إسراء الشاهر
مع تزايد الهجرة القسرية، وضغط العمل، وانعدام الحماية، تناقص عدد الكوادر الطبية بوتيرة مقلقة، في حين تتزايد الحاجة إليهم مع اتساع رقعة الحرب والنزوح. وفي ظل هذا الواقع يجد الأطباء أنفسهم عالقين بين واجب إنساني لا يمكن التخلي عنه، واستنزاف مهني ونفسي يدفع كثيرين إلى المغادرة أو الانسحاب بصمت.
لم تعد أزمة القطاع الصحي في السودان مرتبطة فقط بنقص الدواء أو تدمير المستشفيات، بل باتت تتجسد في غياب الكوادر الطبية التي يفترض أن تكون في مقدمة الصفوف، بالنظر إلى دورها الأساس في هذا القطاع.
لكن مع تزايد الهجرة القسرية، وضغط العمل، وانعدام الحماية، تناقص عدد الكوادر الطبية بوتيرة مقلقة، في حين تتزايد الحاجة إليهم مع اتساع رقعة الحرب والنزوح. وفي ظل هذا الواقع يجد الأطباء أنفسهم عالقين بين واجب إنساني لا يمكن التخلي عنه، واستنزاف مهني ونفسي يدفع كثيرين إلى المغادرة أو الانسحاب بصمت.
ضغط العمل
لم يعد يوم العمل الطبي في السودان محكوماً بساعات أو ورديات، بل بحالات طارئة لا تنتهي ونقص حاد في الأيدي العاملة. ففي مستشفيات ما زالت تعمل جزئياً يتحمل عدد محدود من الأطباء عبئاً يفوق طاقتهم، في ظل غياب التعويض والدعم وأبسط شروط السلامة.
يقول أحمد سليمان، وهو طبيب طوارئ يعمل في أحد مستشفيات شمال السودان، إن “نقص الكوادر الطبية غير طبيعة العمل جذرياً، ففي القسم الذي أعمل فيه كنا ستة أطباء، اليوم لم يتبق سوى اثنين نقوم معاً بتغطية الطوارئ والتنويم وأحياناً العناية المكثفة، إذ لا يوجد فصل واضح بين المهمات، لأن البديل غير موجود”.
ويتابع سليمان “أعمل أحياناً أكثر من 24 ساعة متواصلة، فالإرهاق أصبح جزءاً من الروتين، لكن الأخطر هو اتخاذ قرارات طبية مصيرية تحت الضغط الشديد وقلة نوم، وأي خطأ محتمل لا يحاسب فيه النظام بل الطبيب وحده”.
اطباء_3.png
في مستشفيات ما زالت تعمل جزئياً يتحمل عدد محدود من الأطباء عبئاً يفوق طاقتهم (اندبندنت عربية- حسن حامد)
ويشير إلى أن “الحرب زادت العبء، فالإصابات الناتجة من العنف والنزوح تأتي بأعداد كبيرة، وغالباً في ظروف معقدة، في حين نعمل بإمكانات محدودة، وأحياناً من دون أجهزة أو أدوية كافية، ومع ذلك يتوقع منا تقديم خدمة كاملة”.
ويضيف “كثير من الزملاء غادروا أو توقفوا عن العمل، ومن بقي فبدافع أخلاقي وليس لأن الظروف مناسبة، نحن نعمل على حساب صحتنا الجسدية والنفسية، لأننا نعلم أن غيابنا يعني ترك المرضى بلا أية رعاية”.
ويرى طبيب الطوارئ أن “استمرار هذا الوضع غير ممكن، فالطبيب ليس آلة، وهذا الاستنزاف اليومي يدفع حتى أكثر الناس التزاماً إلى التفكير في الرحيل. وفي تقديري أن نقص الكوادر ليس رقماً، بل هو ضغط متراكم يهدد ما تبقى من النظام الصحي”.
هجرة قسرية
لم تكن هجرة الأطباء خياراً مهنياً مخططاً له، بل في كثير من الأحيان قرار نجاة. ومع تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية وجد آلاف الأطباء أنفسهم أمام معادلة قاسية، إما البقاء والعمل في ظروف خطرة، أو المغادرة بحثاً عن الأمان والاستقرار.
تقول نسرين عثمان، وهي طبيبة أطفال غادرت السودان إلى دولة مجاورة، إن “قرار الرحيل جاء بعد استنزاف طويل، فلم أكن أفكر في الهجرة بتاتاً، إذ كنت أؤمن بأن وجودنا مهم، لكن مع الوقت أصبح الخطر حقيقياً، والمستشفى الذي أعمل فيه تعرض للقصف، وانقطعت الرواتب لأشهر”.
وتستطرد “كنت أعمل بلا مقابل تقريباً، وأتحمل كلفة المواصلات والمعيشة. في الوقت نفسه لم يكن هناك أي شعور بالحماية أو التقدير، فالطبيب أصبح مكشوفاً مهنياً وأمنياً”.
وتشير إلى أن “الرحيل لم يكن سهلاً نفسياً، فالإحساس بالذنب يرافقك لأنك تترك مرضاك وزملاءك، لكنك تدرك أيضاً أن البقاء قد يعني العجز الكامل أو فقدان الحياة، بالتالي الهجرة هنا ليست طموحاً بل هرباً من الانهيار”.
وتواصل “المشكلة أن من يغادر غالباً يكون من الكفاءات الشابة، وهو ما يخلق فراغاً يصعب تعويضه، فالتدريب يتوقف، والخبرة لا تنتقل، ويصبح النظام الصحي أفقر يوماً بعد يوم”.
وترى طبيبة الأطفال أن “النزف سيكون مستمراً بخاصة في جانب الهجرة ما لم تتغير الظروف، فلا يمكن مطالبة الأطباء بالتضحية بلا حدود في ظل غياب أي أفق لتحسين الأوضاع”.
عادل عبدالله، مدير أحد المستشفيات الحكومية في وسط السودان، يقول إن “هجرة الكوادر الطبية أصبحت أزمة حقيقية تهدد استمرارية المستشفيات نفسها، فحين يغادر طبيب واحد لا نفقد شخصاً فقط بل خدمة كاملة. وبعض الأقسام تعتمد على اختصاصي أو اثنين، وعندما يهاجرون نجبر على إغلاق القسم أو تقليص عمله إلى الحد الأدنى”.
ويتابع عبدالله “هجرة الأطباء تؤدي إلى اختلال خطر في نظام المناوبات، فالأطباء المتبقون يعملون فوق طاقتهم مما يزيد من الإرهاق والأخطاء الطبية، ويؤثر مباشرة في جودة الرعاية المقدمة للمرضى، ويتحول المستشفى من مكان علاج إلى نقطة إسعاف أولي عاجزة عن التعامل مع الحالات المعقدة”.
ومضى في القول “الأخطر أن هذا النزف مستمر، وأن تدريب كوادر جديدة يحتاج إلى وقت وإشراف، ومع غياب الكفاءات يتوقف نقل الخبرة، وإذا استمرت الهجرة بهذه الصورة سنصل إلى مرحلة لا يعود فيها السؤال عن جودة الخدمة بل عن وجودها من عدمه”.
مستشفيات منهكة
نقص الكوادر الطبية انعكس مباشرة على قدرة المستشفيات على العمل، فهناك أقسام أغلقت، وخدمات تقلصت، ومرافق صحية تحولت إلى هياكل متداعية تعمل بالحد الأدنى أو توقفت تماماً.
يوضح خالد عبدالرحيم، وهو إداري في القطاع الصحي ومدير مستشفى سابق، أن “الأزمة الحالية هي أزمة منظومة لا أفراد، فحين يغيب الأطباء لا يمكن للمستشفى أن يؤدي وظيفته. وبعض الأقسام تحتاج إلى متخصصين غير متوفرين، مما يضطرنا إلى إيقاف الخدمة بالكامل”.
ويتابع عبدالرحيم “في بعض المناطق، يوجد مستشفى بلا طبيب مقيم، بالتالي يعتمد هذا المستشفى فقط على زيارات متقطعة، مما يعرض حياة المرضى للخطر، ويحول الحالات البسيطة إلى مضاعفات خطرة”.
اطباء_1.png
لم تكن هجرة الأطباء خياراً مهنياً مخططاً له بل في كثير من الأحيان قرار بالنجاة (اندبندنت عربية- حسن حامد)
ويشير إلى أن “الضغط على المستشفيات العاملة يتضاعف، فالمرافق التي ما زالت تعمل تستقبل مرضى من مناطق واسعة، لأن البدائل غير موجودة، وهذا من دون شك يزيد من استنزاف الكوادر القليلة المتبقية”.
ويستطرد “المشكلة ليست في المباني أو الأجهزة فقط، بل في البشر الذين يشغلونها. فالنظام الصحي يقوم على العنصر البشري، وحين يستنزف هذا العنصر تنهار الخدمة مهما توفرت الموارد”.
ويختم الإداري في القطاع الصحي، بأن “الحلول الموقتة لم تعد كافية، فسد النقص بمتطوعين أو أطباء حديثي التخرج لا يعالج جذور الأزمة. نحن بحاجة إلى سياسات تحافظ على الكوادر، ولا تكتفي بإدارة العجز”.
واجب أخلاقي
على رغم كل هذا الاستنزاف، ما زال كثير من الأطباء يواصلون العمل بدافع أخلاقي وإنساني في ظل غياب الحوافز المادية أو المؤسسية. فهذا الواجب، الذي يفترض أن يكون مصدر فخر، تحول إلى عبء ثقيل يستغل أحياناً لتبرير الإهمال.
تقول سلوى محمد، طبيبة عمومية تعمل في مركز صحي بأحد أرياف ولاية الجزيرة، إن “الدافع الأخلاقي هو ما جعلني استمر في عملي، لأنني أعلم أن مغادرتي تعني إغلاق المركز. فالناس هنا لا يملكون خياراً آخر، هذا الإحساس بالمسؤولية يمنعني من الرحيل”.
وتتابع “لكن في المقابل، أشعر أن هذا الواجب يحملني أكثر مما يحتمل، فنحن كأطباء نعمل بلا دعم ولا تدريب ولا ضمانات، والواجب الأخلاقي لا يجب أن يكون بديلاً عن الحقوق”.
وتشير إلى أن “الاستنزاف النفسي هو الأخطر، فالتعامل اليومي مع المرض والموت، من دون فترات راحة أو دعم نفسي، يترك أثراً عميقاً، وكثير من الأطباء يعانون بصمت”.
وتمضي الطبيبة العمومية في القول “إذا استمر الاعتماد على حس التضحية فقط، سنفقد الموجودين في ساحة العمل، فالواجب الأخلاقي يجب أن يقابل بمسؤولية مؤسسية تحمي الطبيب كما تحمي المريض، وفي نظري أن نقص الكوادر ليس قدراً بل نتيجة خيارات، وأن إنقاذ القطاع الصحي يبدأ بإنقاذ من يعملون فيه”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة