قال سكان في مدينة الأُبيّض بوسط السودان إن المدينة ومناطق على مشارفها تعرضت لهجمات مكثفة بطائرات مسيرة مع اقتراب الحرب الأهلية المدمرة في البلاد من المدينة التي يسيطر عليها الجيش، مما تسبب في سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين في واقعتين على الأقل.
وتعد الأبيض واحدة من أهم المدن السودانية وعاصمة ولاية شمال كردفان، وهي جزء من إقليم كردفان الأوسع الذي يقع بين معقل قوات الدعم السريع في دارفور والنصف الشرقي من البلاد الذي يسيطر عليه الجيش.
وقال السكان إنه بعد أن أحكمت قوات الدعم السريع شبه العسكرية قبضتها على دارفور بغرب البلاد في أواخر أكتوبر تشرين الأول، حولت تركيزها إلى كردفان وصارت تقصف الأُبيض ومحيطها بالطائرات المسيرة أسبوعيا.
وأضافوا أنه في غضون ذلك بدأت قوات برية تابعة للقوات شبه العسكرية في السيطرة على بلدات وقرى في أنحاء إقليم كردفان كما حاصرت مدنا بولاية جنوب كردفان.
ولم تقترب القوات بعد من مدينة الأبيض التي استمرت الحياة اليومية فيها رغم الخطر المحدق ونزوح جماعي في أواخر العام الماضي مع اشتداد الحرب.
ويتمركز الجيش والقوات المتحالفة معه على مشارف المدينة.
اندلعت الحرب في السودان في أبريل نيسان 2023 بعد أن اشتبك الجيش وقوات الدعم السريع على إثر خلاف حول دورهما في عملية الانتقال السياسي المخطط لها. ودفعت الحرب نحو نصف السكان إلى الجوع والمجاعة ودمرت اقتصاد البلاد. وصارت الطائرات المسيرة تلعب دورا مهيمنا بشكل متزايد إذ تستخدمها قوات الدعم السريع على وجه الخصوص لتقليص الهيمنة الجوية للجيش.
ومن الصعب تقدير إجمالي الوفيات الناجمة عن الصراع، على الرغم من أن الباحثين يقولون إن عشرات الآلاف على الأقل قتلوا.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قتل أكثر من 100 مدني في النصف الأول من ديسمبر كانون الأول في أنحاء إقليم كردفان.
وفي الأبيض، تظهر صور الأقمار الصناعية من مختبر ييل للأبحاث الإنسانية آثارا جديدة تدل على دفن نحو 100 في مقبرتين في الأسبوعين بين الثاني و14 يناير كانون الثاني.
وتظهر الصور أيضا أدلة على قصف محطة الكهرباء في المدينة، إضافة إلى بناء سواتر ترابية حولها فيما قد يشكل دفاعا ضد حصار محتمل من قوات الدعم السريع في المستقبل.
وفي منطقة الأُبيض أيضا، يقول سكان إن أسوأ الوقائع حدثت في الخامس من نوفمبر تشرين الثاني في قرية اللويب.
كان العشرات تجمعوا للمشاركة في جنازة عندما مرت سيارة إسعاف تابعة للقوات المشتركة الموالية للجيش، وبعد فترة وجيزة تبعتها طائرة مسيرة.
ووفقا لأربعة من سكان اللويب تحدثوا إلى رويترز، أطلقت الطائرة المسيرة، التي يعتقد السكان أن قوات الدعم السريع هي التي كانت تتحكم فيها، النار على حشد مرتبط بالجنازة، مما أسفر عن مقتل 65 شخصا، جميعهم من النساء والأطفال.
وتعيد الواقعة إلى الأذهان هجمات وثقتها رويترز في الفاشر بدارفور بالقرب من سيارات إسعاف وعيادات أو تستهدفها مباشرة، إذ تزعم قوات الدعم السريع أنها تؤوي قوات معادية.
إحدى الشهود، واسمها صفاء حسن، كانت تعاني من آثار حروق على ذراعيها وشظايا في ساقها، وقالت لرويترز “بس قاعدين كده بدون ما نشعر يعني، جت المسيرة ضربتنا. طلعت بره وقلت أنا حاسة في شي ضربنا… مسكتني البنت وقالت دي مسيرة وقعت.. كان الحوش مليان نسوان.. نسوان كتار شديد”.
وقال سكان لرويترز إن الجثث، وبعضها ممزق بسبب الانفجار، دُفنت في وقت لاحق في مقبرة جماعية.
ولم يتسن لرويترز التحقق من الروايات على نحو مستقل. ولم ترد قوات الدعم السريع على طلب التعليق.
“أولاد تحت الحجارة”
في أوائل يناير كانون الثاني، قتلت غارة بطائرة مسيرة زوجة عبد الله محمد أحمد وسبعة من أحفاده واثنتين من أقربائه عندما أصابت منزلا في الأبيض استأجروه بعد فرارهم من قريتهم إثر هجوم قوات الدعم السريع.
ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، كانت عائلة عبدالله من بين 43 ألف شخص فروا من منازلهم في شمال كردفان وحوالي 65 ألف شخص فروا من المنطقة عموما في الفترة من أواخر أكتوبر تشرين الأول إلى 31 ديسمبر كانون الأول.
وقال موسى آدم، أحد الجيران الذين كانوا موجودين وقت الهجوم “المسيرة دكت المبنى… لما جينا، لا حول ولا قوة، لقينا الأولاد تحت الحجار وتحت الحديد وتحت العناجريب (الأسرة).. الأولاد حالتهم حالة ما يعلم بها إلا رب العالمين”.
وأضاف “ده كله من نظام المليشيات لما خلاص غلبوا في الهدف إللي جايين له، بقوا شنو، يقتلوا المواطنين ويرعبوا المواطنين”.
وأكدت صور رصدها باحثو جامعة ييل استهداف المنزل.