آخر الأخبار

الشيوعي السوداني بين الخطاب الثوري ومأزق الممارسة السياسية (1 _ 9)

شارك

للحلقة الأولى:
من الضرورة الخدمية إلى التكيّف البنيوي.. قراءة في وهم الفصل بين السياسة والإدارة.

تُفتَتَح هذه السلسلة من موقع نقدي لا يستهدف الإدانة الأخلاقية ولا تصفية الحسابات الأيديولوجية وإنما يسعى إلى تفكيك الممارسة السياسية للحزب الشيوعي السوداني في ضوء مرجعيته المعلنة ومن داخل أدوات التحليل الماركسي نفسها. النقد هنا ينطلق من سؤال جوهري يتعلّق بعلاقة الوعي بالفعل وبحدود ما يمكن تسميته ممارسة ثورية داخل بنية سلطوية قائمة على الهيمنة والعنف وإعادة إنتاج السيطرة الطبقية.

تُثار في الآونة الأخيرة تبريرات متكررة حول ما جرى في مدينة عطبرة، حيث جرى تقديم لقاء مع وزير البنية التحتية بوصفه استجابة إنسانية محضة لأزمة مياه خانقة. غير أن الوقائع نفسها، كما وردت في التوضيح، تكشف مفارقة أعمق من مجرد سوء فهم إعلامي. لم يكن هناك اجتماع سياسي منظم ولم تُدار مفاوضات وإنما تمت مقابلة مع الوزير باعتباره في التراتبية الإدارية الرئيس المباشر لإدارة المياه، قُدمت خلالها شكوى تتعلق بعدم تعامل الإدارة مع المشروع. انتهت المقابلة على وعد بإرسال مهندسين لمعاينة موقع المحطة، مع تعهد بإفادة لاحقة في اليوم التالي. ما حدث لاحقاً أن الوزير أغلق هاتفه، ولم تصدر إفادة سلباً أو إيجاباً! في مناسبة اجتماعية أُبلغ الوزير أحد الزملاء بأن ما جرى تسبب له في مشكلة مع الوالي، ثم انتهى الأمر عند هذا الحد، دون أي استجابة رسمية، مع استمرار معاناة عطبرة من العطش والمياه غير النظيفة.

هذه الوقائع، في ذاتها، لا تشكّل جوهر الإشكال. الإشكال الحقيقي يكمن في الطريقة التي جرى بها تأطير الحدث سياسياً وفي الخطاب التبريري الذي سعى إلى عزله عن السياق البنيوي للسلطة والدولة. هنا يظهر الخلل النظري بوضوح. منطقياً لا يتعامل مع الإدارة كجهاز محايد ولا يرى في الخدمة فعلاً تقنياً منفصلاً عن علاقات القوة. الدولة، وفق هذا المنظور، ليست أداة عامة فوق المجتمع وإنما تعبير مكثف عن ميزان القوى وأجهزتها الخدمية جزء من آليات الضبط وإعادة إنتاج الهيمنة.

عندما يُقدَّم الاتصال بجهاز حكومي تابع لسلطة غير شرعية بوصفه ضرورة إنسانية خالصة، يُنتَج وهم الفصل بين السياسة والإدارة. هذا الوهم يعطّل الجدلية الأساسية بين الحاجة المادية والوعي الاجتماعي. الخدمة هنا لا تُقدَّم في فراغ وإنما داخل بنية تحكمها علاقات إنتاج محددة، وتُدار عبر أجهزة محمية بالقوة ومسنودة بتاريخ من القمع والعنف. أي تدخل في هذا السياق يكتسب معنى سياسياً موضوعياً، سواء اعترف الفاعل بذلك أم تجاهله.

المشكلة لا تتوقف عند حدود عطبرة. هذه الواقعة تفتح الباب على نمط متكرر في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، حيث جرى التعامل مع السلطة بوصفها مجالاً يمكن النفاذ إليه تكتيكياً دون مساءلة الشروط البنيوية التي تحكمه. هذا النمط ظهر بوضوح في موقف الحزب من اتفاق مشاكوس. ففي بيان سكرتارية اللجنة المركزية المعنون ” اتفاق مشاكوس والصراع السياسي ” أغسطس ٢٠٠٢، ورد النص التالي:
“و من جانبنا نثق أن الصراع السياسي الجماعي المنظم يمكن أن يبدل و يعدل الإتفاق، بحيث يؤدي إلى سلام مستقر ديمقراطية و اعدة و وحدة طوعية و تنمية مستدامة”.

هذا الرأي يكشف تصوراً إصلاحياً للصراع داخل بنية اتفاق صاغته قوى مسيطرة ويُفترض فيه أنه قابل للتعديل عبر ضغط سياسي من داخل شروطه. هنا يتم تعليق الفعل الثوري على إمكانية تعديل الإطار الذي صُمم أصلاً لضبط الصراع لا لتحريره. هذه الرؤية ستجد تجسيدها العملي لاحقاً في قبول الحزب المشاركة في البرلمان المعيَّن عام ٢٠٠٥.

الدخول إلى برلمان صاغته حكومة الحركة الإسلامية لم يكن مجرد خطأ تكتيكي. كان لحظة كاشفة لتحول عميق في فهم السياسة. تمثيل الحزب بثلاثة أعضاء، هم سليمان حامد، فاطمة أحمد إبراهيم، صالح محمود، جاء في سياق توزيع صوري للسلطة، حيث حاز المؤتمر الوطني على ٥٢%، والحركة الشعبية على ٢٨%، والقوى السياسية الشمالية على ١٤%، والقوى الجنوبية على ٦%.( كيف قبل الشيوعي مسميات وتوصيف القوى الشمالية و القوى الحنوبية ؟ ولأي فئة ينتمي ؟ ومن أي فئة منح المقاعد ؟ ) ، هذه النسب وحدها كافية لإظهار الطبيعة الديكورية لهذا البرلمان. السؤال الذي يفرض نفسه : ما معنى الجلوس داخل مؤسسة صممت لإعادة إنتاج الهيمنة، وتدار تحت حماية أجهزة أمنية مارست القتل والتعذيب؟

تبرير المشاركة التشريعية دون التنفيذية كما ورد على لسان محمد إبراهيم نقد في جريدة الرأي العام بتاريخ ١٩ نوفمبر ٢٠٠٥، جاء بالنص التالي:
“بما أننا لم نكن طرفاً في الاتفاقية و بما أن النسب التي خصصت للقوى السياسية هي نسب ضئيلة حقيقة.. إذن و من حيث المبدأ و من الناحية العددية يكون رفض المشاركة التنفيذية و في وجود الدستور لك الحق أن تكون معارضة دستورية، و ليس معارضة خارج القانون بل معارضة في إطار الإتفاقية، و على هذا الأساس اخترنا المشاركة في الأجهزة التشريعية سواء البرلمان المركزي أو البرلمانات الولائية”.

ما قاله نقد يعبّر عن انتقال من مفهوم الصراع الطبقي إلى مفهوم المعارضة الدستورية داخل إطار صاغته سلطة انقلابية. المسألة هنا لا تتعلق بعدم المشاركة التنفيذية بوصفها موقفاً مبدئياً وإنما بضعف النسب وعدم امتلاك موقع مؤثر. المشاركة التشريعية تحولت إلى غاية في ذاتها، تُبرَّر بوصفها وسيلة لإيصال الصوت إلى الشعب. منذ متى كانت البرلمانات المصنوعة والمحروسة بأجهزة القمع، أدوات لإيصال صوت القوى الثورية؟

الماركسية، في جوهرها، تربط الفعل السياسي بموقعه الطبقي وبقدرته على إنتاج وعي نقدي. الجلوس مع القتلة والمجرمين داخل مؤسسة صورية، تحت ذريعة الواقعية أو الضرورة، يعني عملياً القبول بقواعد اللعبة التي صممتها السلطة. هذا القبول لا يخفف من معاناة الجماهير ولا يفضح البنية وإنما يمنحها شرعية إضافية. هكذا يُباع الدم باسم إيصال الصوت، ويُعاد إنتاج الهيمنة باسم المسؤولية.

الحلقة الأولى من هذه السلسلة لا تصدر حكماً نهائياً وإنما تضع الأساس النظري للنقد. ما جرى في عطبرة وما سبقه في مشاكوس وبرلمان ٢٠٠٥، يكشف مساراً متصلاً من التكيّف مع البنية ومن فصل وهمي بين الفعل الخدمي والسياسي. في الحلقات القادمة سيتم تعميق هذا التحليل والانتقال إلى مساءلة مفهوم الواقعية وحدود الأخلاق في السياسة ومأزق الحزب الشيوعي السوداني بين إرثه الثوري وممارساته الفعلية داخل دولة الهيمنة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا