تحولت الأراضي الإثيوبية إلى “حلم نجاة” لملايين السودانيين الفارين من جحيم الحرب، لكن الواقع الذي اصطدموا به لم يكن الأمان المنشود؛ بل كماشة جديدة فكاها الجوع والتدهور الأمني، تزامناً مع إجراءات إدارية قاسية تفرض ظلالها على من فروا من الموت.
وتعد إثيوبيا، ثاني أكبر دولة مستضيفة للاجئين في إفريقيا، حيث تواجه اليوم تحدياً غير مسبوق، فمع نهايات عام 2025، باتت الاستجابة الإنسانية على حافة الانهيار، وسط تحذيرات دولية من “كارثة صامتة” تتفاقم تحت وطأة التجاذبات السياسية وضيق ذات اليد.
وتوالت النكبات على اللاجئين السودانيين في أثيوبيا تأثراً بتصريحات رسمية لمسؤولين في الحكومة السودانية.
فبعد تصريح مثير لوزير الخارجية السابق علي يوسف عام 2024، أشار فيه إلى وقوف السودان بجانب مصر في خيار “الحرب المفتوحة” حال فشل حوار سد النهضة، ألغت السلطات الإثيوبية فوراً الإعفاءات من رسوم تجديد التأشيرات.
منذ ذلك الحين، انتقلت السلطات إلى مرحلة التصعيد بفرض غرامة تصل إلى 10 دولارات عن كل يوم تأخير، في حين تبلغ قيمة تجديد التأشيرة شهرياً 100 دولار، تُدفع حصراً بالعملة الصعبة؛ وهو مبلغ يعجز عن توفيره أغلب الفارين من جحيم الحرب.
من الغابات إلى المجهول
أمام الواقع المزرى والتهديدات الأمنية، وفشل المنظمات الدولية في توفير الحماية، اتخذ آلاف اللاجئين في أغسطس 2024 قراراً انتحارياً بتنفيذ رحلة سير طويلة من معسكرات “غابات أولالا” بإقليم الأمهرة نحو الحدود السودانية.
يقول اللاجئ عبد العزيز أحمد (24 عاماً) لـ “سودان تربيون”: “انعدام الحماية أجبر الآلاف على السير في أطول رحلات اللجوء البرية في العصر الحديث”.
تلك الرحلة شهدت وفيات وإصابات جراء الجوع والتعب، في مأساة وصفت بأنها من أكبر كوارث حرب 15 أبريل 2023.
وبدلاً من الاحتواء، واجه العائدون في مدينة “القضارف” اعتقالات نفذتها ما عُرف بـ “الخلايا الأمنية” السودانية آنذاك.
مأساة في العاصمة
لم تكن العاصمة الاثيوبية أديس أبابا أكثر رحمة؛ ففي واقعة هزت المجتمع السوداني بين نهاية نوفمبر وبداية ديسمبر 2025، توفي شاب سوداني جراء “الجوع الحاد ونقص الدم”، في حالة أذهلت الأطباء الذين تبين لهم أنه ظل لعدة أيام يقتات على الماء فقط لعدم امتلاكه ثمن الطعام.
أثارت هذه الفاجعة موجة غضب عارمة تجاه السفارة السودانية واتهامات بالتقاعس.
ويروي صديق المتوفى بمرارة: “الجوع هو الذي قتل صديقي؛ هرب من الحرب ليبحث عن حياة، فتعثر في الموت”.
“بني شنقول”.. غابات تفتقر للحياة
تُعد مدينة “أصوصا” نقطة الارتكاز للاجئين عبر معبر “الكرمك”، لكن معسكراتها (كبري 5، أورا) تمددت بنسبة 150% فوق طاقتها.
يصف أحمد علي “الجعلي” الوضع لـ “سودان تربيون” قائلاً: “هنا لا يصدر الرصاص ضجيجاً، لكن الأزمات الصامتة تنهش أجسادنا”.
ويضيف أن اللاجئين وجدوا أنفسهم في غابات مطيرة داخل خيام ممزقة تتحول لمستنقعات مع المطر، حيث يصاب 6 من كل 10 أطفال بالملاريا، فضلاً عن خطر المليشيات المحلية التي تمارس القتل والاختطاف لطلب الفدية في منطقتي “أولالا” و”كومر”.
الموقف الإثيوبي
يوضح مصدر مسؤول في إدارة شؤون العائدين واللاجئين الإثيوبية (RRS) أن بلاده تلتزم بالاتفاقيات الدولية وتوفر خدماتها بالتنسيق مع الأمم المتحدة، نافياً وجود اعتقالات بسبب غرامات التأشيرة للاجئين “المسجلين”.
وأشار المصدر إلى أن التحدي يكمن في “اللاجئين الحضريين” الذين يدخلون عبر المطارات دون تقنين وضعهم كلاجئين، مما يجعلهم عرضة لقوانين الهجرة والغرامات، مؤكداً أن الحكومة انتهجت سياسة انفتاحيه لدمجهم في الاقتصاد والتعليم رغم الأعباء الكبيرة.
استراتيجيات البقاء المريرة
تتبنى العائلات السودانية حالياً “استراتيجيات سلبية” للصمود، تشمل تخطي الوجبات وبيع الأصول.
ورصدت “سودان تربيون” إصابة 3 أطفال بسوء تغذية حاد في منزل استضافهم فيه مواطن إثيوبي، حيث تكفل صحفيان سودانيان بنقلهم للمستشفى وعلاجهم.
وينتقد صحفي سوداني (طلب حجب اسمه) غياب دور السفارة التي تمتلك طاقماً “يقود أكبر عدد من السيارات لسفارة في إثيوبيا” بينما تفضل الأسر “الكفاف حتى الموت”.
صرخة استغاثة أخيرة
في ديسمبر 2025، أطلق برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومفوضية اللاجئين (UNHCR) صرخة استغاثة أخيرة؛ فبسبب نقص التمويل الذي تجاوز 70%، قُلصت الحصص الغذائية إلى 40% فقط (أقل من 1000 سعرة حرارية يومياً).
وحذرت طيبة حسن، المديرة العامة لمفوضية اللاجئين والعائدين الإثيوبية، من أن الخدمات الأساسية قد تتوقف خلال أسابيع، بينما يرى الممثل القطري للأمم المتحدة “ندياي” أننا وصلنا “لحظة حرجة” ستحدد ما إذا كانت الاستجابة ستنهار تماماً أم ستصمد.
المصدر: سودان تربيون
المصدر:
الراكوبة