحتواء الحرب في السودان، وطبقا للمراقبين أعاد موقف تحالف “تأسيس” تسليط الضوء على حالة الجمود التي تعاني منها مبادرات التفاوض.
وفسّر د. محمد بدر الدين، الأمين العام المكلّف لحزب المؤتمر الشعبي، رفضَ تحالف “تأسيس” للوساطة المصرية بوصفه ردَّ فعلٍ على رفض الجيش السوداني لوجود دولة الإمارات ضمن آلية الرباعية.
وتوقّع بدر الدين أن يتجه طرفا الحرب إلى إقرار هدنة إنسانية مع بداية شهر رمضان.
وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا فؤاد عثمان، في حديثه لـ”دروب”، إن الرباعية الدولية تمر بحالة شلل سياسي واضحة، نتيجة اهتزاز صفة الحياد التي تُعد حجر الزاوية في أي وساطة ناجحة.
وأضاف أن تحول بعض أطرافها – وفق تصورات طرفي النزاع – من وسطاء إلى أطراف منخرطة في الصراع، أفقدها المصداقية والقدرة على إدارة مسار تفاوضي جاد.
وأوضح عثمان أن رفض تحالف “تأسيس” للدور المصري، استنادًا إلى تقارير تتحدث عن تدخل عسكري عبر الطائرات المسيّرة، يقابله في المقابل رفض صريح من الجيش السوداني لأي وجود إماراتي داخل منصة التفاوض، الأمر الذي أفقد الرباعية توازنها، وحوّلها إلى إطار عاجز عن إنتاج حلول أو بناء أرضية مشتركة.
وبشأن تقرير نيويورك تايمز، أشار عثمان إلى أن توقيت التسريب الأمريكي يحمل دلالات سياسية مهمة، مرجّحًا أن يكون جزءا من سياسة ضغط قصوى تمارسها واشنطن على الأطراف الإقليمية، بهدف تقييد تحركاتها العسكرية ومنع انزلاق السودان نحو حرب إقليمية مفتوحة.
واعتبر فؤاد أن التقرير قد يمثل شهادة وفاة للصيغة التقليدية للرباعية الدولية، ويمهّد لإعادة هندسة طاولة المفاوضات، إما عبر إقصاء الأطراف المنحازة، أو فرض قيود صارمة على أدوارها، بما يعيد حد أدنى من التوازن والحياد للعملية السياسية.
وكان تحالف “تأسيس” قد أعلن، في بيان اطّلعت عليه “دروب”، رفضه لأي دور مصري في الوساطة، معتبرًا أن سياسات القاهرة تُقرأ – من وجهة نظره – باعتبارها منحازة للجيش السوداني، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، ويُسهم في إطالة أمد الصراع.
وأوضح البيان أن دعم مصر للجيش السوداني يُبرَّر رسميًا بالحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد، غير أن التحالف يرى في هذه المقاربة عاملًا معقّدًا للمشهد السياسي، ويُضعف فرص بناء منصة تفاوضية تحظى بقبول جميع الأطراف، داعيًا إلى مراجعة أدوار الفاعلين الإقليميين داخل المبادرة الرباعية وفق معايير حياد صارمة.
من جانبه، يعتقد الخبير الاستراتيجي د. الفاتح عثمان محجوب قراءة أوسع للأزمة، أن تعقيدات الملف السوداني تعود، في جوهرها، إلى نظرة الولايات المتحدة للسودان كدولة هامشية، فقيرة، ولا تمثل تأثيرا مباشرا على المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.
وقال محجوب، في حديثه لـ”دروب”، إن هذه الرؤية دفعت واشنطن إلى التخلي عن إدارة الملف السوداني بشكل مباشر، وتسليمه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أسست لاحقًا ما يُعرف بالرباعية الدولية.
وأضاف أن الخلاف بين السعودية والإمارات قاد الرياض إلى طرح مبادرة سعودية–أمريكية، قبل أن تعيد الولايات المتحدة توجيه الملف مجددًا، في ظل ضغوط إماراتية – إسرائيلية، أعادت إحياء الرباعية على حساب المبادرة البديلة.
وأشار محجوب إلى أن المساعي الحالية لطرح مبادرة جديدة عبر مجلس الأمن لفرض هدنة إنسانية لا تنفصل عن صراع النفوذ الإقليمي، أكثر من ارتباطها برغبة حقيقية في إنهاء معاناة السودانيين.
وفي هذا السياق، اعتبر محجوب أن الهجوم الذي تشنه بعض القوى السياسية، خصوصًا تحالف “صمود”، على مصر، يهدف إلى تخفيف الضغط الدولي على دولة الإمارات، ومحاولة إظهار وجود حاضنة سياسية سودانية مؤيدة للإمارات وقوات الدعم السريع، ومعادية للجيش السوداني.
ووصف محجوب هذا السلوك بأنه “خيانة مكتملة الأركان” لصالح دولة الإمارات وقوات الدعم السريع، معتبرًا أنه موقف مستغرب، لكنه بات – على حد تعبيره – نمطًا متكررًا في ممارسات بعض القوى السياسية السودانية.
دروب
المصدر:
الراكوبة