آخر الأخبار

عدالة الكيزان!

شارك

منعم سليمان

لم تعد مفارقة العدالة في خطاب سلطة الأمر الواقع ببورتسودان مجرد تناقض سياسي، بل صارت مسخرة وفضيحة أخلاقية مكتملة الأركان.

فالسلطة التي ترفع صوتها اليوم مطالبةً بإحالة قادة الدعم السريع إلى المحكمة الجنائية الدولية، هي ذاتها التي توفّر الحماية السياسية والأمنية لمتهمين بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي في دارفور، صدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية.

هنا لا نتحدث عن ازدواج معايير فحسب، بل عن عدالة مُفخخة أيديولوجيًا، تُدار من داخل عقلية كيزانية – عسكرية ترى في القانون الدولي أداة انتقام، لا منظومة محاسبة.

قيادة الجيش، التي تشكّل العمود الفقري لسلطة بورتسودان، لا تعارض المحكمة الجنائية من حيث المبدأ، بل من حيث الانتقائية: تقبل بها حين تُستخدم ضد الخصوم، وترفضها حين تقترب من رموزها أو من الإرث الدموي الذي ورثته عن النظام البائد.

إن مطالبة هذه السلطة بإحالة قادة من الدعم السريع إلى المحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الذي ترفض فيه – بل وتُحبط عمليًا – أي مسار لتسليم أولئك المطلوبين منذ عقدين من الزمان، تكشف بوضوح أن الحديث عن العدالة ليس سوى غطاء سياسي لحرب شرعنة السلطة.

فهؤلاء المتهمون لم يعودوا مجرد أشخاص، بل أصبحوا جزءًا من البنية العميقة للجيش، ومن شبكات الحماية التي نسجها الإسلاميون داخل المؤسسة العسكرية منذ تسعينيات القرن الماضي.

والأخطر أن هذا السلوك يعيد إنتاج منطق الإفلات من العقاب؛ وهو المنطق ذاته الذي دمّر دارفور، ثم تمدّد إلى بقية السودان، فأشعل هذه الحرب اللعينة التي تعيشها البلاد.

وحين تحمي الدولة القتلة، فهي لا تكتفي بإنكار العدالة، بل تعلن عداءها الصريح للضحايا، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن الدم يُقاس بالولاء السياسي، لا بحجم الجريمة.

إن سلطة بورتسودان، بقيادتها العسكرية الكيزانية، لا تطالب بالعدالة، بل تطالب بمحكمة مُسيّسة على مقاسها. وهي بذلك لا تواجه الدعم السريع أخلاقيًا، بل تنحدر إلى ما هو أدنى من انحطاطها الماثل، مستخدمة الخطاب الحقوقي كسلاح في حرب السلطة.

إن سلوك هذه السلطة الغاشمة تجاه المحكمة الجنائية الدولية هو الدليل على تورّطها وخوفها من العدالة، لا بحثاً عنها.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا