آخر الأخبار

اشتعال "حرب الحدود" بين الجيش والدعم السريع في دارفور

شارك

تشنّ قوات الدعم السريع، التي تقاتل الجيش السوداني منذ 15 إبريل/نيسان 2023، هجمات مكثفة هذه الأيام للسيطرة على مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو وعدد من القرى الصغيرة التابعة لها في دارفور، في محاولة للسيطرة على آخر معاقل الجيش والقوات المساندة له وأهمها في إقليم دارفور غربي السودان. وكانت أبرز تلك الهجمات والمعارك يوم الجمعة الماضي على منطقة جرجيرة، حيث اقتحمت “الدعم السريع” المنطقة وأعلنت السيطرة عليها، قبل أن تشنّ “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح” الموقعة على سلام مع الحكومة والمساندة للجيش هجوماً وتسترد المنطقة من جديد، في وقت واصل فيه الجيش شنّ غارات بالطائرات المسيّرة مستهدفاً تجمعات “الدعم” والمليشيات الموالية لها في تلك المناطق القريبة من الحدود السودانية التشادية.

آخر معاقل الجيش في دارفور

وشنّت قوات “الدعم السريع”، أمس السبت، هجوماً جديداً على منطقة مستورة التابعة لمحلية (بلدية) كلبس بولاية شمال دارفور، ونشر مقاتلوها مقاطع فيديو من داخل المنطقة وهم يتوعدون الجيش والقوة المشتركة ويدعونهم إلى المواجهة. وجاء الهجوم بعد أن نشر مقاتلون من “الدعم”، أول من أمس الجمعة، مقاطع فيديو وهم داخل منطقة جرجيرة، مؤكدين السيطرة عليها واستمرار الزحف حتى منطقة الطينة الحدودية، قبل أن تشنّ “القوة المشتركة” بدورها هجوماً بعدد كبير من المركبات العسكرية وتدخل في مطاردة مع “الدعم” وتتمكن من استعادة منطقة جرجيرة، وسط اشتعال النيران وتصاعد أعمدة اللهب والدخان من السيارات المحترقة، بحسب ما أظهرت مقاطع نشرها المقاتلون على منصة فيسبوك.

تعد الطينة وكرنوي وأمبرو وأبو قمرة وجرجيرة آخر معاقل الجيش في شمال دارفور وغربه

وتعد مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو وأبو قمرة وجرجيرة القريبة من الحدود السودانية التشادية آخر معاقل الجيش السوداني والقوات المساندة له من الحركات المسلحة في شمال دارفور وغربه بعد سيطرة “الدعم” في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، والتي كانت تمثل أكبر معاقل الجيش في الإقليم ومقراً لقيادة الفرقة السادسة مشاة.

وفي هذا الصدد، قال رئيس حركة تحرير السودان – قيادة “مناوي” بولاية شمال دارفور محمد آدم كش، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن مليشيا الدعم السريع تواصل عملية التغيير الديمغرافي الذي بدأته منذ سنوات طويلة للتخلص من المجتمعات الأصيلة في المنطقة وتبديلها بمجتمعات وافدة من خارج البلاد. وأضاف أن “الدعم” شنّت هجمات على مناطق أمبرو وكرنوي والطينة، وتم التصدي للمهاجمين رغم الفارق الكبير في العتاد والتسليح بسبب الدعم الخارجي الذي تحصل عليه “الدعم”. وذكر أنها هاجمت، يوم الجمعة الماضي، منطقة أبو جداد، ولكن القوة المشتركة والمقاومة الشعبية تمكنتا من صدّ الهجوم وهزيمة المعتدين، كما تمّ أيضاً صدّ هجوم كبير لـ”الدعم” وقتل قائد قواتها المهاجمة واسترداد منطقة جرجيرة.

وحذّر محمد آدم كش من أن المشروع كبير ويتمثل في تغيير ديمغرافي بدأ من غرب دارفور عند مدينة الجنينة، ثم مدينة نيالا في جنوب دارفور، والفاشر بشمال دارفور، ثم الآن مناطق دار زغاوة، لافتاً إلى أنه في مدينة الفاشر تمّ تحويل مساكن المواطنين لصالح أشخاص آخرين جاؤوا من خارج البلاد وتمّ تسليمهم أملاك السكّان. وذكر أن “الدعم السريع” تعمل على طمس التاريخ والجغرافية معاً برعاية من الإمارات ودول أخرى، داعياً الشباب إلى الدفاع عن مناطقهم وحضارتهم وإرثهم.

وبالتزامن مع معارك الجمعة، توعد حاكم إقليم دارفور في الحكومة المركزية مني أركو مناوي بمحاسبة “الدعم السريع” على الجرائم التي ترتكبها بحق المجتمعات في إقليم دارفور، وشدّد على الاستمرار في المعركة حتى الاقتصاص من “المجرمين، وحتى يعود أهلنا إلى منازلهم وقراهم أعزاء آمنين، وتُجتث هذه المليشيا من جذورها وتطوى صفحتها الدموية إلى غير رجعة”. وقال مناوي في تصريح على صفحته في “فيسبوك” إن “أبطالنا في محوري شمال وغرب دارفور دكّوا حصون مليشيا الجنجويد (الدعم السريع) وأثبتوا أن الأرض لا يحميها إلا الشجعان ولا يصون كرامتها إلا من آمن بها وطناً لا غنيمة”. وأضاف: “لا عزاء لمليشيا آل دقلو الإرهابية، تلك العصابة التي حاولت سرقة أراضي الآخرين وانتهكت الحرمات وروعت الآمنين وظنت أن بطشها سيكسر إرادة أهل دارفور… إن ما اقترفته هذه المليشيا في حقّ أهلنا في إقليم دارفور لن ينسى ولن يغتفر ولن يمر دون حساب”.

محمد آدم كش: “الدعم السريع” تواصل عملية التغيير الديمغرافي للتخلص من المجتمعات الأصيلة في المنطقة

وكانت “الدعم السريع” أعلنت، في 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، السيطرة على بلدتي أبو قمرة وأمبرو في شمال منطقة دارفور الشاسعة، وكلتاهما واقعتان على الحدود بين السودان وتشاد بالقرب من بلدة الطينة التشادية، حيث خاضت معارك مع الجيش والقوات المساندة له. وفي 3 يناير/كانون الثاني الحالي، بثّت “الدعم السريع” مقطع فيديو دعائياً من منطقة أبو قمرة، قائلة إن الحياة عادت إلى طبيعتها في المنطقة وإنها تشهد استقراراً أمنياً مع عودة الأنشطة اليومية، كما بثّت شهادات لمواطنين يتحدثون عن استقرار الأوضاع. وأعلنت “الدعم” في الفيديو الالتزام بتوجيهات قيادتها بإخلاء كل المناطق “المحررة” من الوجود العسكري، مبينة أن القوات خرجت من أبو قمرة لترك المواطنين يمارسون حياتهم، وأن حركة “تجمع تحرير السودان” بقيادة الطاهر حجر هي المسؤولة عن تأمين البلدة.

وتشن “الدعم السريع” هجماتها في دارفور بمساندة من حركة “تحرير السودان – المجلس الانتقالي” بقيادة الهادي إدريس، وحركة “تجمع قوى تحرير السودان” بقيادة الطاهر حجر، و”حركة العدل والمساواة” التي يقودها سليمان صندل، ومليشيات قبلية أخرى موالية لها.

وقال مصدر عسكري في القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح لـ”العربي الجديد” إن قواتهم استعادت السيطرة الكاملة على منطقة أمبرو في 30 ديسمبر الماضي، بعد اقتحامها وعدد من المناطق من “الدعم”، وأضاف أن القوة المشتركة نفذت التفافاً ناجحاً على المهاجمين إلى جانب هجمات دقيقة شنّتها مسيّرات الجيش، ما أسفر عن وقوع خسائر في صفوف “الدعم السريع” أجبرتها على التراجع من المنطقة.

وأكد مصدر عسكري آخر لـ”العربي الجديد” أن “الدعم” وزّعت قواتها خلال الأيام الماضية على أطراف بلدات كرنوي وأبو قمرة تجنباً لاستهداف مسيّرات الجيش السوداني، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن “الدعم السريع” تهدف من التحرك في هذا المحور إلى تطويق قوات الجيش والقوات المشتركة في الطينة ومنطقة جرجيرة على الحدود التشادية.

في السياق، أكد مصدر محلي من أعيان المنطقة، لـ”العربي الجديد”، رصد تحركات مُكثفة لـ”الدعم” في الأيام الماضية بمنطقة وادي باري في محلية كتم بولاية شمال دارفور، يُعتقد أنها تستهدف التقدم نحو بلدة الطينة. وتوجد في تلك البلدات حامية للجيش السوداني الذي عزّز وجوده بالعناصر المنسحبين من قواته في الجنينة والفاشر إلى جانب القوات الأخرى المتحالفة معه من القوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات المقاومة الشعبية.

خوف على طرق الإمداد

وقال ضابط سابق في الجيش فضّل عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”، إن وجود الجيش والقوات المساندة له في منطقة الطينة الحدودية مع تشاد ومنطقة أمبرو وغيرها من المناطق المحسوبة على دار زغاوة (مناطق قبيلة الزغاوة) يُعتبر مصدر قلق بالنسبة لـ”الدعم” بسبب عمليات توصيل وتأمين الإمداد القادم من دولة ليبيا عبر منطقة المثلث الحدودي بين السودان وتشاد وليبيا، بالإضافة إلى أن هذا الوجود يضع “الدعم” في حالة استعداد دائم تأهباً لأي هجمات مباغتة أو عمليات نوعية يُمكن أن يشنها الجيش ومساندوه على المدن والبلدات القريبة الخاضعة لسيطرتها، خصوصاً أن “الدعم السريع” دفعت بقوتها الصلبة نحو مناطق القتال في إقليم كردفان.

وكانت غرف طوارئ القطاع الغربي (مجموعة تطوعية)، التي تضم مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو، قد دانت الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها ولاية شمال دارفور، لا سيما في مناطق أمبرو وكرنوي وأبو قمرة والطينة، والتي أسفرت عن مقتل مئات المدنيين الأبرياء، بينهم نساء وأطفال وكبار سنّ، إضافة إلى موجات نزوح واسعة نتيجة هجمات “الدعم السريع”. وأضافت الغرفة في بيان، يوم 30 ديسمبر الماضي، أن ما جرى لا يمكن اعتباره أحداثاً معزولة أو أضراراً جانبية للحرب، بل يمثل هجمات ممنهجة ومتعمدة ضد المدنيين، شملت القتل الجماعي، والاستهداف على أساس عرقي، ونهب الممتلكات، وهي أفعال ترقى بوضوح إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقاً للقانون الدولي الإنساني، ودعت إلى التحرك الفوري والجاد لوضع حد لهذه الانتهاكات، وحماية ما تبقى من أرواح المدنيين في شمال دارفور.

طاولت المعارك بين الجيش والقوات المساندة وبين “الدعم” نهاية ديسمبر الأراضي التشادية

من جهتها، كانت غرفة طوارئ منطقة كرنوي قد أعلنت في بيان، في الثاني يناير الحالي، أن قوات “الدعم السريع” شنّت هجمات على بلدة كرنوي ومارست الانتهاكات ضد المواطنين الأبرياء العزل والنازحين المقيمين في مراكز الإيواء، ونتج عن ذلك تهجير المواطنين المحليين إلى مناطق أقل استقراراً، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وأضافت الغرفة أن المواطنين والنازحين باتوا في أوضاع اجتماعية بالغة الصعوبة، ويعانون من كارثة إنسانية ويفتقرون إلى الأكل والشرب والصحة ومواد الإيواء وكل مستلزمات الحياة الأساسية. وتابعت: “حشدت قوات الدعم السريع مليشيات موالية لها تمارس كافة أنواع الانتهاكات التي لا تمت بصلة إلى الأفعال البشرية، لافتة إلى أن هناك أكثر من 300 مواطن قتلوا على أساس عرقي، والعشرات اختطفوا مع مطالبة بفديات وسرقة ونهب كل ما وقع على طريقهم، حتى مستلزمات النساء والأطفال من ملابس وألعاب”.

وطاولت المعارك التي دارت بين الجيش والقوات المساندة له وبين و”الدعم السريع”، نهاية ديسمبر الماضي، الأراضي التشادية عند الحدود الغربية بين البلدين، إذ أعلنت القيادة العامة للجيش التشادي في بيان، يوم 27 ديسمبر 2025، أن طائرة مسيّرة استهدفت معسكراً للجيش في منطقة طينة بولاية وادي فيرا، شمال شرقي البلاد، ما أسفر عن مقتل جنديين وإصابة عسكري ثالث. وقالت القيادة إن الهجوم وقع قرب الحدود مع السودان، معربة عن إدانتها الهجوم الذي اعتبرته “توغلاً واعتداءً غير مبرر على السيادة الوطنية”، ومحذّرة أطراف النزاع في السودان من أي انتهاك جديد للأراضي التشادية. وقد تبادل الجيش السوداني و”الدعم السريع” الاتهامات بالوقوف وراء الهجوم الذي استهدف المعسكر التشادي.

وكان المتحدث باسم الجيش السوداني العميد عاصم عوض قال في بيان، يوم الجمعة الماضي، إن وحداتهم الجوية والبرّية نفذت هذا الأسبوع غارات مكثفة على تمركزات “الدعم السريع” في إقليمي دارفور وكردفان وطرق تُقرب تحركاتها من الجنوب الليبي، مضيفاً أنه تمكن من تدمير أكثر من 240 مركبة قتالية وهلاك المئات من “المليشيات الإرهابية” التابعة لـ”الدعم”، وأشار إلى أنه تمّ أيضاً تدمير عدد من المسيّرات الاستراتيجية والمخابئ ومحطات التشغيل في مطار مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا