كل ما أرادته مريم هو الهرب من قذائف الحرب القاتلة بالنزوح من منطقة سوق أبو قرون في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان إلى مخيم الدبة بالولاية الشمالية (شمال).
لكن طريق النزوح بدأ ببتر ساق، وشهد جرائم إذلال وتعذيب واغتصاب أمام أعين أطفال، ارتكبتها قوات “الدعم السريع”، التي تقاتل الجيش منذ أبريل/ نيسان 2023.
تروي مريم (اسم مستعار) تفاصيل نزوحها المرير قائلة: “غادرت المدينة (الفاشر) برفقة أخي، الذي أُصيب بقذيفة في سوق أبو قرون، ما أدى إلى بتر إحدى ساقيه”.
وتضيف: “غادرنا بعد أن ساءت حالته في المستشفى، بسبب انعدام الأكل والعلاج لفترة من الزمن”.
“وصلنا أولا إلى (قرية) حلة شيخ (في محيط الفاشر) بصعوبة، فقد كنا نسير على أقدامنا وأخي برجل واحدة، ومعانا أطفالي وزوجة أخي وأطفاله”، كما تتابع.
وتواصل مريم: “لم نجد أي سيارة تقلنا إلى قرية قرنة (بمحيط الفاشر)، وبعد 3 ساعات من المشي، التقينا بأحد الأشخاص ومعه حمار”.
وتكمل: “طلبنا منه المساعدة لينقل أخي على حماره، وافق أن يوصلنا إلى حدود قرنة فقط، لأن قوات الدعم السريع تمنعهم من نقل (أي) أحد”.
استجواب ومعاناة
“لما اقتربنا من ارتكاز “الدعم السريع” بعد مسير 6 ساعات، أنزلنا أخي عن الحمار وسرنا بأقدامنا لمسافة حتى مدخل قرنة، وقد وصلناها منهكين ونفد منا الماء”، بحسب مريم.
قليلا تصمت مريم لتتنهد ثم تواصل الحكي: “في قرنة تم استجوابنا من قبل عناصر الدعم السريع، وركزوا مع أخي كانوا يقولون له: إنك عسكري بالجيش”.
وتضيف: “تدخلت وأخبرتهم أننا مواطنون، وأنا أيضا مصابة كأخي برائش قذيفة وكشفت عن موضع إصابتي، وحينها كانت حالة أخي قد تدهورت وحدث له هبوط، فقاموا بإسعافه وأعطوه محاليل وريدية”.
“بعد أن استقرت حالته، أركبونا في جرارات ومعنا آخرون. لم نكن نعلم إلى أين نحن ذاهبون، وبعد مدة توقفت الجرارات ونزل بعض الركاب، عندها علمت أن هذه هي منطقة كُرْمة (بمحيط الفاشر)”، وفقا لمريم.
الجميع عراة
“حينها سألت إلى أين نحن متجهون؟ فقالوا إلى مدينة كبكابية بشمال دارفور، وسارت الجرارات لمسافة”، كما تقول مريم.
وتستدرك: “بعدها توقفت الجرارات، بعد أن اعترضت طريقها 7 سيارات عسكرية لقوات الدعم السريع، وتم إنزال جميع الركاب”.
وتوضح: “أوقفونا في صف واحد رجالا ونساء، وأمرونا بخلع ملابسنا ومَن يرفض يتعرض للضرب بعقب البنادق، ويُجبر على خلع ملابسه”.
بحزن وخجل تضيف: “هكذا أصبحنا جميعا عراة، وأمروا الرجال بأن لا يطأطئوا رؤوسهم وأن تظل مرفوعة إلى الأمام”، في إشارة إلى إجبارهم على النظر إلى بقية العراة.
وتضيف: “بدأوا ضرب أخي المصاب ضربا عنيفا، لم أستحمل ذلك ركضت نحوه، وبدأت أحمي أخي وأتلقى بعض الضربات بدلا عنه، اعتدوا عليه حتى في رجله المبتورة، فنزف الجرح”.
بكل أسى في صوتها تزيد: “كل هذا حدث أمام الأطفال وهم يرون أهلهم عرايا”.
قتل واغتصاب
“أمر العساكر 4 بنات (فتيات) كانت صحتهن جيدة من ركاب الجرار بالخروج من الصف، وأن يركبن إحدى سياراتهم وأن يتغطين بثوب واحد (الثوب السوداني الزي القومي للنساء)”، كما تروي مريم.
وتستدرك: “إحدى الفتيات الأربع، كانت برفقة أمها وأخيها، الذي بدأ يتحدث مع العساكر، فأطلقوا عليه 6 رصاصات ومات في الحال”.
وتتابع: “لم تتحمل أمه المنظر وأخذت تصيح وهي تبكي (ولدي.. بناتي)، قاموا بضربها بقعر السلاح على رأسها، فسقطت وهي تنزف”.
تبكي مريم وهي تضيف: “توجه أحدهم نحوي وأمسك بيدي وأخذ يشدني بعيدا من الناس لمسافة”.
وتكمل: “ذهب بي خلف شجرة، حاول الاعتداء عليَّ، قاومته فركلني وسقطت على الأرض، خُلعت يدي وحصل لي دوار في الرأس، وبعدها اعتدى عليَّ (اغتصبني)”.
“عندما أفقت وجدت إحدى النساء التي كانت معانا في الجرار يتناوب عليها 2 من العسكر، وطفلها ذو الـ13 عاما يحاول أن يمنعهم، لكنهم ضربوه فسقط أرضا، وأكملوا فعلتهم”، كما تتابع مريم.
وتضيف: “من مكاني رأيت سيارات عسكرية أخرى وصلت إلينا، وبدأت تسأل المجموعة التي أوقفتنا واعتدت علينا: ماذا تريدون من هؤلاء الناس؟ وأمرتهم بأن يتركونا نذهب”.
وتزيد: “بالفعل تركونا نركب الجرار مرة أخرى، لكن دون الـ4 بنات، فقد أخذوهن معهم”.
تزييف للحقيقة
“وصلنا مدينة كبكابية (بشمال دارفور تبعد نحو 150 كلم من الفاشر)، وبدأنا نبحث عن سيارة تقلنا، ومنحني سائق الجرار بعض المال حتى أصل المستشفى، مساعدةً منه لي ولأخي المصاب”، كما تقول مريم.
وتضيف: “عندما وصلنا المستشفى طلبوا منا أن نفتح بلاغا، فذهبنا لفتح بلاغ”.
لكن “عندما قلنا لهم إن قوات الدعم السريع اعتدت علينا، انفعل الشخص المسؤول وغضب وقال: ما عندنا أحد من الدعم سريع يعتدي على مواطن، نحن شغالين لأجل المواطن”، كما تزيد.
وتتابع: “طلب منا أن نغير أقوالنا بأن عناصر الجيش والحركات المسلحة اعتدوا علينا، وبالفعل قلت ذلك”.
“تقرر إجراء عملية (جراحية) لأخي، وأنا في المستشفى بدأت أكح وسقطت مغشية، وتم الكشف عليَّ وعملت صورة أشعة وظهر لدي نزيف ومياه في أحد جانبي بطني”، بحسب مريم.
وتزيد: “تقرر إجراء عملية، لكني قلت للدكتور: لا أستطيع أن أعمل عملية، فأنا مرافقة لأخي ومعي أطفال، فإذا أجريت العملية مَن سيقف معهم؟”.
وتكمل: “منحني الدكتور مسكنات وعلاجات استخدمها حتى اليوم وإلى وقت إجراء العملية لاحقا”.
وتضيف: “بقينا في المستشفى 12 يوما، وبعدها غادرنا كبكابية إلى أم بادر بولاية شمال كردفان (جنوب)، بعد أن منحني أحد حراس المستشفى أموالا لنسافر وساعدني كثيرا”.
و”من هناك وصلنا إلى المخيم في الدبة في رحلة استمرت 5 أيام”، كما تختم مريم سرد رحلة نزوح لن تغادر ذاكرتها أبدا.
وعادة ما تنفي قوات “الدعم السريع” ارتكابها جرائم بحق المدنيين، وتعتبر ما يحدث حالات فردية.
أدلة على اغتصاب
وثمة توثيق واسع محلي ودولي لجرائم اغتصاب ارتكبتها قوات “الدعم السريع”.
ففي 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قالت شبكة أطباء السودان (أهلية) إنها وثقت تعرض 19 سودانية للاغتصاب أثناء نزوحهن من الفاشر إلى مدينة الدبة.
وسبق أن أفادت، في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بأنها وثقت 32 حالة اغتصاب لفتيات بالفاشر نزحن إلى مخيم طويلة بشمال دارفور، منذ اجتياح “الدعم السريع” المنطقة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وفي 11 نوفمبر الماضي، نددت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في بيان، بـ”جرائم قوات الدعم السريع”، مشددة على أنها تستخدم الاغتصاب “عمدا وبشكل ممنهج”.
وأعلنت المحكمة الجنائية الدولية في 3 نوفمبر الماضي أنها تجمع أدلة على أعمال قتل جماعي واغتصاب، بعد أن فرضت قوات “الدعم السريع” سيطرتها على مدينة الفاشر.
وفي 26 أكتوبر الماضي، استولت قوات “الدعم السريع” على الفاشر، وارتكبت مجازر في حق مدنيين، بحسب ما أفادت منظمات محلية ودولية، وسط تحذيرات من تكريس تقسيم جغرافي للسودان.
ووسط هذه الفظائع، أقر قائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي” في 29 أكتوبر الماضي بحدوث ما سماها مجرد “تجاوزات” من قواته في الفاشر، مدعيا تشكيل لجان تحقيق.
وتحتل قوات الدعم السريع كل مراكز ولايات دارفور الخمس غربا من أصل 18 ولاية بعموم البلاد، بينما يسيطر الجيش على أغلب مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، وبينها العاصمة الخرطوم.
ويشكل إقليم دارفور نحو خمس مساحة السودان التي تتجاوز مليونا و800 ألف كيلومتر مربع، غير أن معظم السودانيين البالغ عددهم 50 مليونا يسكنون في مناطق سيطرة الجيش.
وتحارب قوات “الدعم السريع” الجيش بسبب خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ما تسبب في مجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، ومقتل عشرات آلاف السودانيين ونزوح نحو 13 مليونا.
(الأناضول)
المصدر:
الراكوبة