وجاءت التطورات في شرق السودان على خلفية خطابات عدد من قيادات الإقليم على رأسهم قائد حركة تحرير السودان، إبراهيم دنيا، التي صعدوا خلالها من اللهجة ضد ما وصفوها بـ”حكومة الأمر الواقع”.
وتحدث إبراهيم دنيا وعبدالله اوبشار، عن مظالم شرق السودان التاريخية وتفاقمها في الآونة الأخيرة متهمين جهاز المخابرات العامة بمنع محاولات وحدة أهل الشرق. كما طالبوا بتمثيل الإقليم في هياكل الدولة وبالتحديد في المجلس السيادي عبر شخص عسكري ضمن حصة الجيش.
وأثارت هذه التطورات ردود فعل واسعة، أعادت إلى الواجهة أسئلة الهوية، ووحدة الدولة، وحدود المطالبة بالحقوق في ظل واقع الحرب.
وبينما حذّر مراقبون من إعادة إنتاج تجارب جنوب السودان ودارفور، يرى آخرون أن الوعي السياسي المتنامي داخل الإقليم قد يشكّل صمام أمان يمنع الانجرار إلى صراع لا يخدم مصالح الشرق ولا السودان ككل.
وصف جعفر صالح، عضو حركة تحرير شرق السودان، خطاب قائده إبراهيم دنيا، بأنه “من أكثر الخطابات الوطنية والوحدوية تقدمًا، مقارنة بخطابات عدد من القادة الموجودين في السلطة”.
وأكد صالح في حديثه لـ”دروب” أن دنيا شدد بوضوح على وحدة السودان أرضًا وشعبًا، ورفض أي مشاريع تستبطن الانفصال، مشيرًا إلى أن حماية شرق السودان لا تنفصل عن الحفاظ على الدولة السودانية الموحدة، القائمة على العدالة وتقاسم السلطة والثروة.
وأشار إلى أن الخطاب انتقد ما وصفها بالمشاريع العنصرية، وعلى رأسها مشروع “النهر والبحر”، داعيًا إلى محاربة خطاب الكراهية والشيطنة، لما يشكّله من تهديد مباشر لأمن الإقليم، خاصة ساحل البحر الأحمر.
وأوضح صالح أن تأكيد دنيا على أن أمن شرق السودان “خط أحمر” لم يكن مجرد شعار، بل تُرجم إلى خطوات سياسية عملية، أسهمت في توحيد عدد من حركات الشرق على ميثاق مشترك، يطالب بحماية الإقليم وضمان حقوقه السياسية والاقتصادية.
وفي ما يتعلق بملف السلام، اعتبر صالح أن طرح دنيا لا يحمل مزايدات، بل ينسجم مع الخطاب العام لقيادة الدولة ومسارات السلام المطروحة، سواء عبر منبر جدة أو غيره.
وبشأن احتمال تحول شرق السودان إلى بؤرة صراع عسكري جديد بين الحركات المسلحة والسلطة، أو نشوب مواجهات داخلية بين تيارات الإقليم، استبعد الكاتب والمحلل السياسي حسام الدين حيدر هذا السيناريو.
وقال حسام لـ”دروب”: “أعتقد أن التيارات السياسية في شرق السودان تعي جيدًا مخاطر الدخول في مواجهة مسلحة، سواء مع بعضها البعض أو مع حكومة بورتسودان، وبدأت تبحث عن مصالح الإقليم بعيدًا عن الحسابات القبلية الضيقة”.
ويرى حسام أن تحالفات حركات الشرق، رغم نشأتها في سياق الحرب وارتباط بعضها بالمؤسسة العسكرية، لا تمثل امتدادا للنظام السابق، باستثناء علاقات فردية محدودة.
وأضاف أن خطاب إبراهيم دنيا يهدف بالأساس إلى تجنيب الإقليم الانخراط في الحرب، مع المطالبة بشراكة سياسية حقيقية في صناعة القرار.
وأشار إلى أن الهجوم على دنيا تقف خلفه خلافات قديمة، ومحاولات من بقايا النظام السابق لتحويل شرق السودان إلى ساحة صراعات أهلية، تقوم على النفوذ والمصالح الاقتصادية.
من جانبها، اظهرت د. رجاء شوكت، المحللة السياسية والباحثة السابقة في مركز الدراسات الإفريقية بجامعة إفريقيا العالمية، قراءة أكثر حذرًا لخطاب دنيا، وقالت شوكت لـ”دروب” إن ربط الخطاب بخطاب الكراهية الجهوية السائد لا يبتعد كثيرًا، في جوهره، عن نوايا المطالبة بحق تقرير المصير.
وأضافت “في الحقيقة، لم يُبطن إبراهيم دنيا حديثه عن الانفصال، بل قاله صراحة ضمن اشتراطات يرى أنها متوفرة، مثل استمرار التهميش وإطالة أمد الحرب. تقسيم المقسم سهل، وبنظارة سوداء يمكن أن يرى المراقب دويلات سودانية، سواء على يد إبراهيم دنيا أو غيره”.
وشددت شوكت على أن قابلية الانفجار لا تقتصر على شرق السودان وحده، بل تشمل البلاد بأكملها، وقالت”السودان كله في وضع انفجار، وليس هناك انفجار أكبر من الحرب نفسها”.
ويرى مراقبون ومهتمين بشؤون إقليم شرق السودان أن الإقليم بدأ يتجاوز سياسات الدولة المركزية، التي اعتمدت تاريخيا على تفتيت المكونات الاجتماعية، مؤكدين أن الانقسام الراهن سياسي في جوهره، وليس قبليًا.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي د. مصعب فضل المرجي أن الانقسام الذي طفا على السطح تشكّل حول جناحين رئيسيين _ الأول يضم خمس حركات تمثل مكونات الشرق المختلفة، والثاني بقيادة محمد الأمين ترك والأمين داؤود، تحت مسمى “الأورطة الشرقية”.
وأوضح في حديثه لـ”دروب” أن هذه التحالفات تمثل فرصة تاريخية لإعادة تنظيم الفعل السياسي في شرق السودان، عبر بناء تحالف سياسي عريض، ببرنامج واضح ورؤية شاملة، تعالج جذور قضايا الإقليم المزمنة.
وشدد على ضرورة الانتقال من الحشد العاطفي إلى العمل السياسي المنظم، بما يعزز الوعي السياسي، ويُخرج القبيلة من دائرة الصراع، ويمهّد الطريق لتحقيق الاستقرار، ووحدة الشرق، وانتزاع مطالبه العادلة داخل إطار الدولة السودانية الواحدة.
دروب
المصدر:
الراكوبة