آخر الأخبار

عسكرة التشريع وشرعنة الأمر الواقع

شارك

كتب : الواثق البرير
مع كلِّ انتكاسةٍ سياسية، كان تعطيلُ المجالس التشريعية أو إعادةُ تشكيلها على نحوٍ موجَّه هو المدخلَ الضروري لتمكين السلطة العسكرية من السيطرة على المجال العام، وإفراغ الدولة من مضمونها المدني، وتحويل التشريع من أداةٍ للتمثيل والمساءلة إلى واجهةٍ شكلية لإدارة السلطة، بما يفتح الطريق واسعًا أمام عسكرة الدولة وترسيخ حكم الأمر الواقع.

إن الدعوات المطروحة هذه الأيام لتشكيل مجلسٍ تشريعيٍّ مُعيَّن بذريعة «الضرورة» أو «سدّ الفراغ»، في خضمّ حربٍ مدمّرة وانهيارٍ شبه كامل لبنية الدولة، لا تمثّل مخرجًا من الأزمة ولا تُسهم في احتوائها، بل تُعيد إنتاجها في صورةٍ أكثر تعقيدًا وخطورة، وتُشكِّل في الوقت نفسه تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد وتماسكها. فالمجلس الذي يفتقر إلى التفويض الشعبي أو إلى توافقٍ وطنيٍّ جامع يعجز، بحكم طبيعته، عن أداء وظيفة تمثيلٍ حقيقي أو ممارسة رقابةٍ مستقلة، ويتحوّل بالضرورة إلى أداةٍ قانونية لشرعنة حكم الأمر الواقع المفروض بالقوة.

إن إعادة ترتيب السلطة خارج الإرادة الشعبية، وبآلياتٍ تعيينية في ظل غياب السيادة المدنية واستمرار النزاع المسلح، لا تُفضي إلا إلى إعادة إنتاج الحكم الشمولي داخل أطرٍ مؤسسية جديدة. فلا سلامٌ مستدام يمكن تشييده، ولا استقرارٌ سياسي أو اقتصادي يمكن تحقيقه، عبر ترتيباتٍ فوقية تُقصي المجتمع وتُفرغ الانتقال من مضمونه الحقيقي. وعليه، فإن الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا بتفكيك الجذور البنيوية للصراع، وإعادة بناء الشرعية على أسس السلام والسيادة والتوافق الوطني على عقدٍ اجتماعي جديد، بوصفه المدخل الضروري لتأسيس دولةٍ مدنيةٍ مستقرة، وقادرة على استعادة وحدتها ووظيفتها العامة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا