آخر الأخبار

واقع أليم للتعليم في دارفور وكردفان

شارك

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخل قطاع التعليم واحدة من أعقد مراحله في تاريخ البلاد الحديث، لا سيما مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور.

وفق تقديرات منظمة أنقذوا الأطفال ومنظمة اليونيسيف، فإن السودان سجّل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم، حيث حُرم نحو ثمانية ملايين طفل من حقهم في التعليم لأكثر من 500 يوم متواصل. وتضع هذه الأرقام السودان في صدارة الدول المتأثرة بالنزاعات من حيث تعطل العملية التعليمية، بحسب المنظمتين.

وتشير اليونيسيف إلى أن إقليم دارفور يُعد الأكثر تضررًا، إذ لا تعمل في ولاية شمال دارفور سوى 3% فقط من أصل أكثر من 1,100 مدرسة. ورغم هذا الانهيار الواسع، أفادت المنظمة في تقرير صدر في أكتوبر 2025 بأنها ساهمت، عبر شركائها، في إعادة فتح 2,268 مدرسة في مناطق متفرقة من الإقليم، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من التعلم لآلاف الأطفال، مع الإقرار بأن هذه الجهود لا تغطي سوى جزء محدود من الفجوة التعليمية.

أما في إقليم كردفان، فتُظهر تقارير منظمات محلية ودولية صورة مشابهة؛ إذ تعمل في ولاية غرب كردفان حوالي 15% فقط من المدارس، بينما يعاني المعلمون من توقف الرواتب منذ أبريل 2023، بحسب إفادات ميدانية مدعومة بتقارير أممية. وفي شمال كردفان، بدأت مبادرات أهلية محدودة لإعادة فتح بعض المدارس، رغم الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية التعليمية.

في المقابل، تمسكت وزارة التربية والتعليم الاتحادية بموقفها القاضي بإجراء امتحانات الشهادة السودانية في الولايات التي تصفها بـ”الآمنة” فقط، وعددها 12 ولاية. وبحسب بيانات الوزارة، أدى هذا القرار إلى حرمان نحو 30% من الطلاب المسجلين – أي ما يقارب 400 ألف طالب من أصل 580 ألفًا – بسبب وجودهم في مناطق خارجة عن سيطرة الجيش. وفي مايو 2025، أعلنت الوزارة نتيجة امتحانات الشهادة السودانية المؤجلة لدفعة 2023، بنسبة نجاح بلغت 69%.

على الجانب الآخر، أعلنت حكومة تحالف تأسيس والإدارات المدنية التي أنشأتها قوات الدعم السريع في ولايات دارفور وغرب كردفان عن خطوات موازية في قطاع التعليم. فقد جرى تعيين مدراء عامين للتعليم في عدد من الولايات، من بينهم حمودة محمد أمبدي في شرق دارفور، ضمن هيكلة إدارية تقول هذه الإدارات إنها تهدف إلى «سد الفراغ الخدمي».

وفي مايو 2025، نظمت الإدارة المدنية في جنوب دارفور امتحانات شهادتي المرحلتين الابتدائية والمتوسطة لأول مرة منذ عامين، وأعلنت لاحقًا نتائجها. كما أصدرت الإدارة المدنية في وسط دارفور، في ديسمبر 2024، قرارًا يمنع طلاب الولاية من السفر إلى مناطق سيطرة الجيش – مثل كوستي وعطبرة – لأداء امتحانات الشهادة السودانية، مبررة القرار بـ«تنظيم العملية التعليمية وفق الظروف الراهنة».

حذرت لجنة معلمي السودان – وهي جسم نقابي مستقل – من أن تعدد الامتحانات والمرجعيات التعليمية بين حكومة بورتسودان والإدارات المدنية في دارفور يشكل «مسارًا خطيرًا يقود إلى تفتيت النظام التعليمي وانقسام البلاد فعليًا». وذهبت اللجنة أبعد من ذلك بتفنيد الأرقام المتداولة حول عدد الأطفال خارج المدرسة، مؤكدة في بيان صدر في يناير 2026 أن الرقم الحقيقي يتجاوز بكثير تقديرات الثمانية ملايين طفل، مشيرة إلى أن نحو 11 مليون طفل كانوا داخل النظام التعليمي قبل الحرب، وخرجوا منه بدرجات متفاوتة بعدها.

كما حملت اللجنة وزارة التربية والتعليم الاتحادية مسؤولية الانهيار شبه الكامل للخدمة التعليمية، بسبب توقف الرواتب وغياب السياسات البديلة، الأمر الذي دفع آلاف المعلمين إلى مغادرة المهنة تحت ضغط الفقر وانعدام سبل العيش، ما فاقم من هشاشة أي محاولات لإعادة تشغيل المدارس، سواء عبر المبادرات الشعبية أو الإدارات المدنية.

قال عمر – وهو اسم مستعار لولي أمر طالب يدرس بإحدى مدارس مدينة نيالا – في مقابلة مع (عاين): إن “العملية التعليمية في المدينة بدأت تستعيد شيئًا من انتظامها مقارنة بالأشهر الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب”، موضحًا أن هناك التزامًا ملحوظًا من بعض التلاميذ والمعلمين رغم استمرار التحديات المرتبطة بالوضعين الأمني والاقتصادي.

وأشار عمر إلى أن الأسر باتت تتحمل أعباء مالية مباشرة مقابل التعليم، إذ تُفرض رسوم دراسية حتى في المدارس الحكومية، وإن كانت أقل بكثير من نظيرتها في المدارس الخاصة، مضيفًا أن الإقبال على المدارس الحكومية لا يزال محدودًا نسبيًا. وذكر في هذا السياق إن “الحضور في المدارس الحكومية ضعيف، رغم إن الرسوم أقل”.

وبحسب عمر، تتراوح رسوم الدراسة في المدارس الخاصة بين 150 ألف و250 ألف جنيه سوداني للطالب، وهو ما وصفه بأنه عبء ثقيل على كثير من الأسر في ظل تدهور الأوضاع المعيشية. كما أوضح أن العملية التعليمية، رغم كل التغييرات التي فرضتها الحرب، لا تزال تعتمد على نفس المقررات الدراسية المعتمدة قبل اندلاع النزاع، دون أي تحديث أو تعديل في المحتوى التعليمي.

عبدالعظيم – وهو اسم مستعار لمعلم يعمل في مدينة نيالا –ذكر في حديثه لـ(عاين) إن القطاع التعليمي يواجه نقصًا حادًا في الكوادر، الأمر الذي دفع بعض المبادرات والجهات التعليمية إلى الاستعانة بخريجين من تخصصات مختلفة لسد العجز في المعلمين.

وأوضح عبدالعظيم، أن من يُطلق “متطوعين” لا يعملون دون مقابل بالكامل، بل يتقاضون مبالغ مالية محدودة، مشيرًا إلى أن المرتبات في المدارس الحكومية والخاصة تدور في حدود 300 ألف جنيه سوداني شهريًا. وأضاف: أن “هذا الدخل، رغم محدوديته، ساهم في تحسين أوضاع المعلمين نسبيًا، معتبرًا أنه “أفضل من لا شيء، خاصة بعد أن توقفت مرتباتنا نهائيًا منذ بداية الحرب”.

استمرار الدراسة بات مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمبادرات المحلية وقدرة أولياء الأمور على تحمّل التكاليف، في ظل غياب أي دعم منتظم أو سياسة واضحة من الإدارات الحكومية

معلم في مدينة نيالا

وأشار إلى أن العملية التعليمية لا تزال تعتمد على المنهج الدراسي القديم دون أي تحديث، مؤكدًا أن استمرار الدراسة بات مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمبادرات المحلية وقدرة أولياء الأمور على تحمّل التكاليف، في ظل غياب أي دعم منتظم أو سياسة واضحة من الإدارات الحكومية لضمان استدامة التعليم.

يشير عضو جمعية المعلمين السودانية بولاية شرق دارفور، عوض عمر في مقابلة مع (عاين)، إلى أن العملية التعليمية متوقفة فعليًا منذ نحو ثلاث سنوات، مع وجود محاولات محدودة لإعادة فتح المدارس عبر مبادرات شعبية، وهي محاولات يصعب تقييم جديتها أو التعويل على نجاحها في ظل التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات المحلية.

ويضيف: أن “بعض المناطق، مثل أجزاء من غرب دارفور ونيالا، تشهد نشاطًا جزئيًا للمدارس، إلا أن هذه الحالات تظل استثناءً محدودًا إذا ما قورنت باتساع الإقليم في دارفور وكردفان”. ولفت إلى أن الإشكال الجوهري يتمثل في غياب نظام تعليمي مُقنن، حيث تُجاز نتائج الامتحانات في بعض المناطق عبر إدارات التعليم المحلية، بينما تُعتمد في مناطق أخرى بواسطة إدارات المدارس وهيئات التدريس فقط، دون وجود جهة مركزية مختصة.

التعليم الثانوي متوقف بالكامل تقريبًا، وأن عددًا كبيرًا من الطلاب لم يتمكنوا من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية خلال السنوات الثلاث الماضية

عضو جمعية المعلمين السودانية

وأكد أن التعليم الثانوي متوقف بالكامل تقريبًا، وأن عددًا كبيرًا من الطلاب لم يتمكنوا من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية خلال السنوات الثلاث الماضية، نتيجة لغياب الجهات المسؤولة عن تنظيم واعتماد الامتحانات، ما يعكس انهيار النظام التعليمي في معظم مناطق دارفور، وتحوله إلى أنشطة تعليمية غير منتظمة تفتقر إلى الإطار المؤسسي والاعتماد الرسمي.

في غرب دارفور، دشنت الإدارة المدنية العام الدراسي 2025–2026 لمرحلتي المتوسط والثانوي بمراسم رسمية، شملت ما وصفته بـ” قرع الجرس إيذانًا ببدء الدراسة”، في خطوة اعتبرها مراقبون ذات دلالة سياسية بقدر ما هي تعليمية في هذا السياق المتشابك.

وتقول مسؤولة التعليم في الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ليلي جاد الرب لـ(عاين): إن “العملية التعليمية في الولاية تسير بصورة جيدة وبخطى ثابتة”، وتشير إلى أن السلطات التعليمية تمكنت من فتح نحو 90% من المدارس في مدينة الجنينة وعدد من المحليات الأخرى.

وأوضحت أن إدارات التعليم بالمحليات “على تواصل مستمر” مع مكتب التعليم بالولاية، وترفع تقاريرها بصورة منتظمة، مؤكدةً أن الولاية نجحت خلال العام الماضي في إجراء امتحانات المرحلتين الابتدائية والمتوسطة.

لا مرتبات للمعلمين والمتطوعين بعد توقف صرف الرواتب من الحكومة المركزية

مسؤولة التعليم بولاية غرب دارفور

وبحسب ليلي، لم تتمكن الولاية من إجراء امتحانات الشهادة الثانوية داخلها بسبب “غياب التعاون”، إلا أن الطلاب تمكنوا من الجلوس للامتحانات خارج الولاية، وتحديدًا في تشاد، مشيرةً إلى سعي السلطات حاليًا لتهيئة الأوضاع الأمنية واللوجستية لإجراء امتحانات الثانوية داخل الولاية مستقبلاً.

وتشير المسؤولة الحكومية، إلى أن العملية التعليمية “تقوم حاليًا على الجهود التطوعية”، مؤكدةً عدم وجود مرتبات للمعلمين والمتطوعين بعد توقف صرف الرواتب من الحكومة المركزية، مع استمرار الدراسة رغم ذلك. وأكدت أن الجهود لم تقتصر على فتح المدارس فقط، بل امتدت الآن إلى تدريب المتطوعين، معتبرةً ذلك “مؤشرًا إيجابيًا على وعي أبناء الولاية بأن التعليم هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة”.

شبكة عاين

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا