آخر الأخبار

إخوان السودان وحركة طالبان

شارك

اسماعيل عبدالله

قرأت تحليلاً لأحدهم يقول أن تنظيمات الإخوان بمصر والأردن ودول أخرى باستثناء السودان، لم تكن في موقع مؤثر بالسلطة والنفوذ، لذلك من السهل التخلص منها لعدم تأثيرها الكبير على المشهد بتلك البلدان، بخلاف إخوان السودان الذين اختطفوا جهاز الدولة، فحتى بعد أن ثار الناس واقتلعوا رأس النظام وبعض معاونيه برافعة قوات الدعم السريع، التي لولاها لما استطاع الثوار المدنيون اعتقال البشير وإرساله السجن، أجدني أتفق مع من قدم هذا التحليل، وأزيد من عندي، أن نموذج أفغانستان في الشق المسيطر عليه جيش الإخوان هو الأقرب للتحقق، فطالبان رغم تطرفها وبعدها عن تعاليم الدين واعتمادها العلماء الرجعيين السطحيين، الذين لا يرون في المرأة سوى خطيئة يجب أن تلف بالقماش، من رأسها إلى أخمص اصبع بقدمها، إلا أن لطالبان أنصار ممن هم على شاكلة هؤلاء (العلماء)، فأمريكا لا تستطيع فرض نظام سياسي على المناطق المسيطر عليها الإخوان، لأن غالب سكان هذه الجغرافيا متصالحين مع (طالبان السودان)، ورحبوا بالكتائب الداعشية حينما انسحبت قوات الدعم السريع، واستقبلها هؤلاء المواطنون بولايات الجزيرة والخرطوم مهللين مكبرين، ربما تشوقوا لتطبيق مواد قانون النظام العام ومطارداته للنساء الكادحات، وجلدهن بالسياط في مراكز الشرطة بولاية الخرطوم، هذا المشهد يشبه إلى حد ما أفغانستان قبل وبعد كرزاي – حمدوك أفغانستان.
بعكس سكان دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة، لا يرغبون في عودة حكم الاخوان، ببساطة لأن المأساة التي كابدوها صناعة إخوانية محضة، لذلك تصالحوا مع طرح “تأسيس” القاضي باختيار العلمانية، فهب أن ذات الطرح تم تقديمه بالجغرافيا المستحوذ عليها الاخوان، لقامت تظاهرات الشجب والإدانة والاستنكار ولعن الغرب الكافر الذي صدر العلمانية، كما درجوا على قيادة المجتمعات السودانية الأخرى على درب الهوس الديني، الذي يرى السودان كمنطلق للمجاهدين المحررين لبيت المقدس (من دنس اليهود)، ذلك الجهد والإرهاق الذي تكبده السودانيون طيلة عهد دولة ما بعد البريطانيين، اليوم وبعد أن انقسم السودان بين حكومتين، طفى للسطح الوجدان المنقسم بين وعيين، سلفي متطرف فرّخ التكفيريين والإخوان، ووعي آخر منحدر من السلوك الصوفي “التجاني” المتسامح، الأكبر اتساعاً في الوسط والغرب الإفريقي، هذا التحول ليس وليد اللحظة ولا بناء على رغبات الطامعين في الأرض السودانية، لا، هذا الاستقطاب السلوكي الديني هو نتاج طبيعي لروابط تاريخية حاولت الثورة والدولة المهدية صهرها لكنها فشلت، فأعاد التاريخ نفسه، لذلك برز تحالف وتضامن اليسار الجغرافي الأوسط والشمالي مع الإخوان ضد (تتار الغرب الإفريقي)، هذه الخلاصة التي سوف تجعل من السودان الأوسط والشمالي طالبان السودان الذي تسوده قوانين سبتمبر.
الرومانسيون من جغرافيا السودان الإخواني – الأوسط والشمالي – الذين يحلمون بالحكم المدني الديمقراطي، ممن تغنوا بأشعار الثورة في كمبالا، والذين لا يعترفون بدور قوات الدعم السريع في دحر الفلول وقلب الطاولة، مصيرهم أن يتراضوا ويتساكنوا مع الإخوان من أهلهم وعشائرهم، كما فعلوا بعد استيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم، والتي استخدمت المهدي لتفريغ الشحنات الغاضبة للجماهير المتعطشة للديمقراطية، باستحداث فكر المهادنة مع الانقلاب الذي أسماه “الجهاد المدني”، والذي ما هو إلّا تواطؤ صريح مع الاخوان، وتمهيد واضح لتمكينهم من ثروات ورقاب الناس، بالضفة الأخرى هناك حالمون أيضاً بتحالف تأسيس، يأملون في اكتساح الإخوان حتى بورتسودان، الأمر الذي لا يمكن أن يتم، لأن تلك المجتمعات وبكل بداهة تؤيد الإخوان، وما حدث في أم روابة من التفاف جماهيري حول ذابح المعلم، يعطيك مؤشر صادق على تغليب هذه الجموع لخيار حكم الإخوان، على أن يحكمهم (الجن جويد) و(عرب الشتات)، لقد دفع السودانيون ثمناً وزمناً باهظاً وغالياً ركضاً وراء الحلم الوحدوي، الشبيه بحلم الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده، سترون طالبان السودان الأوسط الشمالي تتموضع، وسوف نرى الدكتور النور حمد يحزم حقائبه ميمماً وجهه شطر العاصمة نيالا، ذلك أن الرومانسية لا تبني دولة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا