بدأت العاصمة السودانية الخرطوم تنفض غبار الحرب التي شلت الحياة فيها، وسط ترقب لإعادة إعمار ما دمره الصراع، وبدء الحراك المرتقب في النشاط التجاري.
وعادت حكومة السودان إلى ممارسة نشاطها من ولاية الخرطوم، واختارت مواقع بديلة لمقار وزاراتها التي دُمرت بفعل الحرب، فيما بدأ رئيس الوزراء كامل إدريس ممارسة نشاطه بمقر بديل على الطريق المؤدي إلى ولاية الجزيرة، وأرجأت اللجنة العليا لإعادة الإعمار تأهيل منطقة وسط الخرطوم التي كانت تحتضن الوزارات والهيئات والشركات في السابق إلى وقت لاحق، بسبب الدمار الكبير الذي شهدته مقار الوزارات والمؤسسات بما فيها القصر الرئاسي ومجلس الوزراء.
وبدأت مختلف الوزارات والمؤسسات الخدمية والمالية في العودة تدريجياً لمباشرة أعمالها، ومن بينها بنك السودان المركزي الذي شرع في أداء مهامه بولاية الخرطوم بدءاً من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري؛ حيث افتتح نافذة له في مدينة أم درمان لمساعدة البنوك في عمليات السحب والإيداع النقدي وتغيير العملة وحماية المستهلك. وتعد هذه الخطوة هي الأولى من نوعها للبنك منذ اندلاع الحرب في منتصف إبريل/ نيسان 2023.
حياة شبه مستحيلة
يؤكد مواطنون في حديثهم لـ “العربي الجديد” أن الحياة تبدو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، بينما يرى آخرون أهمية أن تتحسب الحكومة في توفير فرص العمل عبر البحث عن تمويلات للمواطنين وتقديم مشروعات إنتاجية بغية تحسين الأوضاع، خاصة بعدما شهدت العاصمة استتباباً جزئياً للأمن، إلا أن ارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل للسكان يلقيان بظلال سالبة على مرحلة الإعمار.
سوق في جنوب الخرطوم، 24 مايو 2023 (فرانس برس)
اقتصاد عربي
تحذيرات من انهيار معيشي في السودان
وأطلق مواطنون نداءً إلى الحكومة بتسريع وتيرة العمل على توفير الخدمات الأساسية وتقديم تسهيلات للشركات ورجال الأعمال للعودة إلى مباشرة أعمالهم في الخرطوم بغية توفير فرص عمل للعاطلين، وقالوا إن انتشار العطالة يحد من عودة المواطنين، فيما تؤكد ولاية الخرطوم اكتمال صيانة 70% من المرافق الحيوية. وتعرضت البنية التحتية في الخرطوم لدمار كبير بسبب الحرب، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عمليات إعادة إعمارها قد تحتاج لما يزيد على 200 مليار دولار.
وجدد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة التزام حكومة الولاية بمواصلة العمل الميداني ومتابعة تنفيذ المشروعات الخدمية والتنموية، مشدداً خلال أحاديث إعلامية على أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب لتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وقال إن ولايته بذلت مجهوداً خلال الفترة الماضية بإعادة التيار الكهربائي إلى الخرطوم بنسبة تجاوزت الـ 80%، خاصة في المناطق المأهولة بالسكان في مدن الولاية الثلاث، كما تمت إعادة أكثر من 90% من خطوط وشبكات المياه.
وفي ما يتعلق بالمستشفيات، بدأت رحلة التعافي التدريجي نحو تقديم الخدمات بعد توقف لأكثر من عامين بسبب الحرب، ولكن المؤسسات الطبية في العاصمة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها توفير الطاقة الكهربائية، والضائقة المالية التي تمنعها من توفير مستحقات الأطباء بعد تراجع الدعم الحكومي.
وقدرت وزارة الصحة خسائر القطاع الصحي الحكومي والخاص في ولاية الخرطوم جراء الحرب بـ 12 مليار دولار، بعد تضرر 75% من المستشفيات العامة والخاصة، حيث توقف العديد منها عن العمل نتيجة القصف المباشر، وتحولت معظم المستشفيات إلى ثكنات عسكرية لقوات الدعم السريع التي سيطرت على الخرطوم منذ الأيام الأولى للحرب.
وأكدت اللجنة العليا لإعادة تأهيل الخرطوم أنها قدمت أكثر من 200 مليون دولار لإعادة تأهيل مستشفيات العاصمة الخرطوم، من بينها مستشفى ابن سينا.
ويقول مواطنون عائدون إلى الخرطوم لـ “العربي الجديد”: “نعلم أن الحياة لن تكون سهلة في ظل انعدام ونقص في التيار الكهربائي والمياه وقلة فرص العمل” ولكنهم يرون أن العيش في منازلهم أفضل من العيش نزوحاً، ويطالب هؤلاء السلطات المختصة بتسريع عودة الخدمات الأساسية ومراعاة ظروف الأسر التي باتت لا تملك شيئاً وأصاب الخراب والدمار منازلها، حيث تواجه الأسر ارتفاعاً كبيراً في أسعار مواد البناء لإعادة تأهيل ما دمرته الحرب.
وتعهد وزير التنمية الاجتماعية بالخرطوم صديق فريني بتوفير سلال غذائية للعائدين، رغم أعدادهم الهائلة، وبعودة الخدمات تدريجياً لتخفيف معاناة المواطنين.
ركود غير مسبوق
وظلت الأزمة المعيشية حاضرة بالخرطوم حيث يشتكي السكان من غلاء أسعار السلع الاستهلاكية وارتفاع فاتورة الخدمات الأساسية وتعرفة المواصلات العامة ونقص في الأعمال.
يقول المواطن محمد إسماعيل لـ “العربي الجديد”: “رغم وفرة السلع إلا أن أسعارها مرتفعة لن يستطيع غالب المواطنين تناولها نتيجة لانحصار الأعمال في النشاط التجاري فقط دون غيره”.
البنك المركزي السوداني، 12 أكتوبر 2017 (Getty)
خبراء يشككون بخطة المركزي السوداني
يضيف: “حتى الآن لم تعد الأسواق كالسابق وانخفضت وتيرة إمدادات الأسواق بالسلع المختلفة، كما أن إغلاق الطرق أمام السلع الواردة من غرب السودان أدى إلى انعدامها في الأسواق وارتفاع أسعارها”، ويتابع: “تعتمد غالبية تجارة السلع الواردة والصادرة على التهريب نتيجة لاستمرار الحرب غرب السودان التي كانت تعتبر أحد محركات الحراك الاقتصادي والتجاري في الخرطوم”.
أما التاجر إسماعيل بابكر فيرى في حديثه لـ “العربي الجديد” أن الأسواق بولاية الخرطوم تشهد ركوداً غير مسبوق وارتفاعاً في الإيجارات التي حدت من النشاط، ويقول: “لن يعود النشاط التجاري إلى ما كان عليه، ما لم تتوقف الحرب غرب السودان”، ويضيف أن 80% من النشاط مرتبط بصورة أساسية بغرب السودان، في السابق كنا نصدر أكثر من 500 شاحنة سلع يومياً إلى ولايات دارفور وكردفان لوحدها ما يخلق نشاطاً تجارياً وتسويقاً كبيراً، والآن توقف النشاط سواء بسبب الحرب أو بقرارات الحكومة منع الشاحنات إمداد تلك الولايات بالسلع والبضائع”.
وفي ما يتعلق بالمصانع، يقول أبو بكر ياسين صاحب مصنع لـ “العربي الجديد” إن الشركات تعاني من الرسوم العالية التي تفرضها الولاية في ظل عدم وجود تسويق للمنتجات واعتماد الشركات على الجهد الذاتي في توفير الكهرباء والمياه والخدمات الأخرى، ويضيف: “ما لم تعفِ الحكومة المصانع والشركات من الرسوم والضرائب لن تستطيع مواصلة عملها خاصة وأن جميع المصانع العاملة بولاية الخرطوم دُمرت تدميراً كاملاً، وحتى الآن الحكومة لم تقدم أي خدمات أو دعم لإعادة تأهيل خطوط الإنتاج أو حتى إعفاءات ضريبية”.
ويتوقع اقتصاديون أن تنعكس الجهود التي تبذلها الحكومة في إعادة ما دمرته الحرب في ولاية الخرطوم إيجاباً على المواطنين خلال فترة ثلاثة أشهر، بعد عودة الحكومة وسحب كل النشاط العسكري من داخل الولاية وانتشار الشرطة في كل شوارعها إعلاناً برجوع الأمن والحياة المدنية.
كهرباء السودان (إبراهيم حامد/فرانس برس)
اقتصاد عربي
كهرباء السودان…محاولات إصلاح بعد فقدان 70% من القدرة الإنتاجية
ويقول الاقتصادي الفاتح عثمان لـ “العربي الجديد”: “نلاحظ انتظام حملة واسعة لتركيب محولات الكهرباء ومراجعة الشبكات للتأكد من عودة خدمات الكهرباء والمياه لكل أحياء الولاية”، ويعتبر أن الخطوة ستكلل بالنجاح وتعود الحياة إلى طبيعتها، أما بقية الخدمات فسترافق العودة الكلية للسكان إلى منازلهم والمساهمة في إعادة الإعمار التي بدأتها الحكومة واللجنة العليا لإعادة تأهيل الخرطوم.
أما المحلل الاقتصادي هيثم فتحي فيقول إن الدمار الذي لحق بالعديد من البنى التحتية وغيرها من المرافق الحيوية يجعل العودة لولاية الخرطوم تتوقف على إعادة الإعمار وإنها تحتاج إلى مدى زمني ليس بالقصير، حتى يتم توفير مصادر هذه الأموال في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، لذلك لا بد من تبني سياسات لإعادة الإعمار بشكل يُحقق الاستقرار المعيشي، كذلك يُشكل تحقيق الاستقرار الاقتصادي عاملاً أساسياً للنمو، كانخفاض معدلات التضخم ومعدلات البطالة، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، والحصول على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة.
ويضيف فتحي لـ “العربي الجديد” أن التحدي الأكبر الذي يواجه غالبية العائدين الذين فقدوا كل شيء في الحرب، هو تأمين مصدر دخل كاف، لذا لا بد من بناء الأسواق، ودعم سبل العيش عبر الوظائف الحكومية والخاصة، ويضيف: “عودة الحكومة الانتقالية لمقر عملها بالعاصمة الخرطوم تحكمها عوامل عدة تتعلق بالسكن والخدمات واستقرار الوضع المعيشي والأمني، وقيام الحكومة بمعالجة الانقطاع المستمر في الكهرباء والمياه، بوصفها احتياجات أساسية يومية للموظفين في مقار عملهم وسكنهم بأحياء العاصمة الخرطوم”. ويقول: “في تقديري، عملية إعادة الإعمار للعاصمة والمقار الحكومية تحتاج إلى دعم خارجي كبير يفسح المجال للشركات وأصحاب رؤوس الأموال بدخول السوق السودانية، وبدء مرحلة جديدة في بناء عاصمة أنهكتها الحرب”.
ولكن أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية محمد الناير يقول: “صحيح هنالك تحديات كبيرة تواجه انتقال الحكومة إلى العمل من العاصمة الخرطوم، لكن وجودها كفيل بالمساهمة في معالجة الكثير من القضايا المتعلقة بالخدمات وتهيئة البيئة المطلوبة لإعادة إحياء الاقتصاد”، ويضيف: “كل تلك الإجراءات سوف تكتمل مع وجود الحكومة نفسها في العاصمة، خاصة انتظام الكهرباء والمياه والصحة وفوق كل ذلك الأمن والاستقرار”، ويعتبر أن عودة الحكومة فرصة كبيرة لبدء مشاريع محاربة الفقر عبر المؤسسات المختلفة مثل ديوان الزكاة وفرص التمويل الأصغر، وتوجيه المشاريع والبرامج لتخفيف أعباء المعيشة وتغطية مجال الطاقة النظيفة والمشروعات الإنتاجية المختلفة.
العربي الجديد
المصدر:
الراكوبة