غيب الموت في العاصمة المصرية القاهرة، البروفيسور صلاح الدين الفاضل، أحد أبرز رموز الإعلام والإذاعة في السودان، بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من خمسة عقود.
ولد الراحل في أربعينيات القرن الماضي، وبدأ مشواره المهني الفعلي في الإذاعة السودانية في 21 سبتمبر عام 1968، حيث جاء إليها ضمن 66 موظفاً تم اختيارهم للعمل في الإذاعة والتلفزيون والمسرح. ومن المفارقات التاريخية في سيرته أنه دخل مبنى الإذاعة وهو طالب بكلية الفنون الجميلة يدرس فن الإعلان والتصميم والخط العربي، لكن لجنة الاختيار برئاسة الإذاعي الراحل محمد صالحين لمحت فيه موهبة مختلفة، فقرر صالحين توجيهه لتعلم فن الإخراج الإذاعي بدلاً من الفنون الجميلة.
تلقى البروفيسور صلاح الدين الفاضل تعليماً أكاديمياً رفيعاً ومتعدداً، فقد التحق في سبعينيات القرن الماضي بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح مبعوثاً متفرغاً من الإذاعة السودانية، وتخرج بتفوق في قسم الدراما (تخصص تمثيل وإخراج) بعد دراسة استمرت أربع سنوات، حيث شملت دراسته نظريات الدراما، وعلم الجمال، وعلم النفس، والتذوق الموسيقي.
لم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، فقد سافر في بعثات دراسية إلى القاهرة للالتحاق بمعهد الإذاعة العربي في عام 1970 وعام 1976، وواصل نهل العلم حتى نال أعلى المقامات الأكاديمية بحصوله على درجة الأستاذية (بروفيسور)، ليتفرغ بعدها للتدريس الجامعي في كليات الإعلام والصحافة، حيث تخرج على يديه مئات الطلاب.
في الجانب الإبداعي، يُعد الفاضل مدرسة علمية في الإخراج الإذاعي، حيث أخرج أكثر من 200 مسلسل إذاعي وحوالي 120 برنامجاً، وكان أول مخرج يستخدم الموسيقى التصويرية على أسس علمية في مسلسل “الحياة مهنتي”.
واشتهرت أعماله مثل “خطوبة سهير” و”حكاية نادية” بقدرتها على جعل المستمع يرى الشخصيات والبيئة من خلال الأذن فقط. وتقلد مناصب قيادية بارزة منها مدير الإذاعة القومية ومدير إذاعة البرنامج الثاني التي أسسها لتكون حاضنة للفكر والثقافة، كما عمل رئيساً لتحرير قسم الأخبار بالتلفزيون السوداني في التسعينيات، ونال تكريمات دولية رفيعة منها تكريم اتحاد إذاعات الدول العربية.
تميزت سنواته الأخيرة بالنشاط الأكاديمي والبحثي رغم التحديات الصحية التي واجهها في العين وأدت لسفره للعلاج في القاهرة. ترك الراحل إرثاً ضخماً في مكتبة الإذاعة الصوتية شمل مئات الأعمال الدرامية وعشرات البحوث والكتب والمقالات الرصينة في مجالات الإذاعة والتلفزيون والإعلام.
كما سيسجل التاريخ له ابتكاره لبرنامج المنوعات الرمضانية الحي الذي استمر في البث لثماني ساعات يومياً، وجهوده الاستراتيجية في الأرشفة الرقمية لحماية تاريخ السودان الصوتي، ليرحل تاركاً خلفه سيرة عطرة وإرثاً ثقافياً وفنياً سيظل محفوراً في وجدان الشعب السوداني.
التغيير
المصدر:
الراكوبة