سماسرة حرب السودان... مهن ولدت من العدم
إسراء الشاهر
في اقتصاد الحرب تحولت المعلومات الأمنية إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب، فبين من يبيعها باعتبارها وسيلة للنجاة، ومن يدفع ثمنها هرباً من الخطر، نشأت سوق خفية تتحكم في الحركة والمصير. لكن هذه السوق، التي تبدو منقذة للبعض، تحمل في طياتها أخطاراً جسيمة، وتغذي دائرة أوسع من العنف وانعدام الثقة.
مع انهيار مؤسسات الدولة في السودان وتفكك منظومة القانون لم تترك الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ منتصف أبريل (نيسان) عام 2023 فراغاً فحسب، بل أنشأت واقعاً اقتصادياً جديداً، حيث ولدت مهن لم تكن موجودة من قبل، تقوم على الوساطة والابتزاز وبيع الأمان.
فسماسرة الحرب لم يخرجوا من الهامش، بل من العدم الذي خلفه غياب الدولة، إذ ظهر وسطاء مرور، وباعة معلومات أمنية، وتجار تصاريح مزيفة، يحولون الخوف إلى سوق مفتوحة، ويعيدون تشكيل اقتصاد كامل لا ينتعش إلا مع استمرار الفوضى والعنف.
وسطاء المرور
تحول المرور في السودان إلى خدمة مدفوعة الثمن، إذ لم يعد السؤال، هل الطريق مفتوح؟ بل من الوسيط؟ وكم سيدفع؟ فمع تعدد نقاط التفتيش وتغير السيطرة، نشأت شبكة غير مرئية من الوسطاء، تعرف خطوط النفوذ، وتحدد “سعر العبور”، لتصبح الحركة نفسها جزءاً من اقتصاد الحرب.
عبدالقادر سعيد سائق شاحنة نقل تجاري يعمل بين ولايات متعددة قال، “قبل الحرب، كانت الرحلة تحسب بالوقود والزمن، لكن اليوم تحسب بالأسماء والاتصالات والمبالغ المدفوعة، فأنا لا أتحرك من مدينة إلى أخرى من دون وسيط، وهذا الوسيط لا يرافقنا، لكنه يمسك الطريق من الهاتف، فهو يعرف من يقف في كل نقطة، ومزاج الجهة المسيطرة، ومتى يسمح بالمرور. في البداية، ظننت أن الأمر موقت، لكن سرعان ما أصبح قاعدة، فلكل طريق “سعر”، ولكل حمولة “تعرفة”. إن كنت تحمل مواد غذائية، فالسعر مختلف عن حمل الوقود أو الأجهزة، وأحياناً لا يطلب المال مباشرة، بل يقال لك، “انتظر الاتصال”، وبعد دقائق، تفتح النقطة وكأن شيئاً لم يكن”.
وأضاف سعيد “الأخطر أن هذه الوساطة غير مضمونة، فقد حصل أنني دفعت في مرات كثيرة ولم أعبر، أو أجبرت على الدفع مرة أخرى عند نقطة لم تكن محسوبة، فلا تستطيع الاعتراض، لأن البديل هو الاحتجاز أو العودة، فالسمسار لا يتحمل أي مسؤولية، وإذا فشلت الصفقة، تكون الخسارة عليك وحدك”.
وأردف، “هذه الشبكة خلقت طبقة جديدة تعيش من الطرق، فهم مجموعة أشخاص لا يحملون سلاحاً، لكنهم أقوى من السلاح، لأنهم يملكون المعلومة والعلاقة، فكلما طاولت الحرب، زادت حاجتنا لهم، وزادت أرباحهم”.
وأوضح سائق الشاحنة أن “ما يحدث هو سوق منظمة لها أسعارها وقواعدها. والمرور أصبح امتيازاً يشترى. وأنا كسائق لم أعد أعمل في النقل فحسب، بل في إدارة الخوف، وحساب الأخطار، ودفع ثمن العبور في بلد أصبح الطريق فيه سلعة”.
تسرب معلوماتي
في اقتصاد الحرب تحولت المعلومات الأمنية إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب، فبين من يبيعها باعتبارها وسيلة للنجاة، ومن يدفع ثمنها هرباً من الخطر، نشأت سوق خفية تتحكم في الحركة والمصير، لكن هذه السوق، التي تبدو منقذة للبعض، تحمل في طياتها أخطاراً جسيمة، وتغذي دائرة أوسع من العنف وانعدام الثقة.
يشير أحد وسطاء المعلومات الأمنية (حجب اسمه خوفاً من المساءلة) بقوله “لم تكن هذه مهنتي يوماً، لكنها فرضت علي مع اندلاع الحرب، فحين غابت الدولة، أصبح الناس يبحثون عن أي شخص يملك معلومة، ففي البداية كنت أساعد المعارف فحسب، ثم تطور الأمر إلى طلبات يومية من تجار، وسائقين، وحتى عائلات تحاول الخروج من مناطق خطرة”.
وتابع، “المعلومة التي أبيعها ليست بالضرورة كبيرة، لكنها حاسمة، فمثلاً طريق آمن اليوم وليس غداً، حملة تفتيش ستبدأ مساءً، أو نقطة يجب تجنبها، فهذه التفاصيل تجمع من شبكة علاقات واسعة، بعضها في الشارع، وبعضها في مواقع السيطرة، والسعر يتحدد حسب الوقت والخطورة، فكلما كانت المعلومة أحدث وأكثر حساسية ارتفع ثمنها، فالناس لا تدفع لأنها تريد، بل لأنها مضطرة، وفي الحرب، المعلومة قد تعني الحياة”.
واستطرد، “أعلم أن ما أفعله جزءاً من اقتصاد مشوه، لكن الواقع أنني لست من صنعه، فهذه السوق ولدت لأنه لا أحد يضمن شيئاً، وطالما استمرت الفوضى، ستبقى المعلومة سلعة، وسيبقى من يبيعها ومن يشتريها”.
في السياق يوضح الباحث في شؤون الأمن المجتمعي واقتصاد الحرب النعيم عز الدين، أن “بيع المعلومات الأمنية جزء خطر من اقتصاد الحرب. فحين تحول المعلومة إلى سلعة، تصبح السلامة مرتبطة بالقدرة على الدفع، لا بالحق في الحماية. وهذا يعمق عدم المساواة، ويجعل الفئات الأضعف أكثر عرضة للخطر. والأخطر أن هذه السوق غير منظمة بالكامل، فلا توجد معايير للتحقق من صحة المعلومات، ولا مساءلة عن الأضرار الناتجة منها، وقد تكون معلومة خاطئة قد تقود شخصاً إلى مكمن، أو تدفعه إلى طريق أشد خطراً. ومع ذلك، لا يتحمل البائع أي مسؤولية”.
وأضاف عز الدين أن “هذه التجارة تخلق دائرة مغلقة، فكلما زاد الاعتماد على الوسطاء، زادت قيمة المعلومة، وزادت معها عمليات تسريبها واستغلالها. وهذا لا يحمي المجتمع، بل يطيل أمد الفوضى، لأن استمرار الخطر يعني استمرار السوق”.
ولفت الباحث في شؤون الأمن المجتمعي واقتصاد الحرب إلى أن “المشكلة ليست في الأفراد بقدر ما هي في السياق، فغياب الدولة والقانون حول المعلومة إلى أداة ربح، لكن طالما استمرت هذه السوق من دون ضبط أو مساءلة، فإنها ستظل واحدة من أخطر المهن التي ولدت من العدم، لأنها تتلاعب بأكثر ما يملكه الإنسان في الحرب: إحساسه بالأمان”.
تصاريح مزيفة
مع انهيار المؤسسات الرسمية وتوقف كثير من الجهات عن العمل تحولت الوثائق والتصاريح إلى عملة نادرة، مما أنشأ سوقاً سوداء لتصاريح مرور وعمل وإقامة، تباع لمن يبحث عن العبور أو الحماية أو استمرار النشاط، إذ تباع أوراق تحمل أختاماً وأسماء، لكنها بلا أصل قانوني، وتمنح شعوراً موقتاً بالأمان في واقع لا يعترف إلا بالقوة.
أمجد الحاج وسيط تصاريح قال، “قبل الحرب لم يكن أحد يفكر في التصاريح، لكن اليوم لا أحد يتحرك من دون ورقة، فالشخص يحتاج إلى ما يثبت أنه (مسموح له) بالمرور أو العمل، حتى لو كان هذا الإثبات شكلياً. وهنا بدأت هذه المهنة”.
وواصل الحاج، “ما نوفره ليس وثائق رسمية بالمعنى القانوني، بل أوراق تشبه المطلوب في الشكل العام. فأحياناً يطلب ختم، وأحياناً اسم جهة، وأحياناً توقيع فحسب، الزبون يعرف أنها ليست أصلية، لكنه يعرف أيضاً أن كثيراً من نقاط التفتيش لا تدقق في المصدر، بل في وجود الورقة نفسها”.
وزاد، “الأسعار تختلف حسب نوع التصريح وخطورته، مثلاً تصريح المرور بين ولايتين أغلى من تصريح داخل المدينة. وكلما زاد الخطر زاد الثمن. نحن لا نضمن شيئاً، لكننا نوفر فرصة. وفي الحرب، الفرصة قد تكون كافية. أعلم أن ما نقوم به مخاطرة، لكن الناس لا تلجأ إلينا إلا بعدما تغلق كل الأبواب. فلو كانت هناك جهة رسمية تصدر تصاريح حقيقية، لما وجدت هذه السوق، نحن ظهرنا نتيجة للفراغ، ولسنا سببه”.
اندبندنت عربية