آخر الأخبار

هل تزيد وساطة ترمب الزخم حول أزمة سد النهضة؟

شارك

ملخص

تنطلق وساطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أزمة “سد النهضة” من كونها هل تشكل أفقاً لتسوية طويلة الأمد تعيد ضبط العلاقات بين دول الحوض؟ أم تمثل لحظة فاصلة لإعادة موضعة القوة والنفوذ حول نهر ظل، عبر القرون، حاضناً للحياة ومسرحاً للتنافس في آنٍ واحدٍ؟

إثيوبيا تدير واقعاً مكتملاً، ومصر تفاوض على مستقبل وجودي، والسودان يبحث عن مظلة استقرار، وبين هذه المقاربات، يتحول النيل من مجرى مائي إلى مسرح صامت لصراع الإرادات، حيث تقاس الوساطة بقدرتها على التعامل مع السياسة قبل التنمية، ومع التوازن قبل التدفق.

يندرج عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف الوساطة الأميركية في أزمة مياه النيل ضمن سياق إعادة تشكيل الحضور الأميركي في ملفات الموارد العابرة للحدود، بما يحمله من إشارات مركبة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتحديث أدوات التأثير، واستدعاء أدوار تقليدية في بيئة إقليمية متحولة. فالأزمة، بما تختزنه من تاريخ طويل للتنافس على المياه والسيادة والتنمية، تفتح نافذة لفهم أعمق لتحولات النظام الإقليمي، حيث تتجاور اعتبارات الأمن المائي مع حسابات النفوذ، ويتقاطع القانون الدولي مع موازين القوة، وتعاد صياغة موقع النيل كأحد المفاتيح الصامتة في هندسة الاستقرار والصراع معاً.

رسالة ترمب إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بما حملته من لغة تطمين وتحذير ضمني، أعادت تعريف الأزمة باعتبارها مسألة أمن إقليمي ممتد، لا شأناً محصوراً بين دول المنبع والمصب. فالنيل، في هذا التصور، ليس مجرد شريان حياة لمصر والسودان، ولا مشروع تنموي لإثيوبيا، بل تتشابك مع مسيرته الطويلة قضايا السيادة مع الاستقرار، والتنمية مع الردع، والقانون الدولي مع موازين القوة الفعلية. من هنا، يتجاوز عرض الوساطة منطق “إدارة النزاع” إلى محاولة صياغة إطار ضابط لتوزيع النفوذ في حوض النيل، تحت مظلة دور أميركي يستعيد وظيفة الضامن والمنسق والمراقب.

مع بدء بناء السد فعلياً انطلقت أولى محاولات الاحتواء عبر مسار ثلاثي رعته مصر والسودان وإثيوبيا (غيتي)

يتحرك هذا العرض في زمن عالمي مثقل بالاضطراب، حيث يرزح الشرق الأوسط تحت ظلال ما بعد حرب غزة، وتندفع أفريقيا إلى قلب تنافس دولي متسارع مع تمدد صيني وروسي متنام، بينما يتشكل النظام الدولي من جديد على إيقاع صراعات الطاقة والممرات الاستراتيجية. ضمن هذا المشهد المركب، تبرز أزمة سد النهضة بوصفها نقطة ارتكاز لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية، ومساحة اختبار لقدرة واشنطن على ترسيخ حضورها في ملف تتشابك فيه اعتبارات الأمن مع رهانات التنمية. هنا، تكتسب الوساطة بعداً يتجاوز وظيفتها الدبلوماسية المباشرة، لتغدو أداة تأثير ناعم تمارس أثراً صلباً في إعادة رسم خرائط النفوذ حول أحد أكثر الموارد حساسية في الإقليم.

تأتي مبادرة ترمب ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة الدور الأميركي في أفريقيا بوصفها فضاءً استراتيجياً متقدماً، وضمن تحول لافت في إدراك الأمن المائي باعتباره ركناً بنيوياً من منظومة الأمن القومي. ينطلق هذا الطرح من تفكيك طبقات الأزمة السياسية والاستراتيجية والدبلوماسية، للكشف عن طبيعة الوساطة الأميركية، هل تشكل أفقاً لتسوية طويلة الأمد تعيد ضبط العلاقات بين دول الحوض، أم تمثل لحظة فاصلة لإعادة موضعة القوة والنفوذ حول نهر ظل، عبر القرون، حاضناً للحياة ومسرحاً للتنافس في آنٍ واحدٍ.

وساطة مُلتبسة

مر نزاع مياه النيل، منذ تحوله إلى أزمة سياسية مكتملة الأركان مع إعلان مشروع سد النهضة عام 2011، عبر مسارات متعددة من الوساطات، تراوحت ما بين الإقليمية والدولية، غير أن الحضور الأميركي ظل الأكثر بروزاً. فقد سبقت واشنطن غيرها تاريخياً، حين أنجز مكتب الاستصلاح الأميركي دراسات النيل الأزرق بين عامي 1956 و1964، واضعاً أسساً فنية بعيدة المدى لمشروعات التحكم في المياه، وهو إرث ظل حاضراً في خلفية النزاع لاحقاً.

تأتي مبادرة ترمب ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة الدور الأميركي في أفريقيا بوصفها فضاءً استراتيجياً متقدماً (غيتي)

مع بدء بناء السد فعلياً، انطلقت أولى محاولات الاحتواء عبر مسار ثلاثي رعته مصر والسودان وإثيوبيا، توج بتوقيع إعلان مبادئ الخرطوم في مارس (آذار) عام 2015، من دون وساطة دولية مباشرة، لكنه افتقر إلى آليات تنفيذية واضحة. لاحقاً، شهد عام 2018 دوراً محدوداً للبنك الدولي بوصفه مراقباً تقنياً، قبل أن تتعثر مساهمته أمام حساسية الملف السيادي. وفي عام 2020، انتقل ثقل الوساطة إلى الاتحاد الأفريقي برعاية جنوب أفريقيا، ثم الكونغو الديمقراطية، فالسودان، في جولات امتدت بين عامي 2020 و2022، عكست محاولات أفريقية في إدارة الحوار من دون أن تترجم إلى اختراق جوهري.

في هذا السياق، برزت الوساطة الأميركية بوصفها الأكثر كثافة زمنياً وتأثيراً سياسياً. وتجلى ذلك بوضوح في التدخل الأميركي خلال ولاية ترمب الأولى، حين دخلت واشنطن على خط الأزمة استجابة لطلب مصري مباشر في أواخر عام 2019، في لحظة تزامنت مع تسارع بناء سد النهضة وتحول المشروع إلى أمر واقع هندسي وسيادي. دعا ترمب ووزير خزانته آنذاك ستيفن منوشين وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا إلى واشنطن، بمشاركة البنك الدولي، في مسار جرى تقديمه باعتباره إطاراً فنياً محايداً قادراً على تضييق هوة الخلاف، غير أن المفاوضات، التي امتدت على مدى جلسات متلاحقة، انزلقت سريعاً إلى تفاصيل تقنية معزولة عن السياق السياسي الأوسع، حيث انصرفت النقاشات إلى تعريفات الجفاف ومعايير قياس الأثر، من دون صياغة مرجعية ملزمة لإدارة النهر بوصفه منظومة مشتركة.

برزت الوساطة الأميركية بوصفها الأكثر كثافة زمنياً وتأثيراً سياسياً (غيتي)

أسهم الغموض الذي شاب الصياغات الأميركية في تعميق التباينات. فقد أدرجت عبارات فضفاضة في البيانات الختامية، أتاحت قراءات متعارضة حول سلطة اتخاذ القرار في ملء وتشغيل السد. هذا الالتباس القانوني حول الوساطة من منصة تقريب إلى ساحة تأويل متنازع، ورسخ انعدام الثقة بين القاهرة وأديس أبابا. ومع مطلع عام 2020، دخلت العملية مرحلة أكثر حساسية مع طرح مسودة اتفاق في واشنطن قدمت باعتبارها شبه نهائية، مما أضفى على الدور الأميركي طابع الطرف الضاغط بدل الراعي المتوازن. وأدى هذا التحول إلى تعميق الشكوك الإثيوبية، وتصلب المواقف المصرية، وتآكل الثقة في حياد الرعاية الأميركية.

جوهر التوازنات

يتجاوز الصراع حول مياه النيل حدود السد ذاته، ليعكس صداماً أعمق بين منظومات تحالفية آخذة في التشكل، إذ بات المشروع الإثيوبي مرآة لتحولات ميزان القوة أكثر من كونه منشأة تنموية. فالدعم الصيني لسد النهضة، مالياً وتقنياً، جاء ثمرة مقاربة براغماتية دقيقة تنظر إلى القرن الأفريقي بوصفه فضاءً للاستثمار طويل الأمد وبوابة نفوذ هادئة. بكين، التي تحافظ على علاقات مستقرة مع القاهرة والخرطوم، اختارت تعزيز حضورها في إثيوبيا انطلاقاً من حسابات الطاقة والبنية التحتية وربط الأسواق، من دون تحميل هذا الخيار أبعاداً أيديولوجية أو اصطفافات صلبة، مكتفية بتحويل التمويل والتكنولوجيا إلى أدوات نفوذ صامت.

في المقابل، تبلورت لدى واشنطن قراءة مختلفة، أقل هدوءاً وأكثر قلقاً. فسنوات من التعاطي المتراخي مع أزمة سد النهضة رافقتها مراقبة حذرة لتداعياتها، إلى أن بدأ المشهد الإقليمي يشهد تقارباً غير مألوف بين قوى قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. لم تعد القاهرة تتحرك منفردة داخل هذا الملف، بل أخذت تنسج شبكة تنسيق تمتد من أنقرة إلى الرياض، وتصل إلى إسلام آباد، ضمن تصور يربط الأمن المائي بالأمن البحري وبممرات التجارة والطاقة.

هذا التحول أصاب جوهر التوازنات التي حكمت البحر الأحمر والقرن الأفريقي عقوداً. فالممرات البحرية، التي شكلت ركيزة التخطيط الاستراتيجي الأميركي والإسرائيلي، دخلت مرحلة سيولة متزايدة، مع تصاعد التنسيق العسكري والبحري بين قوى إقليمية تمتلك ثقلاً ديموغرافياً وعسكرياً ونووياً. هذا المشهد أعاد صياغة موقع سد النهضة من ملف فني قابل للتفاوض إلى نقطة ضغط ضمن منظومة أوسع، حيث تتقاطع أهمية النيل مع أمن البحر الأحمر، ويتصل السودان بالقرن الأفريقي، وتتشابك المصالح البرية والبحرية في ساحة واحدة.

ضمن هذا السياق، جاء التحرك الأميركي متأخراً زمنياً، لكنه مكثف دلالياً. عرض الوساطة يعكس سعياً لإدارة هذا التحول أكثر من كونه محاولة تقنية لتفكيك الخلافات. فالرهان الأميركي بات موجهاً نحو إعادة ضبط الأدوار داخل نظام إقليمي مألوف، وتخفيف زخم تحالفات تتجه نحو قدر أكبر من الاستقلالية، وإعادة تفكيك الملفات المركبة إلى مسارات منفصلة يسهل احتواؤها. ما تغير حول سد النهضة يتمثل في البيئة الاستراتيجية المحيطة به، فالنهر لم يعد مسار مياه وحسب، بل أصبح عقدة تحالفات، وأداة تأثير، واختباراً لقدرة القوى الكبرى على التكيف مع نظام إقليمي يعاد تشكيله من الداخل، لا من غرف التفاوض وحدها.

تباين الرهانات

أعاد إعلان وساطة ترمب ترتيب زوايا النظر لدى الدول الثلاث، كل حسب موقعها في الجغرافيا وحساباتها في ميزان القوة. فالوساطة المقترحة لم تقرأ بوصفها مبادرة تقنية، بل باعتبارها مؤشراً إلى تحول في البيئة السياسية المحيطة بالنهر، وما يختزنه من رمزية سيادية وأمنية.

استقبلت إثيوبيا العرض الأميركي ببرود محسوب. فالسد، بعد افتتاحه الرسمي في سبتمبر (أيلول) 2025 بات حقيقة مادية ومشروعاً سيادياً مكتمل الأركان في الوعي الإثيوبي. وتنظر أديس أبابا إلى الوساطة بوصفها محاولة متأخرة لإعادة إدخال فاعل خارجي إلى مسار ترى أنه تجاوز مرحلة التفاوض إلى مرحلة الإدارة الوطنية للمنشأة. في خطابها، تحافظ إثيوبيا على ثنائية التنمية والحق السيادي، وتتعامل مع أي جهد وساطي كأداة لاحتواء الضغوط الدولية لا كإطار لإعادة التفاوض على قواعد ملزمة. السد، من هذا المنظور، ورقة قوة تُدار سياسياً، وتستخدم لتكريس موقع الدولة الصاعدة في معادلة حوض النيل.

أما مصر، فقد قرأت المبادرة من زاوية مختلفة. فعلى رغم الترحيب الرسمي المتوازن، حمل الموقف المصري حذراً استراتيجياً عميقاً. القاهرة ترى في الوساطة فرصة محتملة لإعادة تدويل الملف ضمن مرجعية القانون الدولي، لكنها تدرك أن التجارب السابقة أظهرت محدودية الضمانات، لذلك جاء الخطاب المصري جامعاً بين الانفتاح السياسي والتشديد على الثوابت، والأمن المائي، وعدم الإضرار، والاتفاق القانوني الملزم. دعم الوساطة هنا مشروط بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة ضبط قواعدها، بما يحفظ استمرارية الدولة في مواجهة أخطار تعرفها القاهرة بوصفها وجودية.

أما السودان، فقد اتخذ موقفاً أكثر مباشرة في الترحيب، مدفوعاً باعتبارات مركبة. فالخرطوم، المثقلة بحرب داخلية وانقسام مؤسسي، ترى في أي انتظام دولي رافعة محتملة لتخفيف العزلة وتقليص الأخطار التقنية للسد القريب من حدودها. دعم الوساطة الأميركية يعكس رغبة في استعادة دور مفقود، وتأمين ضمانات تتعلق بالأمان والتشغيل وتبادل البيانات، أكثر مما يعكس قدرة على فرض شروط تفاوضية مستقلة. السودان ينظر إلى الوساطة كمساحة لتقليل الخسائر، لا كمنصة لإعادة صياغة شاملة للملف.

ربما لا توحد الوساطة الأميركية مواقف الأطراف بقدر ما تكشف عن تباين رهاناتها. إثيوبيا تدير واقعاً مكتملاً، ومصر تفاوض على مستقبل وجودي، والسودان يبحث عن مظلة استقرار في لحظة هشاشة. وبين هذه المقاربات، يتحول النيل من مجرى مائي إلى مسرح صامت لصراع الإرادات، حيث تقاس الوساطة بقدرتها على التعامل مع السياسة قبل التنمية، ومع التوازن قبل التدفق.

سيناريوهات محتملة

تراوح الأدوات المتاحة أمام واشنطن ما بين النفوذ المالي على إثيوبيا عبر مؤسسات التمويل الدولية والقدرة على تحريك تحالفات إقليمية لموازنة القوة على الأرض، وأي تقدم في التفاوض سيعتمد على توازن هذا الضغط مع استعداد أديس أبابا لتخفيف سياسة “الأمر الواقع”، وإدراكها أن إصرارها على الملء الأحادي للسد يضاعف كلفة العزلة السياسية والمالية.

المستقبل القريب قد يشهد سيناريوهات متباينة عدة، في أبسطها، يفضي العرض الأميركي إلى استئناف المفاوضات المباشرة، على أساس النص الأميركي لعام 2020، مع توسيع نطاق المشاركة ليشمل الاتحاد الأفريقي والبنك الدولي لضمان مراقبة تقنية وقانونية واضحة. هذا السيناريو يتيح اتفاقاً مرحلياً يمكن أن يحفظ الحقوق المائية لمصر والسودان ويضمن تطوير إثيوبيا مواردها الكهربائية، مع إدراج آليات لمراجعة دورية وشفافية في تدفق المياه.

في سيناريو آخر، قد تتحول الوساطة إلى أداة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، حيث تستغل واشنطن الملف لإعادة تأكيد مركزيتها في أفريقيا والشرق الأوسط، وتأمين مصالحها الاستراتيجية عبر بناء تحالفات متشابكة مع القاهرة والخرطوم، مع إبقاء إثيوبيا ضمن إطار مرن يسمح لها بالنمو الاقتصادي، ولكن مع قيود سياسية واضحة. هذا السيناريو يعتمد على دمج الضغوط الاقتصادية مع حوافز التنمية، مثل تبادل الكهرباء أو استثمارات مشتركة في الطاقة والموانئ.

السيناريو الأطول مدى يعكس تحدياً أعمق، فنجاح الوساطة يتوقف على إعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتصحيح الانحياز التاريخي الذي ميز الوساطات السابقة، وضمان حياد الوسيط، وتعتمد النتيجة على قدرة المؤسسات الدولية على فرض آليات إلزامية، ومقاومة أي محاولات للسيطرة الأحادية على موارد النهر. في هذا الإطار، يصبح سد النهضة ليس مجرد مشروع مائي، بل أداة لقياس مدى فاعلية الدبلوماسية الأميركية وقدرتها على إدارة تناقضات الأمن المائي والتنمية والنفوذ الإقليمي.

في كل السيناريوهات يبقى المفتاح السياسي والاقتصادي أمام واشنطن، بينما يظل السد ومحيطه المائي منصة لقياس الإرادات، وفضاءً لتجربة التوازن بين الضغط الدولي والتنمية السيادية، وبين المصالح الوطنية والقوى الإقليمية. نجاح الوساطة يعتمد على هذا التلاقي مع تصحيح الهياكل التقليدية للنفوذ، وإلا سيظل النيل مسرحاً لتنافس مستمر على الحقوق والسيادة والهيمنة الإقليمية.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا