تقرير: عبد المنعم مادبو
في مدينة نيالا، يعمل مركز غسيل الكلى كخط الدفاع الأخير أمام الموت البطيء لعشرات مرضى الفشل الكلوي، ليس فقط في جنوب دارفور، بل في جميع ولايات دارفور والولايات الغربية من كردفان. ورغم الحرب وانهيار الخدمات الصحية وشح الموارد، ظل المركز صامداً، لكنه اليوم يقف على حافة التوقف الكامل.
يقول المهندس طبي حامد موسى سليمان، المدير المكلف للمركز، إن مركز غسيل الكلى بنيالا يُعد حاليًا المركز الوحيد العامل الذي يغطي احتياجات الولاية والولايات المجاورة، بعد خروج معظم المراكز عن الخدمة. ويضيف: المركز يعمل قبل الحرب وبعدها، ويغطي الآن عمليات الغسيل الكلوي لدارفور وكردفان الغربية كلها تقريبا.
بحسب موسى يخدم المركز حالياً 36 مريضاً بالفشل الكلوي، فيما يتم تحويل ما بين 5 إلى 6 حالات شهرياً إلى الخرطوم أو دولة مصر، ليس لخطورة حالتهم الطبية فحسب، بل بسبب نقص مستهلكات الغسيل وارتفاع تكلفتها داخل السودان. ويقول ان المركز يعمل بنظام وردّيتين يومياً، بواقع 10 ساعات تشغيل، بعدد 6 ماكينات فقط هي المتبقية، بعدما كان يمتلك 15 ماكينة قبل الحرب. مبيناً أن بقية الأجهزة تعطلت نتيجة عدم توفر قطع الغيار، وانعدام الميزانية، وتقادم عمر الماكينات التي تجاوز 7 إلى 8 سنوات من الخدمة المستمرة.
يعمل مركز غسيل الكلى بنيالا حالياً بعدد 21 كادرا طبيا، يتقاضون حوافز شهرية لا تتجاوز 3 ملايين جنيه، ما يعني أن الحوافز اليومية للفرد تتراوح بين 5 إلى 10 آلاف جنيه، وهي مبالغ لا تغطي حتى تكاليف المواصلات والوجبات. ويحذر المدير الطبي للمركز من أن ضعف الحوافز يهدد استقرار الكوادر الطبية، خاصة بعد تحويل دعم المركز من وزارة المالية بالولاية إلى ديوان الزكاة، دون وضوح آلية الاستمرارية. وطالب حامد موسى بزيادة الحوافز حتى لا يفقد المركز الكوادر الذين يعملون حتى الآن، ويضيف “ظللنا نطالب لكن حتى الآن لا توجد استجابة حقيقية”
يواجه المركز حالياً مشكلة نفاد مستهلكات الغسيل الأساسية، ونسبة لأن هذه المستهلكات ذات تكاليف عالية جداً يصعب على الولايات تحملها كانت تعتمد مراكز غسيل الكلى في الولايات على الدعم الاتحادي لتوفير المستهلكات الا انه بعد الحرب انقطع الدعم المركز لقطاع الصحة بصورة كاملة ما ترك عبء تسيير هذه المراكز على الولايات. ويوضح سليمان أن المستهلكات في المركز نفدت تماما وليس هناك اي اتجاه لتوفيرها. واضاف “منذ أمس الأربعاء 31 ديسمبر 2025م، انتهت المستهلكات تماماً، وإذا لم تُوفَّر فورا، سيُجبر المرضى على الشراء من السوق السوداء” مشيراً الى أن تكلفة جلسة الغسيل الواحدة تكلف في السوق السوداء إلى 200–250 ألف جنيه، مع شح شديد في الكميات، ما يعني أن الخيار قد لا يكون متاحا أصلا لكثير من المرضى.
وينبه المدير الطبي لمركز غسيل الكلى بنيالا الى أنه لا تتوفر بالمركز أدوية أساسية مثل أدوية تنظيم الدم، حيث يتم شراؤها بشكل فردي من الصيدليات إن وُجدت. أما المحاليل الوريدية، فيقول “هي تُستهلك بكميات كبيرة، حيث يحتاج المريض الواحد إلى 2–3 محاليل في الجلسة الواحدة، ومع استقبال 12 مريضا يومياً يصبح العجز حتميا” مشيراً الى أن الدعم الذي يصل من الطوارئ الطبية بوزارة الصحة بالولاية محدوداً، وينفد خلال أسبوع أو أسبوعين، دون تغطية مستمرة.
في ظل انعدام الكهرباء العامة في مدينة نيالا، يوضح حامد موسى أن المركز يعتمد على مولد كهربائي يستهلك في الوردية الواحدة نحو 36 لترا من الجازولين. وعلى مدى عام كامل، كان المرضى أنفسهم يتكفلون بتكلفة الوقود، بدفع مساهمة تتراوح بين 56 إلى 60 ألف جنيه عن كل جلسة غسيل. وأضاف “من المفترض أن توفر الولاية الوقود، لكن الدعم توقف، والمركز لا يمتلك أي ميزانية”
وذكر أن المركز ليست لديه أي ميزانية تشغيل، أو ميزانية لصيانة الأجهزة، أو تحسين البيئة، أو التخلص من النفايات الطبية، أو شفط مياه الصرف الصحي. وأضاف “ثلاث سنوات نطالب بميزانية تسيير، دون جدوى. مركز كبير كهذا يعمل بلا ميزانية… أمر بالغ الصعوبة”
ووجه مدير المركز نداءً عاجلًا إلى السلطات الصحية بالولاية والمنظمات الإنسانية والخيرية بضرورة دعم المركز ليستمر في تقديم خدماته للمرضى، مؤكداً أن مركز غسيل الكلى بنيالا يمثل حالة طوارئ قصوى. مضيفاً “مريض الفشل الكلوي يحتاج دعماً دائماً، وليس تدخلاً مؤقتاً؛ فاستمرار المركز يعني استمرار الحياة لهؤلاء المرضى”
دبنقا
المصدر:
الراكوبة