متابعات: الراكوبة
في أقصى الصحراء الغربية المصرية، حيث تمتد دوائر زراعية عملاقة على أطراف الصحراء الكبرى، تعمل قاعدة جوية سرّية على تشغيل واحدة من أخطر أدوات الحرب في السودان اليوم: الطائرات المسيّرة بعيدة المدى. فمن هناك، تقلع طائرات عسكرية متطورة لتنفذ ضربات داخل الأراضي السودانية، في فصل جديد من حربٍ لم تعد سودانية خالصة، بل صارت ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية.
تكشف صور أقمار صناعية وسجلات طيران ومقاطع مصوّرة، إلى جانب إفادات مسؤولين غربيين وعرب، أن طائرات مسيّرة انطلقت من قاعدة داخل مصر نفّذت، على مدى ستة أشهر على الأقل، ضربات استهدفت قوات الدعم السريع داخل السودان، في دعم مباشر للجيش السوداني الذي يخوض حرباً مدمّرة منذ أكثر من ألف يوم.
الحرب التي دمّرت البلاد، وشرّدت ما يقارب 12 مليون سوداني، وقتلت عشرات الآلاف، لم تعد مجرّد صراع داخلي بين جنرالين. بل تحوّلت إلى مسرح لحرب طائرات مسيّرة متقدمة، تُدار من خارج الحدود، وتُغذّيها مصالح قوى إقليمية متنافسة.
فبينما تتهم تقارير غربية الإمارات العربية المتحدة بتزويد قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة صينية بعيدة المدى، تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني، الذي حصل بدوره على طائرات تركية متطورة، إلى جانب أسلحة من إيران وروسيا. أما مصر، التي كانت حتى وقت قريب لاعباً دبلوماسياً، فقد انتقلت – وفق هذه المعطيات – إلى مربع التدخل العسكري غير المعلن.
التحوّل المصري لم يكن مفاجئاً تماماً. فبحسب مسؤولين غربيين، جاء التدخل بعد سقوط مدينة الفاشر في دارفور أواخر أكتوبر الماضي، عقب حصار طويل ومأساوي، مثّل نقطة تحوّل خطيرة في مسار الحرب. ومع تمدد قوات الدعم السريع نحو كردفان، بدا أن القاهرة قررت كسر حيادها.
وفي ديسمبر، حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علناً من تجاوز “خط أحمر” في السودان، في وقت كانت فيه بلاده تستقبل بالفعل أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوداني.
بعدها بأسابيع، بدأت طائرات “أقنجي” التركية، القادرة على الطيران آلاف الكيلومترات وحمل أطنان من الذخائر الموجّهة، بتنفيذ ضربات عميقة داخل السودان، استهدفت قوافل إمداد ومواقع لقوات الدعم السريع، بعضها في دارفور وعلى مسافة تتجاوز 800 ميل من القاعدة المصرية.
وكما في كل فصول هذه الحرب، كان المدنيون هم الضحية الأولى. فقد أصابت ضربات الطائرات المسيّرة، من الجانبين، بنى تحتية حيوية: محطات كهرباء، منشآت مياه، مستشفيات، ومساجد. وأدّت هجمات نُسبت إلى قوات الدعم السريع إلى مقتل أكثر من 100 شخص في روضة أطفال، بينهم عشرات الأطفال، وفق تقارير دولية.
في المقابل، نفّذ الطيران الحربي للجيش السوداني غارات عشوائية على قرى، أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا، في مشهد يعكس انهيار أي التزام فعلي بحماية المدنيين.
يلعب الذهب دوراً محورياً في إطالة أمد الصراع. فمع ارتفاع أسعاره عالمياً، تسارعت عمليات استخراج وتهريب الذهب، ما وفّر موارد مالية ضخمة لطرفي الحرب، وأسهم في تمويل سباق التسلّح بالطائرات المسيّرة والأنظمة المضادة لها.
وبحسب خبراء، حصلت قوات الدعم السريع على أنظمة صينية للتشويش وصواريخ أرض–جو، يُرجّح أن تكون قد وصلت عبر داعميها الإقليميين، وتمكّنت بالفعل من إسقاط عدد من الطائرات التركية المتطورة خلال الأشهر الماضية.
المفارقة أن القاعدة الجوية التي انطلقت منها هذه الضربات أُنشئت داخل مشروع “شرق العوينات” الزراعي، الذي طالما روّجت له السلطات المصرية كنموذج للتنمية واستصلاح الصحراء. لكن صور الأقمار الصناعية تُظهر أنه منذ 2018 جرى توسيع المطار الصغير التابع للمشروع ليشمل مدرجاً ثانياً وحظائر عسكرية ونُظم تحكّم واتصالات متقدمة.
وهبطت في القاعدة طائرات شحن عسكرية تركية، وأخرى روسية تابعة لشركات خاضعة لعقوبات دولية، في مؤشر واضح على حجم التشابك الدولي في الحرب السودانية.
رغم هذا السباق المحموم في التسلّح، لا يبدو أن أياً من طرفي الصراع يقترب من حسم عسكري. فالولايات المتحدة تتهم الجيش باستخدام أسلحة كيميائية، وتتهم قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على الجانبين، لكنها فشلت في وقف تدفق السلاح.
وفي تطوّر خطير، أصدرت قوات الدعم السريع تهديدات مبطّنة، معتبرة أن أي طائرة مسيّرة تقلع من “قاعدة أجنبية” هدف مشروع لها، ما ينذر باتساع رقعة الحرب وجرّ دول الجوار إلى مواجهة مباشرة.
في النهاية، يدفع السودان ثمن حربٍ تُدار بأيدٍ سودانية، لكن بأجندات خارجية، وعلى حساب شعبٍ يُترك وحيداً بين الجوع والنزوح والقصف من السماء.
المصدر:
الراكوبة