آخر الأخبار

ندوب الاغتصاب تلاحق نساء السودان مدى الحياة

شارك

ملخص

تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 60 في المئة من البلاغات المقدمة من النساء لم يجرِ التعامل معها بصورة كاملة، سواء لأسباب لوجستية أو ضعف التنسيق المؤسسي.

واجهت رحلة النساء السودانيات الهاربات من جحيم القتال المشتعل بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لقرابة الـ34 شهراً، أنواعاً من العنف والاستغلال، سواء في النزوح داخل البلاد أو عند عبور الحدود، مما اضطر بعضهن إلى دفع ثمن غير مرئي، بيد أن غياب الحماية والمساءلة زاد من معاناتهن النفسية والاجتماعية.

وبحسب متخصصين، فإن ما حدث من عنف، ولا سيما الجنسي الذي طاول أجساد النساء سواء داخل منازلهن أو في طرق النزوح، وتحت سطوة السلاح والخوف، لم يكُن حادثة عابرة أو نتيجة فوضى عشوائية، إنما هدفاً ممنهجاً بالنظر إلى الممارسة المتكررة.

كسر عميق

قالت خديجة إسحاق “كنت أعيش حياة عادية قبل الحرب في بيت بسيط، فقد كانت الأيام تمضي بصورة روتينية وعادية كأية إمرأة تحاول أن تحفظ لنفسها بعض الاستقرار وسط القلق العام، لكنني لم أكُن أتخيل أن يتحول المنزل، أكثر الأماكن أماناً، إلى مسرح جريمة مما غيّر حياتي إلى الأبد”.

وتابعت أن “في ذلك اليوم، لم يكُن هناك ما ينذر بما سيحدث، فالأصوات في الخارج كانت مألوفة، إطلاق نار متقطع وحركة غير واضحة وخوف نحاول التعايش معه، لكن خلال لحظات قليلة اقتحموا المنزل وحينها فقدت السيطرة على كل شيء. فلم يكُن الاعتداء مجرد عنف جسدي، كان كسراً عميقاً لشعوري بالأمان ولصورتي لنفسي وللعالم من حولي”.

وواصلت إسحاق “غادرت مدينتي لأن البقاء أصبح مستحيلاً، فكل زاوية في المنزل كانت تذكرني بما حدث، وكل ليلة تعيد المشهد نفسه. صحيح أن رحلة النزوح كانت قاسية، لكنها كانت أقل قسوة من البقاء في المكان الذي شهد انهياري. بعد يومين من السير على الأقدام، وصلت إلى مكان أكثر أماناً، لكن الأمان الخارجي لم يكُن كافياً لدرء شعور الخوف في داخلي”.

واستطردت أن “بعد فترة، اكتشفت أنني حامل. كان الخبر صدمة ثانية، حينها شعرت بالخوف والارتباك والغضب، ثم بات شعوراً عميقاً بالوحدة. فلم يكُن القرار سهلاً، لكنني قررت الاستمرار، فلم أفعل ذلك بدافع القوة، بل لأنني لم أعُد أحتمل خسارة شيء آخر”.

وبيّنت أن “فترة الحمل كانت مزيجاً من الألم والتساؤلات، إذ كنت أتعامل مع جسدي بحذر ومع أفكاري بخوف. وعندما جاءت لحظة الولادة شعرت بثقل هائل، لكنني شعرت أيضاً بأنني ما زلت على قيد الحياة، فنظرت إلى طفلتي، ولم أعرف كيف أصف إحساسي. لم يكُن ذنبها بما حدث لي، لكنها كانت تذكيراً دائماً بما حاولت نسيانه”.

ومضت إسحاق في القول “اليوم، أحاول أن أعيش. لا أقول إنني تعافيت، لكنني أتنفس وأقوم من سريري وأعتني بطفلتي وأتعلم ببطء كيف أستعيد نفسي. فما زالت هناك نظرات وصمت وأحكام غير معلنة، لكنني تعبت من الخجل”.

غياب الحماية والمساءلة زاد من معاناة النساء النفسية والاجتماعية (أ ف ب)

خوف داخلي

لم تكن قصة خديجة إسحاق حالة فردية أو استثناء، بل واحدة من آلاف الوقائع التي تعرضت لها نساء في مناطق مختلفة من السودان منذ اندلاع الحرب، فتكرار الاعتداءات وتشابه الظروف وتزامنها مع النزوح القسري، كلها تكشف عن أن ما جرى كان نمطاً من العنف استخدم خلال لحظات انهيار الحماية وغياب الدولة. وبينما نجت بعض النساء من داخل منازلهن، تعرضت أخريات للاعتداء في أخطر مراحل الرحلة، أثناء العبور خارج البلاد.

إحدى الناجيات حجبت اسمها قالت “كنت أحاول عبور الحدود السودانية – المصرية ضمن مجموعة من النساء والأطفال، فالرحلة لم تكُن منظمة، بل تمت عبر مسارات غير رسمية بعد تعذر الخروج عبر المعابر النظامية. وفي تلك المنطقة الصحراوية، أوقف مسلحون المجموعة وجرى فصل النساء عن الرجال، فلم يكُن هناك وقت للفهم أو المقاومة، ووقع الاعتداء في مكان مفتوح بعيد من أي وجود أمني وتحت تهديد السلاح”.

وأردفت “بعد الحادثة، أُجبرت على إكمال الرحلة وكأن شيئاً لم يحدث، فلم أحصل على إسعاف فوري، ولم أتمكن من الإبلاغ في تلك اللحظة خوفاً من الإعادة القسرية أو الاحتجاز، وعند وصولي إلى مصر كنت منهكة جسدياً لكنني أكثر إنهاكاً نفسياً، فاحتجت إلى وقت طويل لأبوح بما جرى لي، إذ كان هناك خوف داخلي يمنعني من التحدث”.

خطر مركب

الناشط الحقوقي عثمان القاضي قال “من واقع العمل الميداني ومتابعة أوضاع النازحات واللاجئات، نواجه خطراً مركباً يتجاوز مجرد النزوح من مكان إلى آخر، ليشمل مسارات العبور نفسها. فكثير من النساء والفتيات يتعرضن لأخطار جسدية ونفسية في أماكن آمنة يُفترض أنها محل حماية مثل مخيمات النزوح ونقاط العبور الحدودية، أو أثناء التنقل بين المدن. كذلك هناك كثير من النساء يواجهن ضغوطاً ومساومات مقابل الحصول على خدمات أساسية أو المرور، خصوصاً إذا كانت الخدمات الإنسانية محدودة أو الوصول إليها غير منظم”.

ويتابع القاضي أن “رحلة النجاة في سياق الحرب ووسط أكبر أزمة نزوح في العالم، أصبحت بالنسبة إلى النساء أكثر من مجرد عبور من منطقة خطرة إلى أخرى، بل باتت مساراً محفوفاً بالأخطار والابتزاز والاستغلال. وبحسب تقارير الأمم المتحدة والمراقبين الميدانيين، فإن النساء والفتيات يتعرضن لأنواع مختلفة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك التحرش والاعتداء الجسدي والاستغلال الجنسي أثناء تنقلهن داخل البلاد أو على طرق النزوح إلى الدول المجاورة”.

ويوضح أنه “في كثير من الحالات، تسجل حوادث الاستغلال الجنسي والاعتداءات عند نقاط تفتيش، أو أثناء السير مسافات طويلة بحثاً عن الماء والطعام أو المأوى. وأبلغت نساء أيضاً بأن الخوف من العنف الجنسي كان سبباً مباشراً في قرارهن ترك منازلهن والفرار”.

ويختم الناشط الحقوقي بالقول إن “هذا الوضع يحدث في ظل نزوح جماعي وحاجات إنسانية هائلة، إذ تقدر الأمم المتحدة أن نحو 12 مليون شخص نزحوا داخل السودان أو خارجه، وتشكل النساء والفتيات نسبة كبيرة من هؤلاء، ويمثلن ما يقارب 70 في المئة من المتأثرين بالنزاع، وعلى رغم أن الإبلاغ الرسمي عن الانتهاكات لا يزال محدوداً بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي ونقص آليات الحماية الفاعلة، فإن شهادات ميدانية وتقارير حقوقية تشير إلى وجود أنماط من الاستغلال والانتهاكات تؤكد أن أخطار العبور لا تنتهي عند خط الأمان، بل تتواصل حتى بعد النزوح”.

غياب الحماية

من جانبها أوضحت المتخصصة في القانون الدولي نجاة الأمين أن “ما تتعرض له النساء والفتيات في السودان خلال النزوح أو العبور من منظور القانون الدولي يُصنف كانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واللاجئين تشمل العنف الجنسي والاستغلال والابتزاز. فالقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية مثل اتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاق جنيف الرابع، تلزم الدول حماية المدنيين وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات”.

وتتابع أن “الواقع في السودان يوضح أن هناك فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع على الأرض. فغياب الحماية الفاعلة والمساءلة القانونية يجعل النساء والفتيات أكثر عرضة للخطر، حتى بعد النزوح أو الوصول إلى مراكز إيواء. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60 في المئة من البلاغات المقدمة من النساء لم يجرِ التعامل معها بصورة كاملة، سواء لأسباب لوجستية أو ضعف التنسيق المؤسسي”.

ونوهت الأمين إلى أن “هذا الوضع يخلق ما يمكن تسميته ’الثمن غير المرئي للنجاة‘. فالنساء قد ينجون من الخطر المباشر، لكنهن يظللن محرومات من حقوقهن القانونية والحماية الاجتماعية والدعم النفسي. ومن الناحية القانونية، هناك حاجة عاجلة لتفعيل آليات المساءلة والمراقبة المستقلة، لضمان ألا تبقى الانتهاكات بلا عقاب، وأن تتمكن النساء من الوصول إلى العدالة بصورة فعلية”.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا