آخر الأخبار

سكان جنوب كردفان بين ناري الإخلاء ومآسي النزوح

شارك

ملخص

يقول نازحون إن الحركة الشعبية – شمال تفرض رسوماً على الأشخاص الفارين من كادوقلي والدلنج مقابل السماح لهم بالمرور في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

على الطريق القومي بين كادوقلي والدلنج يسكن فتحي كباشي مع أسرته في منزل من القش وحطب الأشجار، هرباً من القصف المدفعي والجوي الذي طاول جميع أحياء عاصمة ولاية جنوب كردفان، ويقضي يومه يفكر كثيراً في كيفية المغادرة بخاصة بعدما طالبت الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو السكان بمغادرة المدينتين إلى مناطق سيطرتها في الإقليم.

الحصار القاتل الذي تفرضه قوات “الدعم السريع” وحليفتها الحركة الشعبية على كادوقلي، وكذلك تفاقم الأزمة الإنسانية وانعدام المساعدات أسباب دفعت كباشي إلى الإيمان بأن النزوح إلى مناطق آمنة هو أفضل الخيارات والحلول لأسرته خصوصاً في ظل التصعيد العسكري في ولاية جنوب كردفان.

يرى كباشي في مطالب القوتين للسكان بإخلاء مدينتي كادوقلي والدلنج “تهجيراً قسرياً ومحاولة لإفراغ مدن الإقليم من المواطنين في مخطط لتغيير ديموغرافي كبير في المنطقة كلها”.

خيارات محدودة

بدوره قال إسماعيل بشارة الذي يسكن مدينة الدلنج إن “السكان يعيشون مخاوف مستمرة من تجدد المواجهات العسكرية أو اقتحام المدينة خصوصاً بعد تزايد التهديدات التي تطلقها الحركة الشعبية وقوات ’الدعم السريع‘ عبر منصاتهما في وسائل التواصل الاجتماعي، مما تسبب في حال من الهلع والخوف الشديدين وسط المواطنين”، وأضاف أن “التهديدات أسهمت بصورة واضحة في تسريع وتيرة النزوح من المدينة، إذ فضل عدد كبير من الأسر مغادرة الدلنج بحثاً عن مناطق أكثر أماناً، على رغم الظروف القاسية والكلفة الباهظة التي تواجههم خلال رحلة الفرار من نيران الحرب”.

وأوضح بشارة أن “خيارات النزوح باتت صعبة للغاية بخاصة بعد اكتظاظ مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان بالنازحين من غرب وشرق الإقليم، إذ يواجه الآلاف أزمة المأوى والغذاء ونقص الرعاية الصحية”، وتابع “يرفض الغالبية التوجه إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، ومن ثم فإن الخيارات محصورة بين ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض، أو البقاء تحت نيران القتال والانتهاكات الجسيمة”.

رسوم عبور

في السياق ذاته، أشار بابكر فارس الذي يسكن كادوقلي إلى أن “الحركة الشعبية – شمال تفرض رسوماً على الأشخاص الفارين من كادوقلي والدلنج مقابل السماح لهم بالمرور في المناطق الخاضعة لسيطرتها”، ولفت إلى أن “تلك القوات تجبر النازحين على دفع رسوم عبور تصل إلى 100 ألف جنيه سوداني نحو (30 دولاراً)، في وقت ترفض فيه للفارين الذين نفدت مدخراتهم المالية المرور، وتقوم بإعادة حتى الأطفال والمسنين”.

تطالب الحركة الشعبية الراغبين في العبور إلى دولة جنوب السودان باستخراج وثيقة سفر من السلطات التابعة لها (حسن حامد)

ونوه فارس بأن “هذه الرسوم تؤخذ مقابل السماح لهم بالمرور في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، إذ تفرض في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، مما جعل الخروج من كادوقلي والدلنج رحلة شاقة ومرهقة مادياً تفوق قدرات غالبية الأسر”، وأردف “في ظل الأوضاع الكارثية منعت تلك القوات عدداً كبيراً من النازحين من مغادرة مناطق سيطرتها باتجاه دولة جنوب السودان أو مناطق سيطرة الجيش السوداني من دون إبداء أسباب واضحة”.

تهجير قسري

من جانبها، حذرت الناشطة في العمل النسوي وحقوق المرأة علوية جقود من تصاعد عمليات التهجير القسري التي تسببت فيها الهجمات المسلحة لقوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية خلال الأيام الماضية بمدن الدلنج ودلامي وهيبان ولقاوا في ظل ظروف صعبة وعمليات نهب وتهديد على طرق الفرار، إضافة إلى انتهاكات واسعة ضد النساء والفتيات، وأوضحت أن “القوتين تجبران مئات الأسر على مغادرة منازلهم ودفعهم إلى الفرار نحو مناطق نائية تفتقر إلى الخدمات ومقومات الحياة في ظل تراجع القدرة على إيصال المساعدات، مما يفتح الباب أمام موجات جديدة من النزوح ويوسع دائرة المأساة الإنسانية”.

ولفتت جقود إلى أن “سكان مدينتي الدلنج وكادوقلي المحاصرتين يواجهون صعوبات كبيرة في الخروج منهما بسبب الطوق العسكري المشدد المضروب حولهما، وتطالب الحركة الشعبية الراغبين في العبور إلى دولة جنوب السودان باستخراج وثيقة سفر من السلطات التابعة لها، وهي إجراءات تستغرق وقتاً طويلاً، ومن ثم عرقلة عبور الآلاف أسابيع عدة وربما أشهراً”.

جوع ومرض

في المنحى ذاته، رأى المتخصص في مجال النزوح والهجرة طارق التهامي أن “ما يتعرض له المدنيون في ولاية جنوب كردفان من ضغوط لمغادرة مدن الإقليم، هو بصورة عامة نوع من التهجير القسري أكثر منه إجلاء طوعياً، فقد باتوا مجبرين على الفرار من منازلهم تحت ضغط الآلة العسكرية للحركة الشعبية وقوات ’الدعم السريع‘”، وتابع “من الواضح أن المدنيين في كادوقلي والدلنج تحولوا إلى ضحايا في جميع الأحوال، فبقاؤهم فيه خطر كبير ومهلكة لهم إن لم يكن بفعل المعارك أو القصف فبالجوع والمرض، وقد يكون في إجلائهم حفظاً لأراوحهم لكن ذلك ينبغي أن يكون بضمانات قانونية بعودتهم إلى ديارهم فور انجلاء الأخطار الراهنة”.

تحذيرات من موجات جديدة من النزوح وتوسيع دائرة المأساة الإنسانية (حسن حامد)

ونوه المتخصص في مجال النزوح والهجرة بأن “الإجلاء وفق القانون هو إحدى وسائل حماية المدنيين، لكن أن تقوم بالإجلاء الجهة نفسها التي تحاصر المدن وتتسبب في مأساة لسكان جنوب كردفان، فهو أمر يفرز كثيراً من علامات الاستفهام تجاه هذا السلوك المتناقض، إذ إن ما تقوم به الحركة الشعبية و’الدعم السريع’ من حصار ومنع المساعدات الإنسانية من دخول كادوقلي والدلنج هو السبب الرئيس في المأساة التي يعيشها السكان”.

مطالبة بالمغادرة

على الصعيد نفسه، قال مجلس جبال عموم النوبة إن “سلامة المدنيين وحماية أرواحهم تمثل أولوية قصوى، في وقت تشير فيه كل الاحتمالات إلى اندلاع مواجهات عسكرية واسعة النطاق في ولاية جنوب كردفان خلال الأيام المقبلة”.

وحث المجلس في بيان مواطني جبال النوبة بمختلف فئاتهم العمرية من نساء وأطفال وكبار سن على مغادرة مناطق التوتر والنزاع المسلح والتوجه نحو المناطق الأكثر أماناً، بما في ذلك المناطق الواقعة خارج دائرتي المواجهات العسكرية.

وحذر من أخطار استخدام وجود المدنيين داخل المدن لأغراض عسكرية، مؤكداً أن أبناء النوبة لن يكونوا وقوداً للحرب أو أدوات في صراع عسكري أو سياسي.

استقبال النازحين

إلى ذلك أفادت الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو بوصول نحو 583 ألف نازح فروا من مدينتي كادوقلي والدلنج، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.

وذكرت الحركة في بيان أن النازحين وصلوا إلى مراكز الإيواء عبر عدد من المعابر، إذ جرى تسجيل وصول نازحين من كادوقلي إلى مراكز إيواء في مقاطعات كادوقلي وتوبو وإنبونق وهيبان وهبيلا ودلامي، بينما توزع نازحون من الدلنج على مقاطعات الدلنج وهبيلا ولقاوا ودلامي وهيبان.

ودعت الحركة إلى السماح بعبور المدنيين عبر هذه المعابر من دون قيود أو مضايقات، معتبرة أن عرقلة حركة المواطنين تمثل انتهاكاً لحقوقهم.

أزمات وأخطار

وسط هذه الأجواء، قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن “أكثر من 3 آلاف شخص فروا من مدينة كادوقلي التي تحاصرها قوات ’الدعم السريع‘ ويسيطر عليها الجيش، بينما يعاني السكان المجاعة”.

والتهمت النيران 45 مأوى للنازحين بعد اشتعالها في منطقة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان، ووفقاً لمنظمة “ميرسي كوربس”، وهي واحدة من منظمات الإغاثة القليلة العاملة في كردفان، فإن الطرق الرئيسة غير آمنة مما يدفع العائلات إلى “خوض رحلات طويلة وعرضة للأخطار والنوم في أي مكان متاح”.

وتقول المديرة القطرية الموقتة للمنظمة ميجي باراك “الرحلات التي كانت تستغرق أربع ساعات في السابق باتت تجبر الناس على السير مدة تراوح ما بين 15 و30 يوماً عبر مناطق معزولة وأراضٍ مليئة بالألغام”.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا