آخر الأخبار

كيف حوّل المحور التركي السعودي السودان إلى حرب بالوكالة عالية التقنية

شارك

بقلم بيزاويت إيشيتو

يُبرز نقل شحنة عسكرية عبر طائرة إليوشن Il-76TD روسية من إسطنبول إلى بورتسودان تصاعدَ أبعاد الصراع بالوكالة في السودان.
ويُشير ذلك إلى تحوّل الصراع من صراع داخلي على السلطة إلى ساحة لحروب إقليمية بالوكالة. وقد طغى صراع جيوسياسي أوسع نطاقًا على حقبة العداء بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.
لقد تجاوز الوضع مرحلة الحرب الأهلية، ليصبح السودان ساحة صراع بين قوى الشرق الأوسط وأوراسيا.
هذا التغيير لا ينبع من رغبة مشتركة في السلام أو الديمقراطية في السودان، بل من تنافس محموم على النفوذ في البحر الأحمر والمنطقة الأفريقية. وقد رسّخ التدخل الخارجي العنف، رابطاً أي حل محتمل بالاحتياجات الاستراتيجية لرؤوس الأموال الأجنبية، لا بالهموم المباشرة للشعب السوداني.
تُعدّ العلاقات العسكرية المعززة لتركيا مع القوات المسلحة السودانية ثمرة تحوّل استراتيجي استمرّ عشر سنوات نحو أفريقيا.
فمن خلال سياستها “الانفتاح على أفريقيا” ، لطالما نظرت تركيا إلى السودان كبوابة رئيسية لتوسيع وجودها الاقتصادي والعسكري. وفي عهد عمر البشير، ركّزت الاستثمارات التركية على مشاريع البنية التحتية واستصلاح جزيرة سواكن، بهدف ترسيخ وجود بحري دائم.
أدت الاضطرابات التي أعقبت ثورة السودان عام 2019 واندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023 إلى تبني تركيا نهجاً دبلوماسياً حذراً، لحماية استثماراتها الضخمة في البنية التحتية والزراعة وإعادة تطوير جزيرة سواكن لتصبح بوابة بحرية محتملة. ويكمن وراء هذا الموقف العملي تفضيل أنقرة الراسخ لدولة مركزية ذات طابع عسكري، على غرار نموذجها، دولة قادرة على بناء شراكات مستقرة طويلة الأمد بدلاً من الحكم شبه العسكري المجزأ. في المراحل الأولى من النزاع، انتهجت شركات الدفاع التركية، مثل بايكار ، نهجاً متوازناً وهادئاً، إذ حافظت على اتصالات مع جهات فاعلة متعددة، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروفة باسم حميدتي، وذلك للحد من المخاطر التي قد تواجه المشاريع والحفاظ على إمكانية الوصول إلى المناطق التي كانت فيها خطوط المواجهة متغيرة.

وقد أثار هذا التواصل اتهامات بالدعم المزدوج، مع تقارير مبهمة عن عمليات نقل أسلحة أو مساعدات لوجستية، على الرغم من أن المؤشرات المتاحة أشارت إلى وجود روابط تجارية وسياسية أقوى مع القوات المسلحة السودانية.
مع بدء قوات الدعم السريع في تقويض البنية المؤسسية للسودان وتحقيق مكاسب ميدانية كبيرة، بما في ذلك الاستيلاء على الفاشر أواخر عام 2025 الذي أبرز نقاط ضعف القوات المسلحة السودانية، أعادت تركيا تقييم الوضع وغيرت موقفها.
وباتت أنقرة تنظر إلى نموذج قوات الدعم السريع اللامركزي والقائم على أسلوب المرتزقة كتهديد مباشر لمصالحها في البحر الأحمر، حيث تُعد الدولة الموحدة ضرورية لتأمين طرق التجارة وامتيازات الموانئ ومواجهة النفوذ المنافس من جهات فاعلة مثل الإمارات العربية المتحدة.
بحلول أواخر عام 2025، تبلورت إعادة التقييم هذه في تحالف دفاعي أكثر وضوحًا مع القوات المسلحة السعودية، تميز بزيادة المساعدات العسكرية، وطائرات بيرقدار المسيّرة، والدعم التقني الهادف إلى قمع تمرد قوات الدعم السريع واستعادة السيطرة المركزية.
وتعزز هذا التحول في أوائل عام 2026 بوصول شحنات واضحة إلى ميناء بورتسودان، مما يشير إلى اندماج تركيا المتزايد في جهد تقوده السعودية، والذي اعتمد على قنوات التسلح الباكستانية والروسية لمواجهة التشرذم شبه العسكري. يكمن الدافع وراء هذا التصعيد التركي في تغير السياسة الخارجية السعودية. ففي السنوات الأولى للصراع، سعت السعودية إلى الظهور بمظهر الحياد، فيسرت محادثات جدة وانضمت إلى الآلية الرباعية. إلا أن هذا التظاهر قد انهار وسط اتساع الفجوة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة .

وقد أصبح السودان مسرحاً رئيسياً لتنافس حاد بين هاتين الدولتين القويتين. إن التدخل السعودي ليس عملاً نابعاً من الإيثار لتعزيز الاستقرار، بل هو خطوة محسوبة لاحتواء النفوذ الإماراتي.
وقد ازداد قلق الرياض مع لجوء الإمارات إلى استخدام الجماعات شبه العسكرية لتأمين الممرات البحرية الهامة والمناطق الغنية بالموارد.

وقد نبّه سقوط الجماعات الموالية للإمارات في مناطق أخرى القادة السعوديين إلى أن تفكك السودان سيشكل تهديداً مباشراً لرؤيتهم لنظام إقليمي قائم على الدول التقليدية. ولذا، بدأت السعودية بتمويل نقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة إلى القوات المسلحة السودانية، محولةً إياها إلى وسيلة لكبح طموحات أبوظبي.
يُمثل الإطار اللوجستي لهذا التحالف الجديد عملية معقدة تهدف إلى منح القوات المسلحة السودانية تفوقًا تكنولوجيًا واضحًا.
ويُعدّ الاتفاق الثلاثي مع باكستان، المدعوم بالنفوذ المالي السعودي على إسلام آباد، عنصرًا أساسيًا في هذه العملية. فمن خلال تحويل قروض ضخمة إلى مصدر للأسلحة الباكستانية، سهّلت الرياض وصول طائرات الهجوم الخفيف من طراز كاراكوروم-8 ومقاتلات جيه إف-17 متعددة المهام إلى القوات الجوية السودانية.
تمثل هذه الطائرات نقلة نوعية هامة في مجال التكنولوجيا، تهدف إلى مواجهة تفوق قوات الدعم السريع في التحركات البرية السريعة واللامركزية. ويتيح هذا الربط مع جنوب آسيا للشراكة بين الرياض وأنقرة تزويد الجيش السوداني بالأدوات اللازمة لدفع الجماعات شبه العسكرية خارج المدن إلى المناطق المفتوحة، حيث يمكن استهدافها بفعالية من الجو.
ويُظهر هذا الوضع كيف تستخدم القوى الإقليمية الدول الصغيرة لتقديم الدعم وتأجيج الصراع دون التدخل المباشر فيه. في أوائل عام 2026، بدأت آثار هذا الدعم الخارجي تتضح، مُغيرةً مسار الصراع الذي وصل إلى طريق مسدود. ورغم أن قوات الدعم السريع حققت نصرًا استراتيجيًا بالسيطرة على الفاشر في أواخر عام 2025، إلا أن زخمها قد تراجع أمام جيش وطني مُعاد تنظيمه.
وبفضل الطائرات التركية المُسيرة، استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على مناطق حيوية في الخرطوم، مُظهرةً أن القوات غير المركزية تُكافح ضد حملة جوية مُجهزة تجهيزًا جيدًا ومُتقدمة تقنيًا.
ما كان يُعدّ ميزةً للتمرد أصبح الآن نقطة ضعف؛ فبدون بنية تحتية مدنية تحميهم، تُصبح مركباتهم هدفًا سهلًا للغارات الجوية الدقيقة.
هذا التحوّل إلى الحرب عالية التقنية لا يُغيّر طبيعة الصراع فحسب، بل يُولّد أيضًا انعدام ثقة بين قادة الميليشيات. ومع اكتساب الجيش مزيدًا من النفوذ بفضل المساعدات الخارجية، تتضاءل فرص التوصل إلى سلام تفاوضي.
باتت القوات المسلحة السودانية تُركّز الآن على تحقيق سيطرة عسكرية كاملة بدلًا من السعي إلى حل سياسي. أدى تدفق المساعدات الخارجية إلى تقويض إطار السلام الدولي القائم، وتحديداً الآلية الرباعية. كانت هذه الآلية تقوم على أساس الاعتقاد بأن اتفاقاً تفاوضياً لتقاسم السلطة هو السبيل الوحيد لإنهاء العنف.
إلا أن حقيقة دعم اثنين من أبرز أعضائها – السعودية والإمارات – فصائل متناحرة، جعلت هذه الآلية عديمة الجدوى. بالنسبة لتحالف الرياض-أنقرة، لم يعد الهدف إعادة حكومة مدنية، بل فرض قيادة عسكرية موحدة تحت سيطرتهم. وهذا يضعهم في خلاف مع الإمارات العربية المتحدة، ويعقد جهود خفض التصعيد التي تدعمها الدول الغربية.
ويخلق هذا مفارقة، حيث أن سعي الجهات الراعية الإقليمية لتحقيق نصر عسكري حاسم لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات وتقويض الثقة اللازمة لتحقيق مصالحة دائمة. يزداد الوضع الجيوسياسي تعقيداً بسبب الموقف الاستباقي الذي اتخذته الصومال، والذي حظر في أوائل عام 2026 تحليق الطائرات العسكرية والشحن الإماراتية في مجالها الجوي.
وجاء هذا القرار على خلفية اتهامات بأن الإمارات سهّلت عملية إجلاء غير مصرح بها لزعيم المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، عيدروس الزبيدي، باستخدام المجال الجوي الصومالي، وربما المطارات، وسط مزاعم مستمرة بأن أبوظبي تستخدم منشآت صومالية، لا سيما في بونتلاند، لإرسال مرتزقة وأسلحة إلى قوات الدعم السريع. وقد أدى تعطيل طرق الإمداد الجنوبية هذه، إلى جانب الحصار الذي تقوده السعودية على الرحلات الجوية الشمالية، إلى الحد بشكل كبير من وصول القوات شبه العسكرية إلى الموارد اللازمة للحفاظ على سيطرتها في دارفور.
بينما قد تبحث الإمارات عن طرق بديلة عبر الدول المجاورة، فإن التأثير الإجمالي لاستراتيجية “التطويق” هذه قد أضعف بشكل كبير القدرة العملياتية للتمرد. ومع ذلك، فإن هذا النجاح العسكري للقوات المسلحة السودانية يأتي على حساب السيادة الوطنية. فكلما زاد اعتماد الجيش الوطني على هذه العلاقات الخارجية، قلّت استقلاليته كمؤسسة، ليصبح أداةً لأجندة إقليمية تُعلي شأن أمن الدولة على حساب التمثيل الشعبي. على الرغم من التقدم التكتيكي للجيش، لا تزال المظالم العرقية والصراعية الكامنة وراء النزاع دون حل. يُظهر تاريخ السودان انقسامات عميقة بين المركز والأطراف، وتتجاهل استراتيجية الاستقرار الحالية التي تتمحور حول الدولة حقيقة أن الانتصارات العسكرية لا تضمن الشرعية السياسية. حتى لو تم طرد قوات الدعم السريع من العاصمة، فمن المرجح أن تتراجع فلول الجماعة إلى الأطراف، حيث يمكنها مواصلة تمرد خفي لسنوات.

قد تنجح الشراكة التركية السعودية في إعادة تشكيل حكومة مركزية في الخرطوم، لكنها تُنذر بخلق واقع “سودانين”، حيث تبقى ضواحي البلاد ساحات معارك فوضوية للصراعات بالوكالة. إن الخسائر الإنسانية الناجمة عن هذا “الاستقرار” هائلة بالفعل، مع نزوح الملايين وانتشار المجاعة، ومع ذلك يبدو أن القوى الإقليمية المعنية تُفضّل تكاليف الحرب المستمرة على سلام يسمح لمنافسيها بالحفاظ على نفوذهم في البحر الأحمر. في نهاية المطاف، يُمثل المحور التركي السعودي في السودان نموذجاً جديداً للتدخل الإقليمي يتجاوز الوساطة التقليدية لصالح حلول عسكرية تركز على سيطرة الدولة.

ويهدف هذا التحالف، من خلال الجمع بين الخبرة الفنية التركية والقوة المالية السعودية والتعاون اللوجستي من شركاء مثل باكستان وكازاخستان، إلى إعادة تشكيل الأمن في القرن الأفريقي. إلا أن لهذا النوع من الاستقرار جوانب سلبية. يُعطي هذا النهج الأولوية لبقاء دولة عسكرية تقليدية على حساب آمال الشعب السوداني الديمقراطية، ويعيد بناء البلاد فعلياً من خلال منظور منظومة حرب إقليمية.
ومع استمرار الصراع، بات مصير السودان يُحدد بشكل متزايد ليس داخل حدوده، بل عبر سلاسل الإمداد اللوجستي القادمة من أنقرة وإسلام آباد والرياض. لقد تطورت الحرب إلى صراع بالوكالة عالي التقنية، حيث يضمن السعي للهيمنة الإقليمية استمرار العنف طالما أنه يتماشى مع المصالح الاستراتيجية لحلفائه الخارجيين. يُظهر هذا التموضع الانتهازي أن الاستقرار الذي تسعى إليه الرياض وأنقرة لا يعني بالضرورة السلام للسودان، بل يهدف إلى نظام قابل للإدارة يخدم مصالحهما الخاصة.
فبالنسبة للسعودية، يتمثل الهدف الرئيسي في مواجهة النفوذ الإماراتي الذي تعتبره تهديدًا لمكانتها الإقليمية. أما بالنسبة لتركيا، فيُعدّ السودان جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها الأوسع للسيطرة على طرق التجارة وموارد الطاقة في البحر الأحمر. في كلتا الحالتين، يعاني الشعب السوداني إذ يصبح رهينة في لعبة أوسع نطاقًا، حيث تُستبدل السيادة بالدعم العسكري، وتعتمد الشرعية على جودة القوة الجوية.

لم يكن وصول طائرة الشحن التركية إيذانًا بنهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة وأعمق من التدخل، حيث تلاشت الحدود بين القضايا الداخلية وصراعات القوى الإقليمية. تضمن هذه اللعبة المحفوفة بالمخاطر بقاء السودان ساحة معركة، حيث لا تعد جهود استعادة النظام سوى آثار جانبية لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي.

*باحثة في مجلة هورن ريفيو

مداميك

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا