آخر الأخبار

تحذيرات من كارثة إنسانية بسبب شراسة القتال في كردفان

شارك

جمال عبد القادر البدوي

ملخص

بحسب غرفة طوارئ دار حمر بغرب كردفان، تواجه 90 قرية في محيط مدينة الخوي كارثة إنسانية كبرى، بعد خلو المدينة من كامل سكانها، وتحولها إلى ساحة للجريمة والنهب الممنهج الذي طاول المنازل والمساجد.

مع سيطرة الجيش السوداني على معظم وسط البلاد، وتراجع قوات “الدعم السريع” نحو إقليمي كردفان ودارفور، بات إقليم كردفان هو جبهة القتال الأولى ومسرح المواجهات الأعنف والمعارك المفتوحة، مما فجر واحدة من أكبر دوامات النزوح بالإقليم. في وقت يدفع استمرار المعارك واشتداد ضراوتها نحو كارثة إنسانية حولت الإقليم إلى بؤرة نزوح واسعة يغذيها فرار لا ينقطع، ويتجاهل فيها العالم مجتمعات منسية أنهكها تكرار النزوح، على رغم التحذيرات من تفاقم الأوضاع الكارثية وانزلاق الأزمة نحو كابوس إنساني، خصوصاً في جنوب كردفان.

الملاذ المنكوب

وفي وقت تشهد فيه الخرطوم وعدد من المدن الواقعة تحت سيطرة الجيش في وسط البلاد وشرقها هدوءاً نسبياً، تستمر طوال الأشهر الماضية المعارك بينه وقوات “الدعم السريع”، في محاور كردفان ودارفور، في مواجهات هي الأشرس من نوعها براً وجواً في ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان وشمال وغرب دارفور.

وشكل إقليم كردفان قبل أن تصل إليه نيران المعارك ، ملاذاً للفارين من القتال، وتحمل عبئاً كبيراً باستضافته ما يقدر بنحو مليون نازح موزعين على ألف و936 موقعاً في 36 منطقة، منهم 222942 نازحاً في شمال كردفان و383558 جنوب كردفان و416654 غرب كردفان، مما شكل ضغطاً كبيراً على الموارد المحلية الشحيحة التي تتآكل مع كل موجة نزوح جديدة.

منذ سيطرة قوات “الدعم السريع” على مدن النهود والخوي والفولة والقرى المجاورة، في مايو (أيار) 2025، يعيش الإقليم أوضاعاً إنسانية صعبة ومتفاقمة نتيجة فرار الآلاف من سكان الأرياف والقرى والبلدات في شمال كرفان إلى مدينتي الأبيض والمزروب في الولاية ذاتها، بينما توجه آلاف آخرون إلى خارج جغرافيا الإقليم شمالاً نحو مدينة الدبة بالولاية الشمالية، فيما اختار بعضهم مناطق سهلية مكشوفة في العراء من دون الحد الأدنى من مستلزمات الحياة الكريمة.

بوادر الانهيار

ويشير متخصصون في المجال العسكري والإنساني إلى أنه ومع اشتداد المعارك، بدأت مؤشرات خطرة بظهور بوادر انهيار إنساني متنامي في صمت داخل مختلف المناطق بالإقليم، سيما عقب توقف القوافل الإنسانية وفرض رسوم وجبايات على الإغاثة واستهداف ونهب المساعدات وتوسع العلميات العسكرية.

ووفق تقارير أممية محدثة، تسبب اشتداد المواجهات وتصاعد المعارك في ارتفاع عدد النازحين في ولايات الإقليم بنحو 88316 شخصاً، نزحوا من 69 منطقة مختلفة في إقليم، خلال شهرين فقط، في الفترة من الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) إلى منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعلى رغم عدم وجود إحصاءات مفصلة بكل ولاية على حده، غير أن التقارير تشير إلى نزوح واسع من مناطق القتال في شمال كردفان بخاصة البلدات والقرى التي حول مدينة الأبيض والمناطق الحدودية بين شمال وجنوب وغرب كردفان، بخاصة بعد سيطرة “الدعم السريع” على مدينة بابنوسة وحقل هجليج النفطي وما تبعه من فرار مئات الأسر.

عشرات الحوادث

في ولاية جنوب كردفان وحدها، رصدت فرق التتبع الميدانية لمنظمة الهجرة الدولية 65 حادثة نزوح، بجانب 18 حادثة في شمال كردفان، وحادثة واحدة في غرب كردفان خلال الفترة ذاتها، وصل نحو 25 في المئة من إجمالي النازحين إلى ولاية شمال كردفان وتمركزوا في محليتي شيكان والرهد التي اكتظت بالنازحين، في ظل شح الخدمات وتآكل الموارد وقلة الدعم المقدم للنازحين والمجتمعات المضيفة.

واستقبلت ولاية النيل الأبيض 21 في المئة من نازحي كردفان، وتحولت مدن الولاية الكبرى في كوستي وربك والدويم إلى أكبر نقاط الاستقبال، وأصبحت تلك المدن تشكل مناطق تماس إنساني في امتصاص مضاعفات القتال في كل كردفان.

مدن وقرى فارغة

وبحسب غرفة طوارئ دار حمر بغرب كردفان، تواجه 90 قرية في محيط مدينة الخوي كارثة إنسانية كبرى، بعد خلو المدينة من كامل سكانها، وتحولها إلى ساحة للجريمة والنهب الممنهج الذي طاول المنازل والمساجد.

لفتت الغرفة إلى أن فرض قوات “الدعم السريع” أسعاراً قسرية على المحاصيل وسيطرتها على وسائل النقل ومصادر المياه ونهب الثروة الحيوانية، كلها زادت من تعقيد الأوضاع وتفاقم الأزمة الإنسانية، بجانب استهدافها كبار السن بالعنف والاعتقال.

على نحو متصل، حذر الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان إيغلاند، عقب زيارته جنوب كردفان يوم الأول من فبراير (شباط) الجاري، من أن المأساة بالمنطقة من صنع البشر، وهي تتحول إلى كابوس حقيقي أو كارثة إنسانية محققة، بعد أن أضحت المنطقة المكان الأكثر خطراً وعزلة في السودان.

وصف إيغلاند جنوب كردفان بأنها أصبحت الجبهة الأكثر خطورة وإهمالاً في حرب السودان، مشيراً إلى أن المدنيين هناك أكدوا له أنهم يتعرضون للقصف ويهاجمون باستمرار، وقال “لا يمكن بعد فظائع الفاشر السماح بكارثة أخرى من دون حل تحت أنظار العالم”.

وأكد بيان لمنظمة الهجرة الدولية أن فرقها رصدت خلال اليومين الماضيين نزوح 4 آلاف و315 شخصاً خلال يوم واحد من قرى بمنطقتي القوز وهبيلا في ولاية جنوب كردفان.

بجانب فرار 85 شخصاً من العاصمة كادوقلي و200 شخص من بلدة الكويك بالريف الشرقي للولاية نفسها بسبب انعدام الأمن، توجهوا جنوباً إلى ولاية النيل الأبيض وولاية غرب كردفان.

طوارئ الأزمة

في السياق يوضح المتخصص في الشؤون الإنسانية ومفوض العمل الإنساني الأسبق بالخرطوم مصطفى آدم أن الوضع في كردفان يحتاج إلى عمل طوارئ كبير لتلافي هذه الأزمة الإنسانية المتصاعدة في الإقليم، في وقت تحتاج فيه المنظمات الأجنبية والأممية إلى التعامل المرن حتى تتمكن من تقديم ما يمكن تقديمه في مثل هذه الأوضاع.

أشار آدم إلى أنه بات من الصعب الآن إيجاد ملاذ آمن في كردفان إلا بالوصول إلى مناطق وسط السودان، وهو أمر مكلف ويحتاج إلى أموال كثيرة من جانب الفارين، ويستدعي من السلطات التحوط بتجهيز وتهيئة مراكز إيواء مزودة بالصرف الصحي ومستوفية لشروط صحة البيئة، محذراً من تفاقم أوضاع النازحين داخل مدينة الأبيض المكتظة بالنزوح المتواتر، إذ يلاحظ بداية حركة نزوح من المدينة صوب شمال البلاد خوفاً من قصف المسيرات المتكرر الذي زعزع طمأنينة الناس، في وقت أصبحت فيه رحلة النزوح نفسها تنطوي على أخطار كبيرة تهدد حياة الفارين.

تابع “على رغم عدم استقرار الإحصاءات، لا تزال أعداد النازحين كبيرة وفي تزايد مستمر كل لحظة وساعة، فضلاً عن أن هناك صعوبات في عملية النزوح ذاتها، بخاصة بالنسبة إلى الأسر التي برفقتها أطفال وكبار سن، ولا تتوفر على الموارد اللازمة للفرار. لذلك كثيراً ما ينتهي الأمر بمثل تلك الأسر إلى الوصول إلى مناطق أكثر قساوة وصعوبة من تلك التي فروا منها”، مطالباً بضرورة تجهيز وتهيئة مراكز لائقة لإيواء الفارين، بخاصة بعد ظهور إشكالات في السعة مع تزايد أعداد النازحين الكبيرة.

فجوة غذائية

من جانبه، يوضح المتخصص في فض النزاعات وبناء السلام أمير عبداللطيف أن استمرار المواجهات الدامية وتمحور المعارك في محيط مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان وتعدد مرات تبادل السيطرة على البلدات حولها، قد يقود إلى تسريع الانهيار الإنساني بضرب الأمن الغذائي وفتح جبهة معاناة جديدة تفوق القدرات الإغاثية المتاحة، بجانب انقطاع الإمدادات والإغلاق المتكرر للأسواق ولجوء التجار للتخزين والاحتكار، مما يعمق الأزمة الغذائية والمعيشية المستفحلة نتيجة تعطل الموسم الزراعي والارتفاع الجنوني لأسعار الحبوب الغذائية لأكثر من ثلاثة أضعاف، فضلاً عن أزمات الوقود والنقل.

حذر عبداللطيف من أن أي خلل أمني بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، سيكون تأثيره مضاعفاً، وقد يؤدي إلى اختناق كل الإقليم. فبخلاف كون المدينة تحتضن حالياً أكثر من مليون نازح، باتت أيضاً المركز الأهم للحركة التجارية والقوافل الإغاثية وحلقة الربط بين غرب ووسط وشمال السودان.

ممر الحرب

أشار المتخصص في بناء السلام إلى أن استخدام الطرق لنقل القوات والسلاح وعسكرة القرى الواقعة على الطريق القومي، حولا ولاية شمال كردفان إلى أكبر وأوسع ممر للحرب، وبات المدنيون في تلك المناطق في وضع أشبه بالدروع البشرية.

أضاف “التشرد أفقد المواطنين أدوات الزراعة وفاقم بالتالي من موجات النزوح، واضطرت الأسر إلى استهلاك رأسمالها المعيشي المتمثل في المواشي ومغادرة الأرياف إلى مدينة الأبيض، ولجوء آخرين إلى تجمعات عشوائية بلا ماء ولا صرف صحي، بعد أن فقدت مدن الإقليم قدرتها على الامتصاص، مع مؤشرات أمنية واجتماعية انتشار السلاح وسط المدنيين”.

تخفيف الضغط

ويرى مراقبون أن التقدم الميداني المطرد الذي يحققه الجيش والقوات المشتركة وسيطرته على مواقع استراتيجية، في مقابل تراجع قدرات “الدعم السريع” في ولاية جنوب كردفان، عقب فك الحصار عن مدينة الدلنج، سيقود أيضاً إلى فك الحصار المفروض على مدينة كادوقلي، مما سيسهم في تخفيف الضغوط عن المدنيين وتأمين مدن الإقليم الرئيسة ومحيطها.

وأعلن الجيش السوداني في الأسبوع الأخير من يناير (كانون الثاني) الماضي، تمكنه من دخول مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، بعد نحو عامين من الحصار الذي فرضته قوات “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبدالعزيز الحلو، المتحالفة معها.

تصعيد ومسيرات

ومنذ مطلع عام 2025، شهد إقليم كردفان تصعيداً عسكرياً عنيفاً في المعارك بين الجيش و”الدعم السريع”، انتهت بتحقيق الجيش تقدماً واسعاً في شمال وجنوب كردفان خلال الشهر الماضي، انتهى بفك حصار مدينة الدلنج.

وتصاعد خلال المعارك بصورة لافتة استخدام الطائرات المسيرة بخاصة من جانب “الدعم السريع” التي استهدفت مسيراته مواقع مدانية وعسكرية في مناطق عدة بالتركيز على مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، بينما يتابع الطيران الحربي غاراته الجوية على تجمعاته في مختلف مناطق الإقليم.

وفيما يشبه تقاسم السيطرة الميدانية على جغرافيا الإقليم، يسيطر الجيش على المدن الكبرى (الأبيض وكادوقلي والدلنج)، بينما تنتشر قوات “الدعم السريع” في المناطق الريفية وبعض حقول النفط وبعض الطرق الرئيسة والفرعية.

الجسر البري

جغرافياً يقع إقليم كردفان في وسط وجنوب السودان، يحده من الغرب إقليم دارفور ومن الشرق وادي النيل الأبيض، ويشكل بموقعه الاستراتيجي هذا الجسر البري بين شرق البلاد وغربها، ويشهد حالياً تحولات ميدانية متسارعة تعيد رسم خريطة النزاع السوداني.

إدارياً ينقسم إلى ثلاث ولايات، هي شمال كردفان (عاصمتها الأبيض)، وجنوب كردفان (عاصمتها كادوقلي)، وغرب كردفان (عاصمتها الفولة).

يشتهر الإقليم اقتصادياً بإنتاج الصمغ العربي والموارد النفطية والزراعية والثروة الحيوانية الضخمة، ويطلق عليه “السودان المصغر” لثرائه وتنوعه العرقي والبيئي.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا