آخر الأخبار

هل تنجح هدنة الشتاء المقترحة في وقف الانهيار السوداني؟

شارك

مع بداية عام 2026، يقف السودان عند تقاطع طرق هو الأكثر خطورة في تاريخه الحديث؛ فإما عبور جسور نحو استعادة الدولة عبر بوابة هدنة الشتاء المقترحة، أو انزلاق نهائي نحو تمزق عميق لم تعد معه جهود الإغاثة، مهما اتسعت، قادرة على منع الانهيار.

إن التحركات الدبلوماسية الأخيرة، التي تقودها مبادرة الرباعية، وتضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، إلى جانب اللقاءات المكثفة التي شهدتها أديس أبابا بحضور إماراتي فاعل، ليست مجرد جولة جديدة من الخطاب الدبلوماسي الدولي، بل محاولة جادة لصياغة معادلة بقاء تحفظ للسودان وجوده ككيان موحد.

فالولايات المتحدة، بتحديدها مطلع هذا العام موعدًا حاسمًا لهدنة الأشهر الثلاثة القابلة للتمديد، تضع الأطراف المتحاربة أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية، وتنقل الملف من إدارة الأزمة إلى فرض استحقاقات الحل.

ولا يمكن قراءة المشهد السياسي بمعزل عن الأرقام الصادمة التي أطلقها برنامج الأغذية العالمي الأسبوع الماضي؛ فعندما نتحدث عن حاجة ماسة إلى 695 مليون دولار قبل أبريل المقبل لتفادي توقف الإمدادات، فإننا لا نتحدث عن أزمة نقص في الغذاء، بل عن حكم بالإعدام على ملايين السودانيين.

كما أن نزوح أكثر من 65 ألف شخص من منطقة كردفان خلال شهرين فقط، وفق تقارير الأمم المتحدة، يعكس حجم الفظائع والانتهاكات التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء. وهنا تبرز أهمية ما تم التوافق عليه في أديس أبابا بين الجانبين الإماراتي والإثيوبي ومفوضية الاتحاد الأفريقي، إذ لم يعد المسار الإنساني ترفًا أو خيارًا، بل المدخل الوحيد والشرعي لأي عملية سياسية قادمة.

إن جوهر الأزمة اليوم يكمن في معادلة المسؤولية والمحاسبة. وقد كان المجتمعون في أديس أبابا واضحين في إدانتهم للفظائع التي تستهدف المدنيين، وفي تأكيدهم أن مسؤولية إنهاء الحرب تقع مباشرة على عاتق المتقاتلين.

وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية هدنة الشتاء على وقف إطلاق النار فحسب، بل تفتح المجال للتمهيد لعملية سياسية جادة تقودها القوى المدنية الديمقراطية، بما يضع أسس انتقال حقيقي للسلطة، ويحول دون إعادة تدوير الصراع أو إنتاج الحرب بأدوات مختلفة.

غير أن الإرادة الدولية مطالبة اليوم بتجاوز لغة المناشدات إلى لغة الضمانات. فأي هدنة لا تضمن ممرات آمنة، ولا تفتح الطريق أمام حكومة مدنية مستقلة تعيد للمواطن السوداني سيادته على أرضه، لن تكون سوى استراحة محارب لترتيب الصفوف العسكرية، وهو ما لا يملكه السودان من وقت أو قدرة على الاحتمال.

ختامًا، فإن استقرار السودان لا يعد شأنًا محليًا، بل يمثل حجر الزاوية لأمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والعمق العربي. وإن الالتزام الذي أبدته القوى الإقليمية والدولية بضرورة الانتقال السياسي الشفاف، يجب أن يقابله وعي وطني من الأطراف المتحاربة بأن انتصار أي طرف على ركام الدولة هو الهزيمة الكبرى.

لقد حان الوقت لتدرك البنادق أن صوت الجياع في الخرطوم ودارفور وكردفان أعلى من دوي الانفجارات؛ فإما سلام شجاع يفتح ممرات الحياة، أو استمرار في الانتحار الجماعي الذي لن يرحم فيه التاريخ أحدًا.

السودان اليوم لا يحتاج إلى اتفاقات ورقية جديدة، بل إلى صحوة ضمير سياسي تضع حدًا لهذه المأساة، قبل أن يجف ضرع المساعدات ويصبح السودان الحالي مجرد ذكرى في أرشيفات الأمم المتحدة.

النهار

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا