وجد نزلاء دور إيواء المسنين والأطفال الأيتام وفاقدي الرعاية في السودان أنفسهم مجبرين على التشرد بعد إغلاق العديد من تلك الدور أو تدميرها خلال الحرب، ما ألحق أضراراً بآلاف منهم.
تعرضت نحو عشر دور إيواء مخصصة للمسنين والأطفال الأيتام وضحايا التفكك الأسري في السودان للتدمير خلال الحرب الدائرة، ما أدى إلى تشريد نزلائها، وخسارتهم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية التي كانت توفرها تلك الدور لهم.
وخلال الحرب، أحالت الوزارة إدارة تلك الدور إلى عدد من المنظمات المحلية التي تفتقر للتجربة الكافية في إدارة شؤون نزلاء دور الإيواء، ومن بينهم أطفال خدج، ما خلق أزمات متعددة، بداية من وفاة عدد من المسنين والأطفال، وعودة بعض الفتيات والفتيان للتشرد، وسط ظروف إنسانية شديدة التعقيد.
كانت دور الإيواء بالخرطوم تضم قبل الحرب أكثر من 900 نزيل، ونُقل 370 طفلاً من “دار المايقوما” إلى دار بمنطقة نائية في كسلا
وفي يونيو/حزيران الماضي، نُقل 370 طفلاً أعمارهم أقل من سبع سنوات، من “دار المايقوما” في الخرطوم، والتي أنشئت في 1961، بغرض إيواء الأطفال المتروكين الذين يتم التخلي عنهم بعد ولادتهم خارج إطار الزواج الشرعي، إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، ومنها إلى مدينة حلفا بولاية كسلا، ليستقروا أخيراً في منطقة ود شريفي النائية، في ظروف إنسانية بالغة السوء، وفقاً لإفادة عدد من العاملين بالدار.
وكانت “دار المايقوما” قبل إغلاقها تستقبل ما بين طفلين إلى ثلاثة أطفال يومياً، ما يجعل عدد الأطفال الذين يدخلونها سنوياً يقترب من 1000 طفل، وكانت ترعاهم وزارة الرعاية الاجتماعية عبر كوادر مدربة، على أن ينقل الأطفال بعد تجاوز سن الخامسة إلى دور حكومية بديلة، ويُفرق بين الجنسين في السكن.
ولحقت أضرار كبيرة بالدار التي كانت تضم قبل إغلاقها نحو 87 فتى وفتاة، بحسب إفادة أحد المشرفين على دور الإيواء، ويقول المشرف الذي فضل حجب هويته لـ”العربي الجديد”: “خسر الأطفال فرصتهم في التعليم والاستقرار، ولا نعرف أي مستقبل ينتظرهم، كما توفي بعضهم بسبب الأوبئة التي اجتاحت البلاد خلال أشهر الحرب، والتي لا تزال تُضاعف من معاناة نزلاء دور الإيواء، وبعضهم هربوا وأصبحوا مشردين في الشوارع”. ويضيف: “جرى أيضاً تزويج كثير من الطفلات بغرض التخلص من أعبائهن. كانت الفتيات يذهبن إلى المدرسة من أجل مواصلة تعليمهن، وحالياً لا يوجد تعليم في معظم مناطق السودان، وبعض المدارس التي عادت إلى التدريس تعمل بصورة رمزية كونها تفتقر إلى مختلف المستلزمات، مثل الكراسات والكتب ومقاعد التلاميذ ودورات المياه”.
وتعمقت مصاعب الأطفال المتروكين خلال الأعوام الثلاثة الماضية بعد توقف استقبالهم في “دار المايقوما”، عقب قرار حكومي بعدم إلحاق أطفال جدد بها. وفي يونيو/حزيران الماضي، اتهم والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، الدار بأنها “تشجع على إنجاب الأطفال خارج إطار الزوجية”. وقال في لقاء جمعه بالعاملين بوزارة الرعاية الاجتماعية: “لن نسمح لدار المايقوما بأن تعود بوجهها السابق”.
وأثار تصريح والي الخرطوم جدلاً واسعاً في أوساط المهتمين بقضية الأطفال المتروكين، والذين وصفوا التصريح بأنه “غير لائق من المسؤول الأول في الولاية”. تقول سهى عبدالرازق (32 سنة)، وهى إحدى خريجات دار المايقوما، لـ”العربي الجديد”، إن “تصريح والي الخرطوم يمثل تعدياً وإساءة. عشت شخصياً في دارالمايقوما التي وجدت نفسي فيها منذ أول أيام حياتي ضمن آلاف الأطفال الذين بلغوا حاليا أعماراً متقدمة، وبات لهم أدوار فاعلة في المجتمع، ومحاولة تجفيف الدار عبر منعها من استقبال الأطفال يحرم المئات من الرعاية اللازمة، ويجعلهم يقعون ضحايا للاتجار بالبشر وغيره من الانتهاكات”.
وكان الأطفال المتروكون ينقلون إلى دار المايقوما عبر دوريات الشرطة التي تستقبل البلاغات من المواطنين الذين يعثرون عليهم غالباً في الطرقات، لتتكفل إدارة الدار التي تضم فريقاً طبياً بنقلهم إلى المستشفيات لعلاجهم، ومن ثم إعادتهم إلى الدار التي يبقون فيها حتى الخامسة من أعمارهم، ليجري بعدها نقلهم إلى دور منفصلة تحت رعاية أمهات يحصلن على أجور شهرية من حكومة ولاية الخرطوم.
عملت السودانية أميمة سابقاً ضمن فريق الأمهات لدى وزارة الرعاية الاجتماعية، وتقول لـ”العربي الجديد”: “كان الأطفال يوزعون على أمهات داخل الدار كي يقمن برعايتهم بصورة لصيقة، وبعد السادسة ينقلون إلى دار منفصلة تحت رعاية أمهات أخريات، إلى أن يتجاوزوا الثامنة عشرة، وعندها يتم دمجهم في المجتمع. بعض الأطفال تتم كفالتهم بواسطة أسر، لكن شرط الكفالة كان يخضع لتدقيق شديد من قبل الوزارة، والتي لديها عدة بروتوكولات واشتراطات لا بد لأي أسرة تريد كفالة طفل اجتيازها”.
وتمضى المرأة بالقول: “من أهم شروط الوزارة الخاصة بالأسرة التي تريد كفالة طفل أن تؤكد الأسرة الرغبة الحقيقية، وتقدم شرطاً مقبولاً يدفعها لتبني الطفل أو الطفلة، وإن كانت المرأة التي تريد تبني طفل متزوجة فلا بد من الحصول على موافقة زوجها، وإن كانت غير متزوجة يلزمها إحضار موافقة من ولي أمرها، ومن ثم ترسل الوزارة لجنة لزيارة منزل الأسرة لتتعرف إلى وضعهم الاجتماعي والمادي، وتزور اللجنة الأسرة أكثر من مرة، وفي أوقات مختلفة، وبعدها يسمح للأسرة بزيارة دار المايقوما، والتعرف إلى الأطفال، واختيار الطفل الذي ترغب في تبنيه، وبعد استلام الطفل يظل تحت إشراف الوزارة، والتي يقوم منسوبوها بزيارة الأسرة بين الحين والآخر، وفي حال وقعت أيّ انتهاكات عليه، تقوم الوزارة بسحبه من الأسرة الكافلة أو المُتبنية”.
وبعد نقل “دار المايقوما” إلى خارج الخرطوم، وعدم رغبة حكومة الولاية في فتح دار جديدة تخضع لمراقبتها وإشرافها، أصبح تبني الأطفال المتروكين يفتقر إلى الشروط والالتزامات القانونية الضرورية، ما جعل البعض لا يستبعد حدوث جرائم أو أفعال غير قانونية في حق الأطفال المتروكين، والذين أصبحت كفالتهم عبر الأسر تتم بطُرق غير خاضعة للمتابعة والإجراءات الحكومية السابقة.
يقول أحد المتطوعين بمستشفى النو الحكومي في أم درمان، لـ”العربي الجديد”: “عندما يتم إحضار طفل أو طفلة إلى المستشفى يصبح من الممكن إنهاء إجراءات الكفالة بسهولة، لأن وزارة الرعاية الإجتماعية تخلت عن الملف برمته، وأوقفت كافة الإجراءات التي كانت تتبعها سابقاً لإقرار كفالة الأطفال، وتركت الأمر لتقديرات الشرطة والمستشفيات”. ويضيف المتطوع الذي فضل إخفاء هويته: “في بعض المرات ينقل الأطفال إلى مستشفى البُلك الحكومي للأطفال، ويوضعون في عنبر خاص بهم، لكن في الغالب يجري منحهم لأسر بغرض كفالتهم من دون زيارة تلك الأسر الكافلة، أو متابعة لاحقة للأطفال، ومن غير المستبعد حدوث جرائم ضد الأطفال الذين تأخذهم الأسر التي لم يتم التدقيق في أوضاعها أو معرفة تفاصيل حياتها، وهناك أيضاً كفالة تتم من مستشفى النو، وأصبح أي شخص يستطيع كفالة طفل أو طفلة بسلاسة، ما يثير الشكوك حول دوافع البعض”.
المصدر:
الراكوبة