آخر الأخبار

أنقذوا مسيحيي السودان

شارك

عبدالمنعم سليمان

في الوقت الذي يئن فيه الشعب السوداني تحت وطأة حربٍ مدمرة أتت على الأخضر واليابس، بدأت تتكشف ملامح تصفية حسابات ذات طابع أيديولوجي تستهدف النسيج الاجتماعي والديني للبلاد.

التقرير الاستقصائي الذي بثته قناة “سكاي نيوز عربية” الخميس الماضي تحت عنوان: (مسيحيو السودان.. بين الإيمان والكيزان)، لم يكن مجرد رصد لانتهاكات عابرة، بل جاء بمثابة صرخة تحذير من عودة سياسات الإقصاء الديني التي ميزت ثلاثة عقود من حكم تنظيم الإخوان المسلمين (الكيزان).

التقرير، المدعوم بأدلة مرئية وشهادات مسموعة منشورة، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدّم قرائن واضحة تشير إلى طابعٍ ممنهجٍ لانتهاكات تستهدف المسيحيين، بما يتجاوز توصيفها كأضرار عرضية للحرب.

يكشف التقرير عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة؛ فمنذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء من العاصمة في مارس 2025، وثّقت مصادر كنسية هدم 13 كنيسة وتهجير أكثر من 35 ألف مسيحي.

المثير للقلق ليس الهدم بحد ذاته فحسب، بل الغطاء الإداري الذي يُنفَّذ من خلاله، حيث تُستخدم ذريعة إزالة العشوائيات لتفكيك دور العبادة في مناطق الهامش التي يسكنها مواطنون ينحدرون من جبال النوبة والنيل الأزرق.

هذه الممارسات، التي تشرف عليها لجان أمنية يهيمن عليها عناصر النظام السابق، تعيد إلى الذاكرة الجمعية السودانية حقبة “الدولة الرسالية” التي ثار عليها الشعب السوداني عام 2018،

وهي الحقبة التي كانت تضيق بالآخر الديني، وتعتبر التعددية الثقافية تهديدًا لمركزية السلطة.

لم تقتصر الانتهاكات على مناطق النزاع، بل امتدت إلى العاصمة البديلة، بورتسودان.

إن استهداف الكنائس بالرسائل التحريضية، وكتابة الشعارات الدينية بالطلاء الأحمر على جدرانها في وضح النهار، وقبالة مراكز الشرطة، يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الفضاء العام في السودان لم يعد يتسع لغير لون واحد.

ويعزز صمت السلطات المحلية ورفض الشرطة للتعليق فرضية التواطؤ الممنهج، أو في الحد الأدنى، العجز المتعمد عن حماية الأقليات الدينية.

ينتقل التقرير إلى البعد الأكثر دموية في جبال النوبة، حيث تحولت احتفالات الميلاد في قرية “جلود” إلى مأتم جماعي إثر قصف بمسيّرات تابعة للجيش.

إن استهداف المراكز الصحية والمدارس في مناطق ذات أغلبية مسيحية، مثل منطقة “كومو”، لا يمكن قراءته بمعزل عن استراتيجية الأرض المحروقة، وما يصاحبها من تهجير قسري للمواطنين المسيحيين من مناطقهم في العاصمة.

ويصف معلقون ذلك بمحاولة لإعادة هندسة ثقافية واجتماعية تستهدف المكونات غير العربية وغير الإسلامية.

شهادات الضحايا الصادمة التي وردت في التقرير، مثل “ريبيكا توتو” و “زكريا كالوكا”، الذي فقد طفلته ذات الاثني عشر عامًا، تعكس عمق الجرح الإنساني.

إنها قصص تخرج من تحت الركام لتؤكد أن الحرب في السودان لم تعد صراعًا على السلطة فحسب، بل تحولت إلى حرب ضد الحياة المدنية وتنوعها.

الجذور التاريخية لهذا الاضطهاد تعود إلى انقلاب الإسلاميين بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير عام 1989، حيث تعرض المسيحيون لمضايقات أدت إلى هجرات واسعة إلى خارج السودان.

ورغم نافذة الأمل التي فُتحت خلال حكومة الفترة الانتقالية المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، والتي شهدت إصلاحات قانونية جوهرية لتعزيز الحريات الدينية، فإن انقلاب 25 أكتوبر 2021، والتحالف اللاحق مع فلول النظام السابق، وأدا تلك التجربة في مهدها.

إن ما يتعرض له مسيحيو السودان اليوم لا يبدو مجرد أضرار جانبية للحرب، بل أقرب إلى استئناف لمشروع قديم يسعى إلى استخدام الدين كأداة للإخضاع السياسي.

إن استهداف دور العبادة والمدارس والمراكز الصحية هو استهداف للهوية السودانية المتعددة في جوهرها.

وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي لوضع حد لهذه الانتهاكات الممنهجة، وإنقاذ المسيحيين من سدنة الدولة الثيوقراطية في بورتسودان، فإن السودان لا يواجه خطر التفتت الجغرافي فحسب، بل يواجه خطر الانهيار الأخلاقي والاجتماعي، حيث يُطرد المواطن من وطنه لا لشيء إلا لتمسكه بإيمانه أو لاختلافه العرقي.

إن قضية مسيحيي السودان هي الاختبار الحقيقي لما تبقى من مفهوم الدولة الوطنية في السودان المكلوم بـ “إخوانه”.

العين الاخبارية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا