آخر الأخبار

شرق السودان يفتح جبهة السلاح المؤجلة على الحرب

شارك

منى عبد الفتاح

يبدو تاريخ الحركات المسلحة في شرق السودان نتاج تفاعل معقد بين مظالم مزمنة، وتوظيف سلطوي للانقسامات وتحولات إقليمية مما جعل الإقليم ساحة مفتوحة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والهامش، من دون أن تغادر جذور الأزمة مكانها حتى اليوم.

يعود شرق السودان إلى واجهة المشهد الوطني بوصفه مسرحاً لتشكل سياسي- عسكري دقيق، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الهوية، وتتشابك فيه حسابات المركز مع ذاكرة الإقليم المثقلة بالتهميش والوعود المؤجلة. ففي لحظة تتسع فيها رقعة الحرب وتتآكل فيها القدرة على الضبط، يبرز الشرق كمساحة اختبار جديدة لإعادة توزيع القوة، من خلال إعادة تعريف الفاعلين وأدوارهم ومطالبهم، فضلاً عن الجبهات المفتوحة.

إعلان قائد “حركة تحرير شرق السودان” إبراهيم دنيا، تسليم مطالب حركته إلى الحكومة السودانية عبر وساطة إريترية، يكشف عن مسار تفاوضي مواز يتشكل خارج القنوات التقليدية للدولة، ويشير إلى تأثير الجوار الإقليمي في معادلات الداخل. حديث دنيا عن رؤية متكاملة لدخول قوات الحركة إلى الإقليم، وربط مستقبل الشرق بمدى الاستجابة لهذه المطالب، يضع الحكومة أمام اختبار مركب: استيعاب المطالب قبل تحولها إلى وقائع ميدانية، أو تركها تتراكم حتى تعيد رسم ميزان القوة على الأرض.

في المقابل، تتعالى أصوات مدنية في الشرق محذرة من لحظة انفلات شامل، حيث يرى المتحدث باسم القوى المدنية صالح عمار، أن مصير البلاد بات معلقاً بسرعة الاستجابة للمبادرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمها مبادرة “الرباعية”. هذا التحذير يعكس خشية حقيقية من انتقال عدوى الحرب إلى إقليم ظل لعقود حارساً لبوابة البحر وممراً حيوياً للدولة.

توقيع خمس فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي على ميثاق تحالف “شرق السودان” يضيف طبقة جديدة من التعقيد. فاختيار هذه الفصائل التمايز عن الاصطفاف العسكري القائم، وتجنب الانتظام المباشر في الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الصراع في الشرق، وهل هو صراع على التمثيل والشرعية أم صراع على السلاح. هذا التموضع أثار مخاوف من توظيف الانقسام السياسي لتحويله إلى صدامات أهلية، بما يكرس احتكار القوة في يد مجموعات قبلية ارتبط نفوذها بالسلطة.

يتبلور في الإقليم تكتلان واضحان، تحالف جديد تقوده “مجموعة الخمس”، في مواجهة تكتل آخر بقيادة ناظر عموم الهدندوة محمد الأمين ترك، الحليف البارز للجيش والتيار الإسلامي، مع تموضع “الجبهة الشعبية” وذراعها العسكرية “الأورطة الشرقية” بقيادة الأمين داوود ضمن تحالف “الكتلة الديمقراطية” المساندة للمؤسسة العسكرية. خلف هذه الاصطفافات، تقف حقيقة تأسيس وتدريب قوات الفصائل الموقعة على الميثاق داخل الأراضي الإريترية، وانتماء غالبية عناصرها إلى مكونات البجا الكبرى، الهدندوة، والبني عامر، والأمرار، والجيملاب، والرشايدة، مما يمنح هذا التشكل بعداً اجتماعياً عميقاً يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة.

تهميش بنيوي

تشكلت الحركات المسلحة في شرق السودان ضمن سياق تاريخي طويل من التهميش البنيوي، حيث تداخلت الجغرافيا الطرفية مع اختلالات قسمة السلطة والثروة منذ ما قبل الاستقلال. مثل مؤتمر البجا، منذ تأسيسه عام 1950، التعبير السياسي الأبرز عن مطالب الإقليم، حاملاً قضايا التنمية والتمثيل والعدالة إلى المجال العام في وقت مبكر من تشكل الدولة السودانية. غير أن محدودية المكاسب السياسية، التي اقتصرت، في ما بعد، على تمثيل برلماني رمزي في فترات ديمقراطية قصيرة، عمقت الإحساس بالفجوة بين المركز والإقليم، ورسخت شعوراً بأن آليات السياسة التقليدية عاجزة عن تفكيك المظالم المتراكمة.

مع مطلع التسعينيات، وفي ظل قبضة نظام عمر البشير الأمنية وإعادة صياغته للعلاقة بين الدولة والأقاليم، انتقلت مطالب الشرق من ساحات السياسة إلى منطق السلاح. عام 1994 دخل مؤتمر البجا طور الكفاح المسلح، معتمداً على دعم إريتري استند إلى روابط تاريخية تشكلت خلال حرب التحرير الإريترية. هذا التحول وضع الشرق في قلب معادلة المعارضة المسلحة، وجعل المؤتمر أحد أعمدة التجمع الوطني الديمقراطي، حيث تلاقت المطالب الإقليمية مع رهانات التغيير الشامل، غير أن مسار التحالفات ظل هشاً ومتقلباً. ففي مفاوضات القاهرة عام 2005، تصاعد الإحساس داخل مؤتمر البجا بأن قضيته جرى تذويبها داخل أولويات أوسع، مما دفعه للعودة إلى الميدان. تزامن ذلك مع حراك شعبي سلمي في مدن الشرق، قوبل بعنف مفرط بلغ ذروته في أحداث بورتسودان الدامية، وهو ما رسخ قناعة واسعة بأن الدولة تتعامل مع الإقليم بوصفه ملفاً أمنياً لا شريكاً سياسياً.

على رغم أن اتفاق سلام شرق السودان عام 2006، الموقع في أسمرا بين الحكومة و”جبهة شرق السودان” التي جمعت مؤتمر البجا و”الأسود الحرة”، قد مثل محطة مفصلية، فإن هشاشة البنية التنظيمية، وضبابية الرؤية الاستراتيجية، والتأثير الإريتري المباشر، أضعفت قدرة الاتفاق على إحداث تحول عميق، وأسهمت في إعادة تدوير الانقسامات القبلية والسياسية داخل الإقليم، حيث تداخل السعي إلى السلطة مع تنافس الهويات المحلية.

خلال أعوام ما بعد الاتفاق، استثمر نظام البشير هذه الانقسامات عبر تحالفات انتقائية مع زعامات أهلية وحركات محددة، مما أبقى الشرق في حال سيولة سياسية. وبعد سقوط النظام عام 2019، انفجرت التوترات الكامنة في شكل صراعات قبلية متكررة، غذتها شبكات قديمة وخلافات جديدة حول مسار الشرق في اتفاق جوبا للسلام عام 2020. وفي هذا المناخ، برز المجلس الأعلى لنظارات البجا بقيادة محمد الأمين ترك لاعباً مركزياً، مستخدماً أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، وصولاً إلى إغلاق الموانئ، في مسار أعاد إنتاج التحالف بين جزء من النخبة المحلية والمؤسسة العسكرية.

فراغ استراتيجي

تكونت الحركات المسلحة الأخيرة في شرق السودان داخل فراغ استراتيجي أحدثته الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، حيث انكفأت الدولة إلى منطق البقاء، وتحول الإقليم إلى هامش مفتوح لإعادة تعريف القوة والشرعية. مع عسكرة المجال العام واتساع دائرة الاستقطاب، خرج الشرق من موقع المتفرج القلق إلى فضاء الفاعل الذي يعيد ترتيب أوراقه، مستنداً إلى تاريخ طويل من التهميش، وإلى إدراك متزايد بأن الحرب الدائرة تعيد توزيع النفوذ على حساب الأقاليم الطرفية.

شكل تدريب آلاف المقاتلين في معسكرات داخل إريتريا البنية الصلبة لهذا التحول. وبدت هذه المعسكرات كمختبرات لإعادة إنتاج قوات مقاتلة تستند إلى وظيفة السلاح، باعتبارها أداة ضغط سياسي، ووسيلة حماية للموارد، ورمز حضور في معادلة وطنية مغلقة، فتبلورت حركات ترى أن الشرق لا يحتمل أن يستدرج إلى حرب لم يكن طرفاً في قرار اندلاعها، وأن غيابه عن مراكز صناعة القرار لحظة تفجر النزاع يفرض عليه ابتكار أدوات تمثيله الخاصة.

أهداف هذه الحركات تشكلت عند تقاطع ثلاثة مسارات. المسار الأول، أمني- اجتماعي، يتمحور حول تحصين الإقليم من انتقال الحرب البرية أو تمددها عبر الغارات، في ظل استنزاف موارده وتحميله أعباء دولة تتآكل. المسار الثاني سياسي يسعى إلى فرض الشرق ككتلة تفاوضية متماسكة قادرة على مخاطبة المركز من موقع الندية، مستفيدة من هشاشة السلطة وتعدد المبادرات الإقليمية. أما المسار الثالث، فيتصل بإعادة تعريف مفهوم السلام ذاته، بوصفه تعبيراً عن قوة منظمة وسبيلاً لحماية الإقليم من أن يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة.

خطاب القيادات الجديدة، وعلى رأسها إبراهيم دنيا، يعكس هذا التحول بوضوح. فالدعوة إلى وقف الحرب، مقرونة بإبراز امتلاك قوة ميدانية معتبرة، تكشف عن استراتيجية مزدوجة، وهي نزع شرعية الحرب من دون التخلي عن أدوات الردع. هذا الخطاب وجد صداه في تحالف واسع يضم زعامات سياسية وقبلية ودينية ذات ثقل اجتماعي، من موسى محمد أحمد إلى محمد طاهر بيتاي، في محاولة لصياغة مظلة تتجاوز الانقسامات التقليدية داخل المكون البجاوي.

يتحرك هذا التحالف في بيئة إقليمية تتسم بتعدد المصالح وتنافس الرعاة، وفي فضاء داخلي يخشى انفراط العقد وتحول التباينات الإقليمية إلى وقود إضافي للنزاع. من هنا، تبدو الحركات المسلحة الأخيرة في شرق السودان نتاج لحظة تاريخية مركبة، حرب مركزية تفتح هوامش جديدة، وإقليم يسعى إلى تثبيت موقعه قبل أن تغلق نافذة إعادة التشكيل.

آليات الحركات

تتشكل آليات عمل الحركات المسلحة الخمس الجديدة في شرق السودان عند تقاطع السياسة بالاجتماع والسلاح، في لحظة تاريخية أعادت فيها الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” تعريف معنى الفاعلية الإقليمية. هذه الحركات لا تعمل كتنظيمات عسكرية تقليدية تسعى إلى الحسم، بل كقوى ضغط متعددة المستويات، تمزج بين التعبئة القبلية، والانتشار الميداني المحدود، والخطاب السياسي الموجه إلى الداخل والخارج في آن واحد.

في بنيتها التنظيمية، تعتمد هذه الحركات على شبكات اجتماعية راسخة داخل مكونات البجا، إذ يتحول الانتماء القبلي من إطار هوياتي إلى رافعة تعبئة وانضباط. السلاح هنا يؤدي وظيفة رمزية واستراتيجية معاً، حماية المجال الحيوي للإقليم، وضمان حضور تفاوضي في معادلة وطنية مختلة. هذا ما يفسر تركيز الحركات على التدريب والتمركز المرن، وتجنب الانغماس في جبهات القتال المفتوحة، مع الإبقاء على جاهزية تستخدم كورقة ردع مؤجلة.

مواقف هذه الحركات من طرفي النزاع تعكس براغماتية محسوبة. فهي ترى الحرب الدائرة شأناً مركزياً فرض على البلاد من دون مشاركة فعلية للشرق في قراراته، وتتعامل مع الجيش باعتباره مؤسسة دولة لا يمكن تجاهلها، من دون الذوبان الكامل في مشروعها العسكري. في هذا الهامش الرمادي، تتفاوت التموضعات، فبعض الفصائل تنتظم في ترتيبات أمنية محدودة مع القوات المسلحة، تحت شعار حماية الدولة ووحدة السلاح، بينما تحافظ أخرى على مسافة سياسية، مقدمة خطاب السلام بوصفه تعبيراً عن قوة منظمة قادرة على فرض شروطها، لا عن انسحاب من معادلة الصراع.

خطاب إبراهيم دنيا يمثل جوهر هذا التوجه، حيث يجري توظيف مفردات السيادة الذاتية وحماية الموارد في مواجهة سرديات الاصطفاف الكلي. ويشير في حديثه عن البحر الأحمر والموانئ إلى أن الإقليم لم يعد هامشاً جغرافياً، بل عقدة استراتيجية في صراع إقليمي ودولي أوسع. من هنا، يتحول مطلب الشراكة في أي ترتيبات تخص الشرق إلى حجر زاوية في رؤية هذه الحركات.

أما الارتباطات الإقليمية، فتتموضع في إطار تقاطعات أمنية أكثر منها تحالفات أيديولوجية. العلاقة مع إريتريا تقوم على تبادل مصالح واضح، وإدارة أخطار الحدود، ومنع تسلل الفوضى، وتوفير فضاءات تدريب وتمركز تضبط إيقاع القوة. هذا الدور الإريتري، بما يحمله من تاريخ وتأثير، يجعل شرق السودان ساحة توازنات دقيقة بين الداخل والهامش والإقليم. تعمل هذه الحركات بوصفها فاعلاً انتقالياً، يسعى إلى إعادة رسم علاقة الشرق بالدولة عبر القوة المنضبطة، والخطاب السياسي، والتموضع الإقليمي، في انتظار لحظة تتبلور فيها معادلة سودانية جديدة تتسع للهامش بوصفه شريكاً لا تابعاً.

سيناريوهات محتملة

يبدو تاريخ الحركات المسلحة في شرق السودان نتاج تفاعل معقد بين مظالم مزمنة، وتوظيف سلطوي للانقسامات، وتحولات إقليمية، مما جعل الإقليم ساحة مفتوحة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والهامش، من دون أن تغادر جذور الأزمة مكانها حتى اليوم. أما مستقبل الحركات الخمس، فيتجه ومعه مصير الإقليم بأسره، نحو مسار مفتوح على تحولات عميقة.

في المدى القريب، يرجح أن يحافظ تحالف الحركات الخمس على تماسكه بوصفه مظلة تنسيقية أكثر منه جبهة موحدة. هذا التماسك تغذيه حاجة مشتركة إلى تثبيت موطئ قدم في معادلة السلطة المقبلة، وإلى منع الشرق من الانزلاق إلى مسرح مواجهة مفتوحة بين الجيش وقوات “الدعم السريع”. غير أن الطابع التكتيكي للتحالف يشي بإمكانية إعادة التموضع، تبعاً لتغير موازين القوى، أو تبعاً لتطور التفاهمات الإقليمية، خصوصاً مع إريتريا.

التقارب بين الحكومة السودانية وأسمرا يفتح نافذة لاحتواء هذه الحركات ضمن ترتيبات أمنية- سياسية أوسع، قد تمنحها اعترافاً ضمنياً مقابل ضبط الإقليم ومنع تحوله إلى ساحة صراع إقليمي. في هذا السيناريو، قد تتحول بعض هذه الحركات إلى قوى حراسة للحدود والموانئ، أو إلى شركاء في إدارة الموارد، بما يعيد تعريف دورها من فاعل عسكري إلى وسيط محلي بين الدولة والمجتمع.

على المدى المتوسط، يبرز سيناريو أكثر تعقيداً، يتمثل في تفكك التحالف إلى مسارات متباينة، مع تصاعد التنافس بين القيادات حول تمثيل الشرق واحتكار التفاوض باسمه. هذا التنافس قد يعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية القديمة في صيغة جديدة، حيث يصبح الصراع على الشرعية أخطر من الصراع على الأرض. في هذا السياق، تكمن المخاطرة الكبرى في توظيف خطاب الكراهية والاصطفاف القبلي لإعادة تثبيت مراكز نفوذ تقليدية، مما يهدد الاستقرار الهش الذي يعيشه الإقليم.

أما على المدى البعيد، فإن شرق السودان يقف على أعتاب تحول بنيوي. فالإقليم، بثقله الجغرافي على البحر الأحمر، وموارده، وموقعه في تقاطع المصالح الدولية، مرشح لأن يصبح مركزاً لإعادة توزيع السلطة في السودان الجديد. نجاح الحركات الخمس في الانتقال من منطق القوة إلى منطق الحوكمة قد يجعلها نواة لنظام إقليمي فاعل داخل الدولة. أما تعثرها، فسيجعل الشرق ساحة تنافس دائم، تتغير فيها موازين القوى من دون أن تستقر على عقد سياسي جامع.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا