ناقش أليكس دي وال، مدير مؤسسة السلام العالمية بجامعة تافتس، الحرب في السودان، مشيرًا إلى أن النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تتحول تدريجيًا من أزمات محلية إلى أزمات إقليمية ذات أبعاد عالمية. وفي مقال نشرته دورية فورين أفيرز، أوضح دي وال أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعد عامين من الحرب المدمرة في السودان، والتي أدت إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، بدا في صيف 2025 وكأنه وصل إلى مسار محتمل لحل الأزمة.
وأضاف أن النزاع، الدائر منذ أبريل/نيسان 2023، قد أدى إلى تقسيم البلاد: شرق السودان تحت قيادة الجيش، وغربها يسيطر عليه عمومًا ميليشيا يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” والمعروفة باسم “قوات الدعم السريع”. وفي يونيو/حزيران 2025، عقدت الولايات المتحدة اجتماع الرباعية الذي ضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، حيث لم تكن الدول الثلاث الأولى مجرد وسطاء بل داعمة لأطراف النزاع: مصر والسعودية للجنرال عبد الفتاح البرهان، والإمارات لدقلو، مع نفي أبوظبي أي دور مباشر. وخرج الاجتماع بتوصيات لوقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والتفاوض على حكومة مدنية.
ورغم هذه المخرجات، ارتكبت قوات الدعم السريع في سبتمبر/أيلول 2025 مجزرة الفاشر في إقليم دارفور، بعد حصار دام أكثر من عام، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 7,000 شخص أغلبهم مدنيون، مع تقديرات غير مؤكدة لأكثر من 100,000 ضحية. ونشر المقاتلون جرائمهم على وسائل التواصل الاجتماعي، واستمرت العمليات القتالية دون توقف منذ ثلاثة أشهر. حاليًا، تحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيض في كردفان وتستهدف أهدافًا تشمل رياض الأطفال.
وأشار دي وال إلى أن كلا الطرفين لا يزال يتلقى أسلحة من داعميه الخارجيين، مع تصاعد رحلات الشحن العسكري إلى المطارات الخاضعة لقوات الدعم السريع منذ أكتوبر/تشرين الأول، بما في ذلك طائرات مسيرة صينية الصنع ومرتزقة كولومبيون، وقد رُصد انطلاق هذه الإمدادات من الإمارات. وفي المقابل، تواصل مصر وتركيا تزويد القوات المسلحة السودانية بأسلحة، ما يزيد احتمال تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة.
وتطرّق الكاتب إلى الأبعاد الإقليمية للحرب، مشيرًا إلى تورط جيران السودان، إذ تمر خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا والصومال وجنوب السودان، وقد تشمل إثيوبيا وكينيا لاحقًا. وأضاف أن قاعدة المجندين لهذه القوات تمتد من سكان الريف، وخاصة المجتمعات البدوية تاريخيًا، غربًا عبر منطقة الساحل الأفريقي، مع عبور جماعات عربية من رعاة الماشية الحدود من جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد للسيطرة على الأراضي الفارغة. كما تتشابك الحرب مع التوتر بين إريتريا وإثيوبيا، ما ينذر باحتمال نشوب صراع أوسع.
وشدّد دي وال على أن الصراع السوداني اليوم يختلف عن الحروب السابقة، فالدولة القومية تتلاشى، وظهرت “إقطاعيات بلا حدود” يديرها أمراء حرب تحت سيطرة جهات أجنبية، ما يعقد مهمة احتواء الحرب، ويزيد من معاناة السكان. وأضاف أن حل الأزمة سيكون صعبًا حتى في ظل ظروف مواتية، مشيرًا إلى أن مجزرة الفاشر هي أبرز مثال على الفظائع التي رافقت الصراع، والتي شملت عمليات القتل والنهب والاغتصاب في الخرطوم والمناطق الريفية، واعتُبرت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية إبادة جماعية.
الصراع السوداني اليوم يختلف عن الحروب السابقة، فالدولة القومية تتلاشى، وظهرت “إقطاعيات بلا حدود” يديرها أمراء حرب تحت سيطرة جهات أجنبية
وأوضح المقال أن قوات الدعم السريع تسعى لتفكيك الدولة السودانية القائمة منذ استقلالها عام 1956، معتبرة أن الجيش والنخبة السابقة استمروا في إدارة البلاد بما يخدم مصالحهم، وهو ما وجدت صدى بين الفقراء والمهمشين، خصوصًا في دارفور، رغم أن الهدف الحقيقي ليس الإصلاح بل النهب.
وأشار دي وال إلى أن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع محفوف بالمخاطر، ويأتي في إطار التنافس السعودي–الإماراتي على النفوذ في المنطقة، وهو ما يضفي على النزاع في السودان بعدًا إقليميًا، مشابهًا لما يحدث في ليبيا واليمن وسوريا. ورغم أهمية إشراك الإمارات في عملية السلام، لم يتمكن الوسطاء من تحقيق تقدم بسبب النفي الإماراتي لدورها المباشر.
كما لفت المقال إلى أهمية البحر الأحمر استراتيجيًا، مع تزايد التنافس على القواعد العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية، بما فيها الصين وتركيا والإمارات وإسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة.
الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع محفوف بالمخاطر، ويأتي في إطار التنافس السعودي الإماراتي على النفوذ في المنطقة
ومع مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في 9 يناير/كانون الثاني 2026، قتل عشرات الآلاف، ويعاني نصف سكان السودان البالغ عددهم 46 مليون نسمة من نقص الغذاء، وفقد ربعهم منازلهم، ودُمرت مدن بأكملها، وتراجع الاقتصاد الوطني بشكل كبير، كل ذلك كنتيجة لتنافس قوى الخليج على النفوذ في السودان. ويخلص الكاتب إلى أن أي عملية سلام في السودان لن تنجح إلا كجزء من تسوية إقليمية أو حتى عالمية، إذ لم تعد الحروب في القرن الأفريقي مجرد صراعات محلية.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة