زناد النار…. لقاء مع فيلسوف الألوان أحمد عبد العال
بقلم: هشام الحلو
في دهاليز الذاكرة، ثمة لقاءات لا تمحوها الأيام، بل تزداد بريقاً كلما مرت عليها السنون. ومن بين تلك المحطات، يبرز لقائي بالفنان التشكيلي والمفكر السوداني الكبير الدكتور أحمد عبد العال في إحدى أمسيات الخرطوم مع بداية الألفية الجديدة، برفقة مجموعة من الشباب وطلاب المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم. كنا وقتها تواقين لمعرفة كل ما هو جديد، فحدثنا عبد العال في جلسة مناقشة حول تجربته الفنية عن جزء من سيرته وعن فترة هجرته إلى فرنسا طالباً للعلم بجامعة “السوربون”؛ تلك الفترة التي كان يغرس فيها بذور فلسفته في عاصمة النور “باريس”، أثناء تحضيره لرسالة الدكتوراه حول “علم الجمال” وعلاقته بفكر الشيخ الأكبر “محيي الدين ابن عربي”.
لم يكن أحمد عبد العال حينها مجرد طالب دكتوراه يبحث عن درجة علمية، بل كان “سالكاً” في محراب الجمال؛ فكان حديثه ينساب كالنيل، يمزج بين صوفية ابن عربي وبين الحداثة التشكيلية، إذ كان يرى في “وحدة الوجود” منطلقاً لـ “مدرسة الواحد”، حيث كل تفصيل في الكون هو تجلٍ للحقيقة المطلقة. وأتذكر جيداً حديثه لنا حول تلك الواقعة التي جسدت حدة ذكائه وعمق بصيرته، حين كان في قاعة المحاضرات بباريس، يخضع لاختبار شفاهي أمام أستاذة فرنسية صارمة في معاييرها الجمالية والفلسفية، فوجهت سؤالاً استثنائياً للطلاب يحمل طابعاً وجودياً: “إذا طُلب منكم الخروج من هذا العالم.. فبماذا تخرجون؟”. تعددت إجابات الطلاب حينذاك بين من قال “بالحب”، ومن قال “بالعلم”، ومن اختار “الذكريات”، لكن حين جاء الدور على أحمد عبد العال، ساد الصمت للحظة، ثم أجاب بكلمتين زلزلتا سكون القاعة: “زناد النار”.
ساد صمت مشوب بالدهشة، فـ “زناد النار” -تلك الأداة البسيطة التي تولد الشرارة الأولى- لخصت فلسفة كاملة في كلمتين؛ فعبد العال رأى أن النار ليست وسيلة للفناء، بل هي رمز للنور والبعث، والطاقة التي تشعل جذوة الإبداع في الروح البشرية، هي الشرارة التي تسبق الخلق الفني، وهي “الوجْد” الذي تحدث عنه المتصوفة. أمام هذا العمق غير المتوقع، لم تملك الأستاذة الفرنسية إلا أن تثني عليه طويلاً، معتبرة أن هذه الإجابة تنم عن فكر فلسفي متجذر يربط بين المادة والروح، وبين التراث واللحظة الراهنة. وإن “زناد النار” الذي تحدث عنه عبد العال في باريس هو نفسه الذي أشعل به “مدرسة الواحد” في السودان لاحقاً؛ تلك المدرسة التي لم تكن مجرد اتجاه فني، بل كانت محاولة لإعادة صياغة الهوية السودانية عبر الفن، مستلهماً من ابن عربي فكرة أن “الجمال هو الحق”، وأن الفنان وسيط ينقل قبساً من ذلك النور الإلهي إلى لوحته.
رحل أحمد عبد العال، لكن “زناد النار” الذي خرج به من ذلك الاختبار، ومن تلك الحياة، لا يزال يشعل مخيلة الأجيال القادمة من الفنانين، ليبقى ذكره ليس فقط كرسام عالمي، بل كإنسان عرف كيف يختصر الوجود في كلمة، ويحول الفلسفة إلى لون، والشرارة إلى حياة.
مداميك
المصدر:
الراكوبة