آخر الأخبار

الطريق إلى مكة… أم إلى تركستان؟ قراءة في صناعة الازمات بالقضارف (١)

شارك

صالح عمار
تعاني القضارف ومناطق البطانة من أزمات وتحديات كبرى، يقاسي سكان الولاية آثارها في حياتهم اليومية، وإضافة إلى ذلك فإن لهذه الأزمات زوايا أخرى خفية تتابعها النخب والمتخصصون.
ولكن بدلاً من فتح نقاش جاد حول هذه القضايا بما يقود إلى حلول حقيقية، تظهر من حين لآخر أصوات شخصيات ومجموعات ساهمت في صناعة الأزمة، لتتصدر مشهد ادعاءات الحلول، والحلول التي تطرحها اليوم وكما كانت تفعل لسنوات باطنها وغايتها إثارة النزاع بين مكونات المجتمع، بدلاً من توحيده نحو السلام والتنمية ومواجهة السلطة المسؤولة عن صنع المشكلات، تماماً كما هي مسؤولة عن توفير الحلول.
وأنا على ثقة بأن قادة وحكماء القضارف يمتلكون من الوعي والقدرة ما يجعلهم في غنى عن إرشاد ذلك الحكيم الصوفي لتلميذه، حين قال ذات يوم: «إن الطريق الذي تسلكه ليُوصلك إلى مكة، سيُوصلك إلى تركستان»، وكانت تركستان أبعد بقعة جغرافية معروفة آنذاك عن مكة.
وفي اعتقادي أن الطريق الأصح والأقصر إلى مكة يتطلب أولاً الاتفاق على تعريف المشكلة — وهي هنا أزمة القضارف والبطانة — تمهيداً للبحث عن معالجات حقيقية.
وتعريف المشكلة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ، وقليل من الصبر على مراجعة ما كان يجري في الماضي البعيد والقريب سيساعدنا كثيراً على فهم أزمة الحاضر.
كانت المهنة السائدة في أغلب مناطق البطانة والقضارف حتى أربعينيات القرن الماضي هي الرعي، مع وجود زراعة موسمية محدودة. وبناءً على ذلك، فإن الغالبية من السكان القدامى هم من الرعاة، بكل ما يترتب على ذلك من ثقافة ونمط حياة يميزهم عن غيرهم. وكانت هذه المجموعات الرعوية صاحبة الحضور والملكية للأراضي غير المسجلة، أكثر من غيرها في الماضي، مع التأكيد على وجود مجموعات زراعية قديمة أيضاً، في مساحة أقل.
بدأ الإنجليز في أربعينيات القرن الماضي مشروع الزراعة المطرية الآلية، وتوسعوا فيه لتلبية احتياجاتهم. وزاد هذا التوسع بعد عام ١٩٥٣، مدفوعاً بعائدات الزراعة العالية آنذاك، والتي بدأت في التناقص منذ مطلع السبعينيات.
وكان من الأحداث المهمة في تلك المرحلة أيضاً تهجير النوبيين وتأسيس مشروع حلفا الزراعي عام 1964، الذي أُقيم بدوره على مساحات من الأراضي الرعوية في البطانة. فيما تسبب حجب خزان خشم القربة للمياه معظم شهور السنة في الحاق ضرر بالمناطق المطلة على نهر عطبرة شمال الخزان والتي كانت عامرة بالحياة وتحوي حواضر تاريخية اضطر معظم سكانها لهجرها.
كما أُزيلت مساحات شاسعة من الغابات التي كانت تغطي مناطق القضارف المختلفة بوضع اليد، ليُعاد تصديقها لاحقاً مشاريع زراعية، في مفارقة مثّلت مكافأة لمن ارتكب هذا الفعل، وعقاباً للرعاة ومساراتهم، و للبيئة عموماً.
كان الرعاة الضحية الأولى لهذا التوسع والسياسات الخاطئة الاخرى، دون أن توضع لهم معالجات حقيقية. وأصابهم ما يمكن تسميته بحالة «التوهان» أو «فقدان الهوية المهنية»، فلا هم استمروا في الرعي كما ورثوه عن أسلافهم، ولا استطاعوا التحول بنجاح إلى مهن أخرى. وقد ضعف العائد من مهنة الرعي نتيجة لتوسع الزراعة، و التآكل المستمر للمساحات الرعوية، وعدم تطوير المهنة أو توفير الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، إضافة إلى النظرة الدونية للمهنة في ظل صعود الزراعة و طبقة الأفندية في المدن.
اضطر كثير من الرعاة إلى محاولة تغيير مهنتهم إلى الزراعة أو التجارة، لكنهم في الغالب لم ينجحوا، واتجهوا إلى السكن في القرى والأحياء المحيطة بالمدن دون أن يتمكنوا من الاندماج الكامل فيها. وما حدث لرعاة القضارف يكاد يكون نسخة متطابقة لما حدث لرعاة البجا في ولايتي البحر الأحمر وكسلا، حيث استُخدمت أراضيهم في مشاريع زراعية وصناعية شغلت مساحات واسعة من أرضهم، فتحولوا في نهاية المطاف إلى وقود للصراعات السياسية والاجتماعية. وهو ذات الحال الذي نراه عند الرعاة في دارفور وكردفان.
وقد فتح إنشاء المشاريع الزراعية الباب أمام هجرات من مناطق السودان الأخرى، لتغطية الحاجة الماسة إلى العمالة ولغير ذلك، وهو ماسيزيد من الضغط على الموارد والخدمات التي لم يتم العمل على تطويرها.
قامت السلطة الاستعمارية، ومن بعدها الحكومات الوطنية، بتوزيع الأراضي وفق منظور غلب عليه منطق الربح وممارسات الفساد. فهدف الإدارة الاستعمارية كان تحقيق الربح، وكان السكان المدربون على الزراعة من وسط السودان الخيار الأفضل لتحقيق هذا الهدف. أما المسار الآخر لتوزيع الأراضي فكان الفساد، إذ جرى تمليك مساحات شاسعة للمقربين من السلطة المركزية في مناسبات وأسباب متعددة، بما في ذلك اعتبارها أحياناً مستحقات معاشية لكبار الموظفين.
ويمكن عدّ ذلك أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار مشكلة الفشقة حتى اليوم: أراضٍ مُلّكت لموظفين لا يعرفون عنها شيئاً، ولم يتابعوا ما يجري فيها، ولهذا قبلوا بمساومات الإيجار التي انتهت بسيطرة الأجانب عليها، ثم انتقلت الملكية لاحقاً إلى الأبناء والأحفاد الذين لا تربطهم أي علاقة بالأرض ويقيم اغلبهم في الخرطوم وخارج السودان، مافاقم المشكلة.
وبعد أن أضرت الحكومات المتعاقبة بالرعاة، وهم أول الضحايا، جاء الدور على الزراعة والمزارعين. طبقت هذه الحكومات — وخاصة سلطة الإنقاذ — حزمة متقنة من السياسات الخاطئة بل والتدميرية في بعض الاحيان تجاه المزارعين. وكانت النتيجة صناعة طبقة صغيرة من كبار ملاك الأراضي الذين يتعاملون مع المهنة بعقلية الريع، يحصلون على تمويل سنوي بملايين الدولارات من البنوك دون ضمانات عادلة وكل الامكانات الحكومية والقوانين في مصلحتهم، في مقابل طبقة واسعة من صغار المزارعين والعمال الزراعيين الذين يقضون أيامهم بين البنوك بحثاً عن مبالغ تمويل صغيرة، وبين النيابات والسجون بسبب عجزهم عن سداد هذا التمويل.
أما الأحداث الأخرى المرتبطة بسردية جذور المشكلة فهي متعددة. فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأت المشكلات الأمنية والتهديدات تتعاظم، عقب مغامرة علي عثمان ورفاقه بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، وهو ما منح نظام الرئيس الإثيوبي الأسبق مليس زيناوي مبرراً لإطلاق يد مزارعيه للاستيلاء على الأراضي. ومن مظاهر التوترات الأمنية الأخرى في تلك المرحلة التحاق مجموعات من العمال الزراعيين (الجنقو) بقوات التجمع الوطني الديمقراطي ومشاركتهم في الحرب الأهلية.
ولا يمكن تجاهل عامل آخر في سرديات جذور الأزمة التي نعيشها اليوم، وهو نشاط التعدين العشوائي في منطقة البطانة، الذي يمثل كارثة أخرى على مهنة الرعي وعموم الحياة. فبينما تستفيد قلة من السكان من عائدات الذهب لفترة قصيرة، يتم التعدين بطرق بدائية تعتمد على مواد سامة، وعلى حفر مساحات شاسعة بحثاً عن المعدن، لتذهب الفائدة في نهاية المطاف إلى شبكات التهريب وبعض الشخصيات المنتمية للنظام البائد، التي تؤجر الحفارات وتوفر المواد اللوجستية، وكل ذلك على حساب الحاضر والمستقبل.
والخلاصة التي يمكن الخروج بها أن السياسات الخاطئة التي بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي، وتطورت نوعياً خلال حكم الإنقاذ، كانت سبباً مباشراً في إخراج مجموعات مقدّرة من السكان من دائرة الإنتاج، وتدمير البيئة عبر قطع الغابات وتشجيع التعدين، وتسليم الزراعة إلى طبقة طفيلية صغيرة مدعومة من البنوك والسلطة، ما حوّل الزراعة إلى مهنة طاردة. وقد تزامن ذلك مع غياب المشاريع الانتاجية الاخرى وضعف فرص العمل وتردي خدمات الصحة والتعليم، وبمعنى آخر: خنق منافذ النشاط الاقتصادي، وتهيئة المناخ للنزاعات السياسية والاجتماعية التي نعيشها اليوم.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا