آخر الأخبار

تحالف السعودية وباكستان وتركيا: فرصة أم مخاطرة جيوسياسية؟

شارك

التحالف يتميز بعناصر قوة واضحة: باكستان بقدراتها النووية وجيشها الذي يعد من أكبر الجيوش في العالم والسعودية برأس مال هائل وثقل سياسي وتركيا بصناعتها العسكرية المتطورة.

الرياض- في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز تشكيل محور أمني ثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا كخطوة جريئة قد تعيد رسم خارطة الأمن الإقليمي. هذا التحالف، الذي بدأ بتوقيع الاتفاق الدفاعي المشترك بين الرياض وإسلام آباد في أيلول – سبتمبر الماضي، ويُتوقع انضمام أنقرة إليه قريبا، يمثل رد فعل استراتيجيا على تراجع الضمانات الأميركية التقليدية وتصاعد التهديدات الإقليمية، لاسيما بعد الهجوم الإسرائيلي على قطر الذي أثار مخاوف عميقة حول هشاشة التوازنات الحالية. ورغم الفرص الواعدة التي يقدمها هذا التحالف في تعزيز الردع الجماعي، فإنه يظل رهانا محفوفا بالمخاطر قد يضاعف التعقيدات في منطقة تعاني بالفعل من انقسامات عميقة.

يأتي هذا الاتفاق في سياق أوسع من التحولات الجيوسياسية، حيث أدى التصعيد الإسرائيلي ضد حماس وامتداده إلى عواصم عربية إلى إعادة تقييم الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن أمني أساسي. الهجوم على الدوحة في 9 سبتمبر 2025، الذي استهدف قيادات حماس وأسفر عن مقتل ستة أشخاص بينهم موظف أمن قطري، كان بمثابة نقطة تحول، إذ أبرز عدم القدرة على منع مثل هذه الانتهاكات رغم الشراكات الاستراتيجية مع واشنطن. هذا الحدث دفع الدول الخليجية إلى البحث عن بدائل، وكان توقيع الاتفاق الدفاعي المشترك بين السعودية وباكستان في 17 سبتمبر خطوة فورية تجسد هذا التوجه، مع تلميحات إلى انضمام تركيا الذي يجري مناقشته حاليا في محادثات متقدمة.

◄ الاتفاق السعودي – الباكستاني ينص على اعتبار أي عدوان على أحد الطرفين عدواناً على الآخر، مع التزام بالردع المشترك، لكنه يحافظ على غموض مقصود في بنود الرد العسكري المباشر والبعد النووي

الاتفاق السعودي – الباكستاني، المعروف باسم “الاتفاق الدفاعي المشترك الاستراتيجي”، ينص على اعتبار أي عدوان على أحد الطرفين عدواناً على الآخر، مع التزام بالردع المشترك، لكنه يحافظ على غموض مقصود في بنود الرد العسكري المباشر والبعد النووي، مما يتيح مرونة في التطبيق دون التزامات صارمة قد تثير توترات إقليمية فورية. هذا الغموض يعكس حذراً مدروساً، إذ يهدف الاتفاق إلى تعزيز الشراكة التاريخية بين الرياض وإسلام آباد، التي تعود إلى عقود من التعاون العسكري، بما في ذلك تدريب آلاف الجنود السعوديين في باكستان ودعم اقتصادي سعودي يتجاوز 30 مليار دولار. أما انضمام تركيا المحتمل، الذي أكدته تقارير حديثة وتصريحات مسؤولين أتراك، فيشير إلى إعادة ضبط أوسع للأمن الإقليمي، حيث يجمع هذا الثالوث قوى متنوعة تمتد نفوذها من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي، مما يخلق إطاراً دفاعياً يتجاوز الحدود التقليدية.

يتميز هذا التحالف بعناصر قوة واضحة تجعله قادراً على تشكيل ردع متعدد المستويات. باكستان تقدم قدرات نووية متقدمة وجيشاً يُعد من أكبر الجيوش في العالم، مع خبرة عملياتية واسعة في مواجهة التهديدات غير التقليدية، كما في مواجهاتها مع الهند وأفغانستان. السعودية، بدورها، توفر رأس المال الهائل والثقل السياسي في العالم العربي والإسلامي، إلى جانب نفوذ دبلوماسي يمتد إلى المحافل الدولية. أما تركيا، فتضيف صناعة عسكرية متطورة، تشمل طائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي، مع موقع جيوسياسي حساس يربط بين أوروبا وآسيا، وخبرة في عمليات خارجية مثل تلك في سوريا وليبيا. هذا التكامل يمكن أن يؤسس لمنظومة دفاعية شاملة، تجمع بين الردع النووي والقدرات التقليدية والاقتصادية، مما يعزز الاستقرار في منطقة تعاني من فراغ أمني متزايد.

التحالف لا يقتصر على الأبعاد العسكرية، إذ يشمل تعاونا صناعيا دفاعيا مشتركا يمكن أن يؤدي إلى مشاريع مشتركة في تطوير الأسلحة والتكنولوجيا، مع تسهيلات ائتمانية من السعودية تساعد في تمويل برامج عسكرية باكستانية وتركية. كما يركز على التدريب المشترك وتبادل الخبرات، وهو ما يعزز الكفاءة العملياتية، ويمتد إلى البعد التجاري واللوجستي، حيث يصبح الأمن جزءاً من الاقتصاد الحديث، مثل تأمين طرق التجارة البحرية ومشاريع الطاقة. هذه العناصر غير العسكرية تحول التحالف من مجرد اتفاق دفاعي إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، قادرة على تعزيز الاستقلالية الاقتصادية والتكنولوجية للدول الثلاث.

تدفع كل دولة دوافعها الخاصة نحو هذا التحالف. السعودية تبحث عن بدائل للضمان الأميركي، خاصة بعد الهجوم على قطر الذي أبرز ضعف الشراكات التقليدية، وتسعى إلى تعزيز أمنها في مواجهة التهديدات الإيرانية والإسرائيلية المحتملة. تركيا، من جانبها، تواجه تهديدات إسرائيلية عبر سوريا، وتريد تعزيز استقلاليتها الأمنية بعيداً عن قيود الناتو، مع توسيع نفوذها في الشرق الأوسط. أما باكستان، فتسعى إلى تعزيز أمنها القومي بعد مواجهاتها مع الهند، وتخفيف الضغوط على حدودها مع أفغانستان، مع الاستفادة من الدعم الاقتصادي السعودي لتعزيز اقتصادها المتعثر.

مع ذلك، يحمل هذا التحالف مخاطر لا يمكن تجاهلها. قد يعقد علاقات باكستان مع إيران، التي ترى في التحالف تهديداً محتملاً لمصالحها، خاصة مع التوترات الحدودية المستمرة. كما يثير مخاوف الصين، حليفة باكستان الرئيسية، من أي تصعيد مع الهند قد يهدد مشاريعها الاقتصادية مثل ممر الصين – باكستان. هناك أيضا خطر الانزلاق إلى تكتلات صلبة تفقد المرونة الاستراتيجية، مما يعزل الدول الثلاث عن شركاء آخرين، أو يحول التحالف إلى إطار تنسيقي فارغ دون فاعلية حقيقية إذا لم يتم بناء آليات تنفيذية قوية.

التحالف الثلاثي يمثل فرصة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي في منطقة تعاني من عدم استقرار مزمن من خلال بناء شراكة متوازنة تجمع بين القوة العسكرية والاقتصادية
على الصعيد الدولي، تراقب الصين التحالف بحذر، خشية أن يهدد مصالحها الاقتصادية في المنطقة، خاصة مع استثماراتها الضخمة في باكستان. واشنطن، بدورها، تظل ضامنا مركزيا لأمن الخليج، لكن دورها لم يعد حصريا، مما قد يدفعها إلى إعادة تقييم شراكاتها. قد ينعكس هذا على توازنات جنوب آسيا، حيث تعزز باكستان موقفها أمام الهند، وفي الشرق الأوسط، حيث يقدم التحالف بديلا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

باختصار، يمثل التحالف فرصة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي في منطقة تعاني من عدم استقرار مزمن، من خلال بناء شراكة متوازنة تجمع بين القوة العسكرية والاقتصادية. ومع ذلك، فهو لا يشكل ضمانة مطلقة، إذ يتطلب إدارة حكيمة لتجنب إثارة صراعات جديدة أو تعميق الانقسامات. ويظل نجاحه مرهونا بقدرته على التوازن بين الردع والدبلوماسية، وبين الطموح الاستراتيجي والواقعية العملية، ليصبح خطوة نحو استقرار مستدام بدلا من أن يكون مصدر توتر إضافي.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا