1- المقدمـة:
تُعد حركة مزارعي الجزيرة والمناقل واحدة من أعرق الحركات الاجتماعية‑النقابية في السودان ، نشأت في سياق مشروع الجزيرة الذي تأسس عام 1925، وتطورت عبر قرن من الزمن لتصبح قوة إجتماعية وسياسية مؤثرة.
• لم تكن الحركة مجرد رد فعل على سياسات زراعية ، بل كانت تعبيرًا عن وعي تاريخي بدور الأرض في تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع الريفي ، وعن مقاومة مستمرة لمحاولات نزع الحقوق أو تهميش المزارعين.
2- الخلفية:
مشروع الجزيرة والمناقل كإطار لنشوء الحركة
2.1 – تأسيس المشروع (1925)
جاء مشروع الجزيرة كأكبر مشروع ريّ مروي في إفريقيا، قائم على إدارة مركزية صارمة ، ونظام محاسبي يحدد للمزارع ما يزرع وكيف يزرع.
• هذا النموذج خلق منذ البداية توترًا بين الإدارة والمزارعين ، خاصة مع غياب الإعتراف القانوني بملكية الأرض.
2.2- أثر السياسات الإدارية على الوعي النقابي :
•بين 1925 و1940، بدأت تتشكل بذور الوعي الجماعي نتيجة:
– القيود المفروضة على المزارعين
– ضعف العائد المالي
– سيطرة الإدارة على الأرض والمياه والمحاصيل
• هذه الظروف مهّدت لظهور حركة مطلبية منظمة.
3- المحطات التاريخية لنشوء وتطور حركة المزارعين :-
3.1- الإضراب الأول (1946) لحظة التأسيس الفعلية
• يُعد إضراب 1946 أول فعل جماعي منظم للمزارعين ، حيث طالبوا بتحسين شروط المحاسبة ، ورفع نصيبهم من العائد ، والاعتراف بدورهم كشركاء في الإنتاج.
• هذا الإضراب شكّل الولادة الحقيقية للحركة النقابية.
3.2- إعتصام 1953:
ذروة القوة الجماهيرية
في 29 ديسمبر 1953، شهد السودان واحدًا من أكبر التحركات الريفية في تاريخه:
– 25 ألف مزارع اعتصموا في ميدان عبد المنعم بالخرطوم
– بقيادة الأمين محمد الأمين ويوسف أحمد المصطفى
– مطالبين بحقوق عادلة في المحصول والإدارة
︎ هذا الحدث رسّخ الحركة كقوة سياسية‑إجتماعية لا يمكن تجاهلها ، وأجبر الحكومة على التفاوض.
3.3- تنظيم وحدة المزارعين (1965–1970)
في هذه الفترة، تطورت الحركة إلى تنظيم سياسي‑إجتماعي مؤثر ، لعب دورًا في:
– الدفاع عن حقوق المزارعين
– مقاومة سياسات الدولة المركزية
– تعزيز الوعي بالأرض كحق تاريخي
كان التنظيم نواة لثقافة نقابية راسخة في الجزيرة والمناقل.
3.4 – حقبة الإنقاذ (1989–2019):
︎ الصراع مع الدولة
شهدت هذه المرحلة:
– محاولات تفكيك الإدارة الموحدة للمشروع
– إصدار قانون 2005 الذي رهن الأرض وفتح الباب لتمليك الشركات
– تدهور شبكات الري والخدمات
– مقاومة شرسة من المزارعين ضد الخصخصة
• أصبحت الحركة صوتًا معارضًا لسياسات الدولة التي اعتُبرت تهديدًا لوجود المشروع نفسه.
3.5 – تشكل تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل
•،ظهر التحالف كجسم صلب وموحد لمواجهة:
– التدمير الممنهج للمشروع
– قرارات 2020
– محاولات تفكيك الإدارة الموحدة
– سياسات النظام السابق
أعاد التحالف إحياء الدور التاريخي للحركة ، جامعًا بين المزارعين والملاك والعمال الزراعيين.
3.6 – حملة “لازم نزرع” (2023–2024): المقاومة في زمن الحرب :
︎ في ظل الحرب التي ضربت السودان ، أطلق التحالف حملة “لازم نزرع” بهدف:
– حماية الأرض من الاستيلاء
– الحفاظ على البنية التحتية
– إستمرار الإنتاج رغم الإنهيار الأمني
– منع تفكيك المشروع أو تحويله إلى مناطق نفوذ مسلح
•،كانت الحملة تعبيرًا عن إرادة البقاء في مواجهة الفناء ، منسجمة مع شعار:
الأرض – الإنسان – البقاء أو الفناء.
4 – أهداف الحركة النضالية عبر تاريخها:
1. حماية الأرض من التمليك للشركات أو الرهن للتمويل.
2. إستعادة الإدارة الموحدة لشبكات الري والخدمات.
3. توفير تمويل زراعي عادل بعيدًا عن الاستغلال.
4. الحفاظ على مشروع الجزيرة كأكبر مزرعة مروية ذات إدارة واحدة في إفريقيا.
5. تمثيل المزارعين سياسيًا ونقابيًا في مواجهة الدولة والمستثمرين.
6. الدفاع عن الحقوق التاريخية للملاك في مواجهة القوانين المجحفة.
5- الربط بين الحركة والصراع حول الأرض
تاريخ الحركة يكشف أن الصراع لم يكن حول الأجور أو المحاصيل فقط ، بل حول ملكية الأرض نفسها.
︎ منذ قانون 1970 وحتى قانون 2005 ، حاولت الدولة إعادة تعريف الأرض كملكية حكومية أو قابلة للرهن ، بينما ظل المزارعون يرونها:
– إرثـاً تاريخيـاً
– أساسـاً للهويـة
– مصـدراً للكرامـة
– شـرطاً للبقـاء
︎ لذلك أصبحت الحركة جزءًا من الصراع البنيوي حول الأرض في السودان ، وليس مجرد حركة مطلبية.
6- الخاتمـة :
إن حركة مزارعي الجزيرة والمناقل ليست مجرد تنظيم نقابي ، بل حركة تاريخية تشكلت عبر قرن من الزمن ، مرتبطة بعمق بقضية الأرض والحقوق والعدالة.
︎ من إضراب 1946 إلى حملة “لازم نزرع”، ظل المزارعون في الجزيرة والمناقل في طليعة القوى التي تدافع عن الأرض بوصفها أساس الوجود ، وعن المشروع بوصفه عموداً فقرياً للإقتصاد السوداني.
︎ الحركة اليوم تقف في مواجهة تحديات الحرب والإنهيار ، لكنها تستند إلى إرث طويل من النضال يجعلها قادرة على لعب دور محوري في مستقبل السودان.
الارض … الإنسـان … البقـاء او الفنـاء
الصـور المرفقـة أدنـاه :-
• إعتصام مـزارعي الجـزيرة
29 ديسمبر1953م
خمسة وعشرون الف مزارعي في ميدان عبدالمنعم (الأسرة حاليا) …
• شيخ الامين محمد الأمين اول رئيس للاتحاد مزارعي الجـزيرة
︎ إعِلام: تحالـف مـزارعي الجـزيرة والمنـاقل