آخر الأخبار

مأزق السودان بين البرهان و”الإخوان”

شارك

جان فلكالي _ كاتب ومحلل بريطاني

يرصد خبراء في الشؤون الإفريقية، وفي الشؤون السودانية تحديدًا، تحولات دراماتيكية في ملف هذا البلد المترامي الأطراف، ويصلون في قراءتهم المعمقة إلى جملة من الخلاصات أبرزها:

لم يعد الاستمرار في توصيف غير دقيق لما يجري مقبولا. الواقع أبسط وأقسى: فالسودان يدفع ثمن دولة عسكرية غارقة في تحالفها مع “الاخوان”.

خلطة عجيبة بين العسكرة و”الأخونة”

في قلب هذا الوهم يقف عبد الفتاح البرهان، لا بصفته “حارس الدولة”، بين مزدوجين طبعًا، بل بصفته آخر تجليات دولة الجيش، المرتبطة بـ”الإخوان”، والتي عطّلت السياسة، وأفرغت المؤسسات، ورسخت حكمًا بلا مساءلة

عند هذا الحد يُطرَح يكون السؤال الصحيح ليس من يملك الأختام الدستورية، بل: من يعطّل ولادة دولة قابلة للحياة؟ فالشرعية حين تتحوّل إلى قيد لا تعود شرعية.

فمنذ الاستقلال، لم يعرف السودان دولة مدنية مستقرة. عرف انقلابات، ومجالس عسكرية، وتسويات هشة، ثم عودة إلى النقطة الصفر. بعد سقوط نظام عمر البشير، سنحت فرصة نادرة لإعادة التأسيس. لكن البرهان اختار الطريق المعاكسة من خلال خلطة عجيبة بين العسكرة و”الأخونة”.

فهو أولًا أطاح الشراكة المدنية، ثم أعاد إنتاج منطق الوصاية، وصادر السياسة باسم ما وصفه”الاستقرار”، والنتيجة لم تكن دولة قوية، بل فوضى مغلفة بوهم الشرعية لا تُنتج مؤسسات، ولا تحمي انتقالًا سلسًا للسلطة، ولا تعترف بتغيّر موازين القوى، وتتحوّل إلى عائق أمام دولة لا سند لها.

ويقول خبراء في الشؤون السودانية إن جيش الدولة تحول إلى جيش البرهان، المرتبط بـ”الإخوان”، فالدفاع عن البرهان يقوم على مقولة إن الجيش “مؤسسة وطنية جامعة”. هذه المقولة لم تعد تصمد أمام الوقائع، من خلال الحقائق الدامغة الآتية:

الجيش السوداني بات مسيّسًا و”مؤَخونًا”، بهذا المعنى أصبح منقسمًا ومرتبطًا بشبكات مصالح إخوانية واقتصادية وأمنية.

والأخطر من كل ذلك أن احتكار الجيش لتعريف الدولة جعل أي إصلاح تهديدًا وجوديًا لها. هكذا أصبح إنقاذ الدولة مرادفًا لحماية امتيازات قديمة، لا لبناء عقد اجتماعي جديد.

في المقابل، فإن كسر الاحتكار التقليدي، ولو كان مؤلمًا، يفتح بابًا لإعادة تعريف الجيش نفسه، كجزء من الدولة لا وصيًا عليها. هذا هو الفرق بين إدارة انتقال وترميم فشل، فالواقعية السياسية لا الأوهام هي الأساس، والتجارب الإقليمية الناجحة تفضي إلى النتيجة التالية: لا بناء بلا استقرار، ولا استقرار بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا توازن قوى يمنع الانفراد. التمسك بوهم شرعية لا تُنتج دولة هو وصفة مؤكدة لإطالة الفوضى.

“ثقافة إستراتيجية” بين البرهان و”الإخوان”

وانطلاقًا من هذه المعطيات فإن الرهان الواقعي هو على ما يلي:

توازن يمنع الحسم القسري، تفاوض يسبق الإخضاع، إعادة بناء تدريجية للمؤسسات، أولوية الأمن كمدخل للسياسة، لا نقيض لها.

وهذا المنطق لا يُكافئ طرفًا، بل يحاصر الفشل، فانهيار السودان ليس شأنًا داخليًا، لأن تداعياته تطال: أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي وشبكات تهريب وسلاح.

من هذا المنظور، فإن الاستمرار في دعم مسار يعيد إنتاج دولة عسكرية عاجزة هو مغامرة إقليمية غير محسوبة، الواقعية تقتضي دعم المسار الذي يملك فرصة إنهاء الاحتكار، وفتح باب تسوية تُعيد تعريف الدولة، وفي المحصِّلة فإن إسقاط الوهم شرط الإنقاذ.

فسودان ما بعد ثورة ديسمبر، شهد تحولات عميقة في طبيعة السلطة، إذ أنهى الجيش بقيادة البرهان حكم الرئيس عمر البشير.

خلال هذا المسار، برزت حقائق مفادها جماعة “الإخوان المسلمين” أو التيارات الإسلامية المرتبطة بها تؤثر في القرار داخل الجيش، أو حتى في خيارات البرهان نفسه.

جماعة “الإخوان” في السودان لها جذور عميقة في المؤسسة الأمنية والسياسية منذ الثمانينيات، وهي جناح تنظيمي محلي لـ”الإخوان”. وقد كان لهذه الشبكات تغلغل في قطاعات من الجيش والأمن.

مسؤولون ودبلوماسيون في بعض العواصم أشاروا إلى أن رهان الجيش بقيادة البرهان على تنظيمات إسلامية تقليدية أو شبكات قريبة من “الإخوان” ساهم في تعزيز الحقائق عن أن هناك ارتباطًا عضويًا بين الجيش بقيادة البرهان وبعض فصائل “الإخوان” داخل القوات الموالية للجيش، مبرزًا أن بعض القادة الميدانيين للمعارك كانوا من بيئات “إخوانية”.

محللون آخرون يربطون بين القرار العسكري بعدم قبول بعض المبادرات الدولية لمحاولة إنهاء الحرب وبين الميول “الإخوانية” داخل دوائر القرار، ويتبنى البرهان كل تراكمات العلاقة والإرتباط بين الجيش و”الإخوان المسلمين”، وهذا ما أوصل إلى “ثقافة إستراتيجية” بين البرهان و”الإخوان”.

ظهر خضوع البرهان لـ”الإخوان” من خلال تأكد صفقات الأسلحة التي أبرمها والتي فاحت منها رائحة فساد، وبدا واضحًا أن البرهان لا يناسبه السلام؛ لأن يفقد كل “فوائد الصفقات”.

وقد وظَّف البرهان الإسلام السياسي لتحقيق نفوذ لا يمكن تحقيقه إلا بالدعاية التي يطلقها “الإخوان”.

الارتباط بين عبد الفتاح البرهان وجماعة “الإخوان” تؤكده السياقات التاريخية والسياسية في السودان، ومن ضمنها بقايا الشبكات “الإخوانية” داخل الجيش والأمن، وهذا ما يخلق أسبابًا وجيهة لتساؤل المراقبين حول درجة التأثير والنفوذ الإستراتيجي الذي قد تمارسه جماعات إسلامية على خيارات القيادة العسكرية.

ادراك الالكترونية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا