يبتسم حشد من الصبية وهم يرفعون بنادقهم نحو السماء. بعضهم لا يتجاوز عمره اثنتي عشرة سنة. أذرعهم نحيلة. أسلحتهم كبيرة. يلوّح بها الصبية بفرح؛ وتلمع فوهاتها في الشمس. يقودهم رجل بالغ في الهتاف. يخترق صوته العميق صرخاتهم الطفولية. “نحن نقف مع القوات المسلحة!”، يهتف. “نحن نقف مع القوات المسلحة السودانية!”، يرددون بصوت واحد.
رسمت قصة خبرية كتبها الصحفي ديفيد باتريكاراكوس في صحيفة صحيفة الديلي ميل البريطانية مستوحاة من مقاطع فيديو بعضها متداول على وسائل التواصل الاجتماع صورة قاتمة لمستقبل الأطفال في السودان بسبب تجنيدهم من قبل أطراف
ويمضي التقرير في القول: إن المقطع بهاتف محمول ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو عبارة عن مقطع فيديو يظهر فيه مقاتلون أطفال تم تجنيدهم حديثاً متحالفين مع القوات المسلحة السودانية التابعة للحكومة السودانية.
يبدو الرجل البالغ في الفيديو كمعلم يقود فصلاً دراسياً. يبتسم للأطفال، وكأنه يقودهم. يرفع قبضته في الهواء: ينظر إليه الأطفال بإعجاب. لكن الحقيقة هي أنه لا يفعل شيئاً سوى قيادتهم إلى موت شبه مؤكد.
ويتابع التقرير هنا، لا تُخفى حرب القوات المسلحة السودانية، بل تُعرض وتُسوّق على أنها مزيج من الفخر والقوة.
اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، بعد سنوات من التوتر بين معسكرين مسلحين: القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
ما بدأ كمحاولة للاستيلاء على السلطة تحول إلى حرب أهلية شاملة. دُمرت المدن، وأُحرقت الأحياء، وفرّ الناس، وتبع ذلك الجوع.
كلا الجانبين ملطخان بالدماء.
تُطلق القوات المسلحة المسلحة على نفسها اسم الجيش الوطني. لكنها تشكلت في ظل عقود من الحكم الإسلامي، حيث كان الإيمان والقوة مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، وتم قمع المعارضة.
لم يختفِ ذلك النظام بسقوط الرئيس السابق عمر البشير، بل لا يزال قائماً في صفوف الضباط والميليشيات المتحالفة معهم الذين يخوضون هذه الحرب الآن، ويلطخون سمعة البلاد بسلسلة من الجرائم ضد الإنسانية.
مع اسمرار الصراع ونقص أعداد الضحايا، يلجأ الجيش إلى أسهل من يمكن أسرهم. الأطفال.
ورصد أحدث تقرير رصد للأمم المتحدة بشأن “الأطفال والنزاعات المسلحة” أن العديد من الجماعات مسؤولة عن انتهاكات جسيمة ضد الأطفال، بما في ذلك “تجنيد الأطفال واستخدامهم” في القتال.
وأكدت نفس التقارير وجود 209 حالة تجنيد واستخدام للأطفال في السودان في عام 2023 وحده، وهو ارتفاع حاد مقارنة بالسنوات السابقة.
لدى تطبيق تيك توك الدليل. في أحد الفيديوهات التي شاهدتها، ثلاثة فتيان قاصرين يرتدون زي القوات المسلحة السودانية يبتسمون للكاميرا، ويغنون أغنية لرفع المعنويات مخصصة عادةً لجنود الخطوط الأمامية.
مشهد آخر
وفي مشهد آخر، يقوم شاب بترديد لحن سوداني تقليدي تم استخدامه الآن كمسرح للتجنيد.
يُظهر مقطع فيديو مرعب شابين مسلحين – يرتبطان مرة أخرى إما بالقوات المسلحة السودانية أو حليفتها، كتيبة البراء بن مالك الإسلامية – وهما يرددان قصيدة جهادية للحركة الإسلامية السودانية بينما يوجهان شتائم عنصرية لأعدائهما.
يُلقّنه صوتٌ بالغٌ من خارج الكاميرا الكلمات. يُوضع جهاز لاسلكي بين يديه. يحاول أن يردد شعارات مؤيدة للقوات المسلحة المسلحة، وهو يبتسم ابتسامة عريضة بينما يرفع إصبعه في الهواء، ويبدو عليه عدم إدراكه لما يقول.
حتى أضعفهم يتم استدعاؤهم. حتى أولئك الذين لا يستطيعون حمل بندقية يمكنهم الخدمة.
ثم هناك الصور التي أرسلها لي مصدر سوداني. في إحداها، يظهر صبي مستلقياً داخل شاحنة عسكرية. حزام من الذخيرة الحية معلق حول رقبته؛ وسلاح ثقيل موضوع بجانبه.
يحدق في الكاميرا بنظرة جامدة فارغة – ليس خائفاً، ولا متحمساً. موجود فقط.
مشهد رابع
في مشهد آخر، يقف صف من الصبية في الصحراء، متلاصقين، يرتدون ملابس مموهة فضفاضة. يقف أمامهم ضابط يصرخ بالأوامر. يقفون جامدين، أعينهم مثبتة. هؤلاء أطفال يُعلَّمون كيف يقتلون.
في مكان آخر، يقف فتى مراهق وحيدًا، وبندقيته معلقة على كتفه كأنها وسام. يبتسم ابتسامة خفيفة. البندقية تجعله شيئًا لم يكن عليه من قبل. يبدو فخورًا، كما لو أنه الآن، أخيرًا، أصبح ذا قيمة.
ثم هناك شاحنة النقل. يجلس ثلاثة مقاتلين شباب في الخلف، وأرجلهم متدلية. يلوح خلفهم مدفع رشاش ثقيل. مراهقون على خطوط المواجهة في إبادة جماعية.
وفي السودان، يحقق هذا الأمر نجاحاً. إذ تستقطب القوات المسلحة السودانية وغيرها العديد من المجندين من خلال هذه الصور والفيديوهات.
في تلك اللحظات، تبدو الحرب خفيفة. تبدو وكأنها متعة. يخفي الضجيج والضحك الخطر. البندقية المرفوعة في الهواء لا تفوح منها رائحة الدم بعد.
لكن وراء هذه اللقطات تكمن نقاط التفتيش والكمائن والقصف المدفعي. يُرسل الصبية الذين يحملون السلاح إلى حيث يسقط الرجال.
سيُستخدم بعضهم كمقاتلين، وآخرون كعدائين ومراقبين وحمالين. جميعهم مُعرَّضون للموت. قليلون هم من ينجون.
القانون واضح: استخدام الأطفال في الحرب جريمة. يعلم جنرالات القوات المسلحة السودانية بذلك، لكنهم يتجاهلونه. الأدلة ليست مدفونة في التقارير أو الملفات، بل هي منشورة ومتاحة للجميع.
الحروب التي تتغذى على الأطفال لا تنتهي نهايةً سعيدة. لا تتوقف بمجرد توقف إطلاق النار. الصبي الذي يتعلم التصوير لا يعود إلى طفولته. الحرب تتغلغل فيه، تُشكّله، حتى تقتله.
لكن في الوقت الحالي، يصرخ الأولاد في الفيديو – وهم يرفعون بنادقهم عالياً – فرحا.
دبنقا
المصدر:
الراكوبة