اعتبرت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن سيف الإسلام القذافي، الذي ما يزال الغموض يلف اغتياله، لم يكن مجرد شخص، بل كان “رمزاً” سياسياً ثقيلاً في الذاكرة الليبية.
نقلت “جون أفريك” عن الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال الحرشاوي، من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، قوله: “لقد تم اغتيال رواية كاملة”، وهي العبارة التي قال إنها خطرت بباله فور سماعه خبر اغتيال سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان، على سفوح جبل نفوسة شمال غرب طرابلس.
كما ذكّرت المجلة الفرنسية أن سيف الإسلام كان يُنظر إليه بوصفه الخليفة المحتمل لوالده الراحل معمر القدافي، قبل أن تقلب انتفاضة يناير عام 2011 كل الحسابات وتُجهض المشاريع التي كانت بعض دوائر النظام تُحضّر لها. وقد أعادت الثورة الليبية توزيع الأدوار بين أبناء القذافي، ودفعت كل واحد منهم إلى مصير مأساوي.
نقلت “جون أفريك” عن محلل سياسي تونسي، لم تذكر اسمه، قوله إن أبناء القذافي “شاركوا في مأساة لم يكونوا يدركون أنهم جزء منها”، مذكّراً بسنوات كان فيها أبناء “الزعيم” منخرطين في حياة بذخ واستعراض، على غرار أبناء النخب العالمية المدللين.
أدى مقتل المعتصم بالله وخميس وسيف العرب القذافي إلى تشتت الأسرة، إذ لم يبق من بين الإخوة من أبدى رغبة في لعب دور سياسي إلا سيف الإسلام.
وقد راهن بعض أنصار النظام السابق على أن اسم القذافي ما يزال يحمل وزناً رمزياً داخل ليبيا بعد سنوات من سقوط النظام. فتم إعداد حملة ترويج دقيقة صوّرته كإصلاحي، مستندة إلى صورته قبل انخراطه في المعركة الأخيرة إلى جانب والده.
رأت “جون أفريك” أن ما حصل في يوم 3 فبراير هو اغتيال لهذا الرمز، مُشيرةً إلى أن المعلومات الأولية تشير إلى أن أربعة مسلحين اقتحموا منزل عجمي العتيري، قائد الميليشيا المحلية التي كانت تؤوي سيف الإسلام.
ولم يثر وجوده هناك الشبهات، حيث كان يتمتع بحماية كتيبة أبو بكر الصديق. لكن المهاجمين نفذوا عمليتهم بسرعة، ثم عرضوا جثمانه في مؤخرة سيارة “تويوتا” في مشهد بدا وكأنه توقيع علني للجريمة قبل اختفائهم.
كما اعتبرت المجلة الفرنسية أن غياب أي بيان تبنٍ فتح الباب أمام كل الاحتمالات، وهو وضع اعتاد عليه سيف الإسلام منذ اعتقاله عام 2012 في ظروف غامضة. فقد طوّر خلال فترة احتجازه علاقة معقدة مع آسريه، أشبه بما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم، حتى أنه اعتبرهم لاحقاً حماة له، قبل أن يُفرج عنه بعفو عام في 2016.
أكد مقربون منه أنه خرج من السجن مثقلاً بآثار نفسية عميقة. ونقلت المجلة الفرنسية عن أحد أعيان الزنتان قوله إنه كان يبدو أحياناً شارد الذهن أو مرتبكاً خلال ظهوره النادر بعد الإفراج عنه. ومع ذلك، ظلّ جزء من الليبيين يرى فيه حتى عام 2021 رمزاً لاحتمال “استعادة” النظام السابق، توضّح “جون أفريك”.
غير أن مسار ترشحه للانتخابات الرئاسية كان مرتبكاً، حيث تم رفض ملفه، ثم تم قبوله، قبل أن تُلغى الانتخابات برمتها، في ظل عدم استقرار البلاد.
ونقلت “جون أفريك” عن مشارك في لقاء السلام حول ليبيا في داكار عام 2018 قوله إن مجرد وجود سيف الإسلام كان يثير الخوف لدى البعض، حتى لو كان ذلك مبالغاً فيه، لكنه كان يُستغل كورقة تفاوضية للحصول على مكاسب.
وكان سيف الإسلام يدرك ضآلة فرصه أمام الجهاز الذي بناه صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، وفق المصدر ذاته.
وقد تم استخدام شائعات التنافس بين الطرفين سياسياً من قبل أطراف في الزنتان، التي لوّحت باسم سيف الإسلام كورقة تهديد بين الحين والآخر.
وكانت هذه اللعبة الخطرة تقوم على رمز أكثر مما تقوم على رجل، في وقت كان فيه سيف الإسلام نفسه قد فقد الإيمان بأي مستقبل سياسي حقيقي، تقول “جون أفريك”.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة