آخر الأخبار

ناشرات سودانيات يعِدن ابتكار النشر والتوزيع

شارك

تعرضت حركة النشر والتوزيع في السودان لهزة عنيفة بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لكنها سرعان ما استعادت عافيتها، وبدأت في ترتيب أحوالها الداخلية والعودة بقوة للمشاركة في نشر الكتاب السوداني داخليًا وخارجيًا.

وتلاحظ في هذه العودة المبشرة المشاركة الواسعة لناشرات سودانيات دخلن ما قبل الحرب في “مغامرة النشر”، باعتبارها ليست مجالًا فقط لبث المعرفة والوعي، ولكنها في الأساس “سوق اقتصادي ضخم”، تتراءى فيه الخسارة أكثر من الكسب، فكيف ترى هؤلاء الناشرات تجربتهن ومغامرتهن؟

ناشرات رائدات

“دخول السيدات إلى مجال النشر في السودان يعود إلى حقبة الستينيات حين أسست الرائدة والسياسية فاطمة أحمد إبراهيم أول دار نشر في سنة 1974، وكانت تحمل اسم (مهيرة)، وكان موقعها في شارع الأربعين بمنطقة العباسية في أم درمان، ثم تلتها الروائية والقاصة بثينة خضر مكي، أواخر التسعينيات، وهي مؤسسة (مركز بثينة خضر مكي للإبداع والتنوير والفنون)، وكان مقره في الخرطوم”. يقول الأمين العام لاتحاد الناشرين السودانيين نور الهدى محمد يشير لـ(عاين). ويضيف:” يمكن الحديث عن ناشرات جديدات دخلن هذا المجال مؤخرًا، ومنهن سناء أبو قصيصة صاحبة “دار مدارات”، والروائية سارة الجاك “مؤسسة دار الفال”، وإسراء الريس بداري “الريس، ونرتقي للنشر والتوزيع والترجمة”.

في ظل مشهد ثقافي يواجه تحديات وجودية، تبرز تجربة الكاتبة والناشرة إسراء الريس، المدير العام لداري “نرتقي للنشر والتوزيع” و”الريس للنشر والتوزيع والترجمة”، كإحدى أكثر التجارب صمودًا ورؤية. تحدثت إسراء عن مشروعها الذي تصفه بـ”تجاوز مفهوم دار النشر ليصبح مؤسسة ثقافية عابرة للحدود”.

المُحرك والبصيرة: لماذا النشر؟

تقول إسراء الريس في مقابلة مع (عاين): “لم يكن دخولي إلى عالم النشر مجرد خيار مهني، بل كان استجابةً لنداء داخلي يرى في الكتاب السوداني (سفيرًا فوق العادة). كان المحرك الأساسي هو سد الفجوة بين زخم الإبداع السوداني وضعف قنوات تقديمه للعالم. آمنتُ منذ الخطوة الأولى أن الكاتب السوداني يستحق مؤسسة تتعامل مع نصّه بقدسية، وتمنحه حقّه في إنتاج فني يليق بقيمته الفكرية. لقد كان شغفي بالكتابة، ولا يزال هو البوصلة الأساسية؛ فالكاتب الذي يسكنني هو من يراقب جودة الحرف، والناشرة هي من تضع استراتيجية التحليق بهذا الحرف خارج الحدود.”

أنشر لكي تظل شعلة التنوير متقدة ولا تبتلع الحرب الحقيقة

الناشرة والكاتبة، إسراء الريس

وحول آليات الانتشار تقول: “عقدنا اتفاقيات استراتيجية مع كبار الموزعين في الخليج والعالم، لضمان وصول إصداراتنا للقارئ أينما كان. كما استثمرنا في النشر العابر للحدود عبر الطباعة والتوزيع في مراكز إقليمية، مما ضمن لنا استمرارية التدفق المعرفي رغم تحديات الحرب والنزوح.”

وحول مشاريعها في النشر ورؤيتها للمستقل، تؤكد إسراء الريس، أن إصدارات “نرتقي” و”الريس” لم تتوقف عند حدود الأدب، بل اقتحمت مجالات فكرية تشكل عماد الوعي الوطني، وتشير إلى “مشروع إعادة قراءة التاريخ السوداني: بتقديم كتب تُعيد قراءة الهوية السودانية بأدوات بحثية رصينة بعيداً عن الروايات الرسمية الجامدة. وسلسلة الدراسات والأبحاث: التي تُعنى بالعلوم الاجتماعية والإنسانية لتشريح الواقع وتقديم مقاربات علمية بمشاركة نخبة من المفكرين. وسلسلة “قنطرة” التي يشرف عليها الروائي والمترجم د. عاطف الحاج سعيد، وتسعى لتشيد جسرًا معرفيًا بين العالم العربي وبقية العالم عبر ترجمات رصينة في مجالات السرد، العلوم الإنسانية، ريادة الأعمال، والتنمية الذاتية.

الجودة كالتزام أخلاقي

تشدد الريس على معايير الإنتاج: “أناقة الإخراج، جودة الورق، دقة التدقيق اللغوي، وجماليات الغلاف”. وتقول هذا بالنسبة لنا ‘احترام للقارئ’. وتتتابع: “نحن لا نصنع كتباً ليُقرأ مرة واحدة، بل نصنع مراجع تبقى في المكتبات، وتنتقل بين الأجيال”.

وفي هذا السياق، تمثل تجربة إسراء الريس نموذجًا لناشرات راهن على الاستمرارية رغم الحرب، عبر البحث عن قنوات بديلة للنشر والتوزيع خارج السودان، والاشتغال على مشاريع تتجاوز الأدب إلى أسئلة الهوية والمعرفة. وهي مقاربة تعكس تحول النشر من نشاط ثقافي تقليدي إلى فعل مقاومة وحضور في زمن الانقطاع.

نحاول ردم الهوة ما بين القارئ والناشر

الناشرة والروائية سارة الجاك

في المقابل تذهب الروائية والناشرة سارة الجاك إلى مقاربة عملية، وتؤكد في حديثها لـ(عاين)، أن النشر كان عملية معقدة جدًا حين فكرت في تجربة هذا المجال. وتقول: “كانت مغامرة لاكتشاف دروب النشر، فلمعرفة كيفية العمل في المجال المعقد كان لا بد من خوضه”. وتضيف صاحبة مؤسسة الفأل الثقافية: “دخلنا دهاليز النشر وعرفنا أن جزءًا من أشكال الناشرين يرتبط بتسويق الكتاب نفسه، فبعد أن تنتهي عملية إنتاج الكتاب وصدوره ووضعه في أرفف المكتبات كيف تتم عملية تسويقه، وقبلها ترويجه، وبعد ذلك وصوله للقارئ المعني”.

ومن خلال تجربتها في الكتابة والنشر الشخصي؛ ومن ثم دخول هذا المجال تشير سارة الجاك إلى تعرفها على “فجوة واضحة” ما بين القراء ودور النشر والناشرين، بمعنى عدم القدرة على التواصل بين الاثنين. ولحل هذه المعضلة تقول سارة: “حاولنا عبر عدة طرق أن نردم الهوة ما بين إنتاجنا المطبوع وما بين القراء وبل شملنا دور النشر الأخرى، وذلك عبر الترويج وتجربة ما يعرف بـ(الشابات الموزعات)، إذ استعنا بالشابات المتدربات على الكتابة والقراءة داخل المركز، فكن يقرأن ويناقشن ويوزعن الكتب، ويأخذن بالطبع نسبة من أرباح التوزيع، كمعين اقتصادي في حياتهن اليومية”.

طريق شاق لكنه يستحق المحاولة

وتواصل سارة الجاك الحديث عن “مغامرتها” وتؤكد أن هذا الطريق طويل وشاق، لكن بقدر مشقته، إلا أنه يستحق المحاولة والمضي قدمًا، وكلما توغلت في هذا المجال خطوة ستكشفت خطوات إضافية تسهم في أن يصبح هذه المجال سهلا ومرغوبًا وقابلاً للتجربة. وتشير إلى أن تجربتها لا تزال في البداية، وتعمل عليها بهدوء وغير استعجال، مدللة على ذلك باختياراتهم للنشر والكتب النوعية التي تسعى إلى نشرها، ومحاولات تطويرها المستمرة في الجوانب الفنية والتصميم وابتكار طرق ذكية للتوزيع والترويج

شبكة عاين

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا