منى عبد الفتاح
يراهن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي على السودان بوصفه حجر الزاوية في معادلة أمنية تتجاوز حدود الدولتين إلى عمق القرن الأفريقي والبحر الأحمر (غيتي)
يبرز سيناريو التقارب الإريتري مع السودان بوصفه احتمالاً مشروطاً بطبيعة المسار السياسي الذي ستسلكه الخرطوم. وإذا اتجهت الأزمة السودانية نحو تسوية دولية الطابع، تصاغ في العواصم الغربية وتدار عبر أطر أميركية، فإن هذا المسار يضع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أمام معضلة استراتيجية.
اتسمت علاقة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في مطلع التسعينيات بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير بتوتر مبكر غذَّاه تضاد أيديولوجي بين دولة إريترية علمانية ناشئة ونظام سوداني إسلامي صاعد بقيادة البشير وحسن الترابي.
وبعد استقلال إريتريا عام 1993 اتهمت أسمرة الخرطوم بدعم جماعات إسلامية معارضة داخلها، ورد أفورقي باحتضان فصائل من المعارضة السودانية ضمن محور إقليمي ضم آنذاك إثيوبيا وأوغندا، وبدعم غير مباشر من الولايات المتحدة في إطار استراتيجية احتواء نفوذ نظام البشير.
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023 دخل هذا النسق مرحلة أكثر كثافة، اتسمت بتحركات متبادلة سعت إلى إعادة تعريف موقع كل طرف في معادلة إقليمية مضطربة. من الجانب الإريتري، تحركت أسمرة لتثبيت حضورها في شرق السودان وعلى تخوم البحر الأحمر، عبر قنوات سياسية وأمنية هدفت إلى الحفاظ على خطوط اتصال مباشرة مع المؤسسة العسكرية السودانية، وتقديم نفسها كفاعل ضروري في هندسة التوازنات الحدودية. بلغ هذا المسار ذروته في الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حين زار الرئيس الإريتري مدينة بورتسودان في أول زيارة له إلى السودان منذ اندلاع الحرب، بدعوة من الفريق أول عبدالفتاح البرهان. لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل جاءت في توقيت حساس لتأكيد دعم أسمرة للسلطة العسكرية السودانية، ومناقشة تطورات النزاع، وأمن البحر الأحمر، ومستقبل الترتيبات الإقليمية في القرن الأفريقي.
في المقابل، تحرك السودان باتجاه إريتريا ضمن مسعى لتوسيع دائرة الشركاء الإقليميين في لحظة ضاغطة داخلياً ومفتوحة خارجياً على احتمالات متعددة. هذا التوجه ترجم في سلسلة زيارات رسمية إلى أسمرة منذ 2024، شملت لقاءات أمنية وسياسية هدفت إلى تثبيت قنوات التنسيق، كان آخرها زيارة وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم ووزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر. لم تكن الزيارة الأخيرة معزولة عن هذا السياق، بل جاءت امتداداً لمسار انفتاح تدريجي يسعى إلى تحويل العلاقة من مجرد إدارة للأزمات إلى إطار تعاون أكثر انتظاماً.
نبرة مزدوجة
تعامل أفورقي مع السودان بوصفه موقعاً مفصلياً تتقاطع عنده رهانات الأمن والشرعية والنفوذ، يقترب حين تملي المصالح ذلك، ويتباعد عندما تميل موازين القوة في اتجاه آخر. وفي العقدين الأولين من العلاقة، اتسم خطابه تجاه الخرطوم بنبرة مزدوجة تجمع بين الإقرار بثقل السودان الإقليمي، والسعي المنهجي إلى تحجيم تأثيره في ملفات القرن الأفريقي. في هذا السياق، برزت المرحلة الكاشفة لطبيعة هذا النهج، بتحول أسمرة إلى ملاذ للمعارضة السودانية، كجزء من مقاربة أوسع اعتمدت توظيف الخصومات الداخلية للدول المجاورة بوصفها أدوات لإعادة رسم موازين القوة الإقليمية.
بلغ هذا المسار ذروة لافتة عام 2018، حين تفجرت أزمة صامتة حملت في طياتها أكثر من سبب ظاهر. في ذلك العام، ارتبط التوتر بتقارب إريتريا مع مصر في لحظة تدهور للعلاقات المصرية – السودانية، وبقرار الخرطوم تعزيز وجودها العسكري على الحدود بذريعة مكافحة الاتجار بالبشر. غير أن معطيات تسربت آنذاك رسمت صورة أعمق، إذ أشارت إلى امتلاك الخرطوم معلومات موثوقة عن مساعٍ لدعم ترتيبات سياسية تستهدف إقصاء البشير، والدفع ببديل ينظر إليه باعتباره أكثر انسجاماً مع مقاربات واشنطن.
حمل الفريق أول بكري حسن صالح تلك الرسائل إلى أسمرة وعاد بها كما هي، لتدخل العلاقة مرحلة برود حاد تجلى في إغلاق الحدود وتجميد التبادل غير الرسمي الذي كان شرياناً اقتصادياً مهماً لإريتريا، في وقت كانت فيه محاطة بتوترات مع جيبوتي وإثيوبيا واليمن، مما عمق حاجتها إلى محاور إقليمية بديلة.
بعد سقوط البشير ثم اندلاع الحرب في السودان، أعاد أفورقي ترتيب أوراقه، وبدا في الإقليم كفاعل يسعى إلى تسويق نفسه وسيطاً محتملاً، بينما سارت سياساته على خط أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى صناعة التسويات. اتجهت أسمرة إلى توطيد صلاتها بالمؤسسة العسكرية السودانية، مستثمرة تشظي المشهد الأمني لتعزيز حضورها في شرق السودان وعلى تخوم البحر الأحمر. وفي هذه المرحلة، اتخذ موقف أفورقي طابع الشريك الحذر الذي يرى في مسار الحرب فرصة لإعادة تثبيت موقع إريتريا لاعباً ضرورياً في معادلات الأمن الإقليمي.
معادلة جيوسياسية
يراهن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي على السودان بوصفه حجر الزاوية في معادلة أمنية تتجاوز حدود الدولتين إلى عمق القرن الأفريقي والبحر الأحمر. في هذا الرهان، لا يظهر السودان كمجرد جار مضطرب وحسب، بل فضاءً استراتيجياً تتكثف فيه مخاوف إريتريا الوجودية من التفكك الإقليمي، وتتشكل عبره فرص إعادة التموضع في نظام إقليمي شديد السيولة. أفورقي، الذي صاغ تجربته السياسية في سياق حرب طويلة من أجل البقاء، ينظر إلى الاستقرار بوصفه القيمة العليا، وإلى السيطرة المركزية باعتبارها الشرط الأول لدوام الدولة.
من هذا المنظور، تتحدد مقاربته للسودان على قاعدة واضحة، “الدولة القوية”، حتى وإن كانت محكومة بمنطق أمني صارم، أولى بالرهان من دولة مفتوحة على تعددية مسلحة وصراعات نفوذ عابرة للحدود. لذلك، مال في السنوات الأخيرة إلى دعم المؤسسة العسكرية السودانية، لا بدافع الانحياز الأيديولوجي، بل انطلاقاً من حسابات ترى في الجيش الضامن الأقدر على حفظ وحدة الكيان السياسي ومنع تحول السودان إلى مساحة فراغ تستدعي تدخلات متشابكة.
رهان أفورقي يتغذى أيضاً من علاقته المركبة بإثيوبيا، فعلى رغم التقارب الذي أعقب اتفاق السلام بين أسمرة وأديس أبابا عام 2018، ظل هذا التقارب محكوماً بالحذر وتوازن المصالح. هنا يكتسب السودان قيمة مضاعفة، عمقاً جغرافياً يمكنه موازنة الثقل الإثيوبي، وساحة يمكن عبرها ضبط إيقاع النفوذ في منطقة تتنازعها قوى متعددة. سودان متماسك، متقاطع المصالح مع إريتريا، يمنح أفورقي ورقة استراتيجية في معادلة النفوذ الإقليمي، ويحد من احتمالات تطويق بلاده سياسياً وأمنياً.
في الوقت ذاته، يمتد هذا الرهان إلى ساحة البحر الأحمر، حيث تتقاطع حسابات مصر وتركيا ودول الخليج. يدرك أفورقي أن هذا الممر لم يعد مجرد شريان للتجارة العالمية، بل صار مسرحاً للتنافس على النفوذ والتموضع العسكري. في هذه البيئة، يبدو السودان حلقة الوصل التي تمنح إريتريا وزناً يفوق حجمها الجغرافي، ويتيح لها الدخول في ترتيبات إقليمية تعزز مكانتها بعد سنوات من العزلة.
هكذا يتبلور رهان أفورقي على السودان كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الصلب، ويرى في الدولة المركزية القوية ضمانة للأمن الإقليمي، وفي السودان المستقر شريكاً لا غنى عنه لإعادة رسم موازين القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ضمن رؤية تقدم بقاء الدولة على إغراءات الانتقال السياسي، وتضع الأمن في قلب المعادلة الجيوسياسية.
تعقيدات المقاربة
في عمق القرن الأفريقي تتشابك خيوط التاريخ والجغرافيا والسياسة في نسيج معقد لا يلتقطه من ينظر إلى المشهد بعين الرهانات البسيطة. هنا، لا تكفي الحسابات العسكرية، ولا ينجح التصور الذي يراهن على الدولة المركزية وحدها بوصفها صمام أمان. وفي هذا السياق، تبدو مقاربة أسياس أفورقي للسودان محاطة بتعقيدات أربعة تجعل هذا الرهان أقل جدوى مما يتصور.
أول هذه التعقيدات يتمثل في الطبيعة متعددة الأقطاب للصراع الإقليمي. فالقرن الأفريقي لم يعد ساحة توازنات ثنائية، بل فضاء تتقاطع فيه مصالح إقليمية، إلى جانب حضور دولي فاعل. يظهر ذلك بوضوح في البحر الأحمر، حيث تتجاور القواعد العسكرية والتفاهمات الأمنية المتناقضة. في مثل هذا المشهد، يتحول دعم طرف سوداني بعينه إلى عنصر إضافي في لعبة النفوذ، إذ تجد كل قوة خارجية في الحرب فرصة لإعادة التموضع لا لبناء تسوية.
ثاني التعقيدات يتجلى في تفكك المشهد السوداني نفسه. الحرب لم تعد مواجهة بين جيش وقوة موازية، بل تحولت إلى شبكة من الصراعات الفرعية تمتد من دارفور إلى شرق السودان. صعود الفصائل المحلية، وتنامي اقتصاد الحرب حول الذهب والتهريب والمعابر الحدودية، أنتج مراكز قوة لا تخضع لمنطق العاصمة. في هذه البيئة، يصبح الرهان على مؤسسة مركزية قادرة على فرض وحدة القرار، رهاناً يصطدم بواقع تتوزع فيه السلطة على جغرافيا السلاح والموارد.
ثالثها يتمثل في تداخل العوامل الاقتصادية مع الحسابات الأمنية. السودان اليوم ليس فقط دولة مأزومة سياسياً، بل اقتصاداً متشظياً تتحكم فيه شبكات عابرة للحدود. طرق تهريب الذهب عبر ليبيا وتشاد، ومسارات السلاح عبر القرن الأفريقي، جعلت الصراع جزءاً من منظومة مصالح إقليمية أوسع. في مثل هذا السياق، لا يؤدي دعم الاستقرار العسكري بالضرورة إلى تفكيك هذه الشبكات، بل قد يمنحها غطاءً جديداً يعيد إنتاج الفوضى في صورة أكثر تنظيماً.
أما التعقيد الرابع فيكمن في البعد الاجتماعي والإنساني. ملايين النازحين داخل السودان وخارجه، وتفكك النسيج المجتمعي في دارفور وكردفان والشرق، خلق واقعاً تتآكل فيه فكرة الدولة قبل أن تستعاد. التجربة الصومالية تظل ماثلة في الذاكرة الإقليمية، دولة امتلكت جيوشاً وحلفاء، لكنها فقدت المجتمع الذي يمنح السلطة معناها. في هذا السياق، يصبح الاستقرار الأمني دون مصالحة وطنية أشبه بواجهة صلبة لبناء هش.
بهذه التعقيدات الأربعة، يتضح أن رهان أفورقي على السودان يصطدم ببيئة إقليمية لا تُدار بمنطق السيطرة وحدها، فالقرن الأفريقي فضاء تتشابك فيه المصالح والهويات والموارد على نحو يجعل أي رهان أحادي الاتجاه عرضة للتآكل، مهما بدا في لحظته الأولى محسوباً بدقة.
توقع المسار
تتشكل توقعات ترتكز على بنية ذهنية وسياسية خاصة بطبيعة النظام الإريتري، فأفورقي يتواءم تاريخياً مع نهج يقوم على العزلة السيادية والانغلاق المدروس، حيث تدار العلاقات الخارجية بوصفها امتداداً لأمن داخلي صارم، لا كفضاء مفتوح للتسويات الكبرى.
في هذا الإطار، يبرز سيناريو التقارب مع السودان بوصفه احتمالاً مشروطاً بطبيعة المسار السياسي الذي ستسلكه الخرطوم. إذا اتجهت الأزمة نحو تسوية دولية الطابع، تصاغ في العواصم الغربية وتدار عبر أطر أميركية، فإن هذا المسار يضع أفورقي أمام معضلة استراتيجية، القبول بدور ثانوي في معادلة لا يثق في هندستها، أو التراجع خطوة إلى الخلف، حفاظاً على منطق استقلال القرار الذي يشكل جوهر خطابه منذ عقود. في مثل هذا السياق، يصبح التقارب محدوداً، محكوماً بقنوات أمنية ضيقة، بعيداً من أي شراكة سياسية واسعة.
أما إذا تبلورت في السودان صيغة أكثر انغلاقاً، تقوم على تسوية إقليمية منخفضة السقف الدولي، تُدار عبر توازنات محلية ودعم إقليمي محدود، فإن أفورقي يجد نفسه في بيئة أكثر انسجاماً مع منطقه السياسي. هنا قد يراهن على بناء علاقة تقوم على تبادل المصالح الأمنية، وضبط الحدود، وإدارة الملفات الحساسة بعيداً من الضوء الدولي الساطع. هذا النمط من التقارب، إن حدث، يتطلب أفقاً زمنياً يراوح بين عامين وخمسة أعوام، إذ يبنى تدريجاً مع تشكل ملامح نظام سوداني أقل ارتهاناً للضغوط الخارجية.
العامل الحاسم في هذه المعادلة يظل طبيعة التسوية في السودان، أكثر من طبيعة العلاقة الثنائية نفسها. أفورقي لا ينظر إلى الخرطوم بوصفها مجرد جار مضطرب، بل بوصفها ساحة اختبار لمعادلة أوسع، هل يتقدم نموذج التسويات الدولية المفتوحة، أم يستمر نموذج الدولة التي تدير أزماتها في دوائر ضيقة، بعيداً من هندسة الخارج؟ في ضوء هذا السؤال تتحدد مسافة القرب أو البعد، ويتشكل الزمن السياسي للعلاقة.
بهذا المعنى، يصبح التوقع حول مسار أفورقي مع السودان قراءة في فلسفة حكم قبل أن يكون استشرافاً لعلاقة بين دولتين. في القرن الأفريقي، حيث تختلط السيادة بالهواجس التاريخية، لا تبنى التحالفات على المصالح الآنية وحدها، بل على درجة الانسجام بين تصورات القادة لطبيعة العالم، وحدود الانتظام فيه، وثمن الانفتاح على خرائط النفوذ الكبرى.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة