حذر سياسيون من عواقب رفض التعاطي مع مبادرة الآلية الرباعية بشأن وقف الحرب، مشيرين إلى أن البرهان قد يواجه ضغوطات “غير تقليدية”، خاصة بعد حديث الولايات المتحدة الامريكية عن انتهاكات الجيش واستخدام السلاح الكيميائي.
يأتي ذلك في وقتٍ يزداد فيه المشهد السوداني قتامة وتعقيداً، وسط تسارع الضغوط الدولية بالتوازي مع احتدام المعارك ميدانياً، في محاولة لدفع أطراف الحرب نحو تسوية توقف النزيف الإنساني الذي تجاوز حد الكارثة.
وبينما تطرح “الرباعية الدولية” خارطة طريق تتضمن هدنة إنسانية ومساراً سياسياً وعسكرياً، تتصاعد في المقابل التحذيرات من مخاطر تمسك قيادة الجيش بخيار الحرب، وسط اتهامات متزايدة باستخدام أسلحة محرّمة دولياً، حيث لوّح المجتمع الدولي بخيارات أكثر تشدداً في حال استمرار ما وصفه بـ«التعنت الرسمي».
في هذا السياق، حذر د. بكري الجاك، الناطق الرسمي باسم تحالف “صمود”، من تمسك رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقادة الجيش بخيار المواجهة العسكرية، معتبراً أن استمرار الحرب يفتح الباب واسعاً أمام تفكك البلاد وتحولها إلى “كنتــونات عسكرية”.
وقال الجاك في تصريح لـ”دروب” إن أطراف الحرب لم يعد أمامها سوى خيارين، إما الالتزام بخارطة الطريق التي طرحتها الرباعية للحل الإنساني والعسكري والسياسي، أو الانزلاق الكامل نحو سيناريو الحرب المفتوحة.
وعلق الجاك على حديث البرهان بشأن رفضه ورقة تسلمها من مسعد بولس، مبيناً أن ذلك يكشف رغبة الجيش في تحقيق أهداف محددة بشروطه الخاصة تحت غطاء العودة إلى مسار جدة.
وأوضح أن إعلان جدة كان يضم (14) بنداً تتعلق بالقانون الدولي الإنساني فقط، دون أن يتضمن أي نصوص عسكرية أو ترتيبات ميدانية، مضيفاً: “واضح أنهم يسعون لتنفيذ أهداف عسكرية عبر الحديث عن العودة إلى إعلان جدة، في وقت لم يتضمن فيه الإعلان أي بنود من هذا النوع”.
واعتبر الجاك أن مطالبة قيادة الجيش بالعودة إلى واقع ما قبل 15 مايو 2023م تمثل محاولة ضغط على المجتمع الدولي لتحقيق مكاسب عسكرية.
وأكد الجاك أن المجتمع الدولي ماضٍ في التمسك بمبادرة الرباعية باعتبارها الخيار الواقعي الوحيد لإنهاء الصراع، محذراً من أن أي محاولة للالتفاف عليها ستؤدي إلى تصاعد الضغوط السياسية وربما القانونية.
وأشار إلى أن من بين الخيارات المحتملة دولياً، فتح ملف استخدام الأسلحة الكيميائية، وتصنيف الجماعات المتحالفة مع الجيش ضمن قوائم الإرهاب، إلى جانب ممارسة ضغوط مباشرة على الشخصيات السياسية الداعمة للبرهان.
وأضاف: “إذا لم تستجب بورتسودان لكل هذه الضغوط، فإن الحرب قد تستمر إلى أن ينهار أحد المعسكرين، مع احتمال تمددها وتحويل السودان إلى كنتونات متصارعة”.
واستبعد الجاك لجوء المجتمع الدولي إلى الفصل السابع في الوقت الراهن، مرجحاً أن تواجه أي خطوة من هذا النوع تعقيدات تمويل ونشر قوة دولية، ما يجعل الرباعية أو الحرب هما الخيارين الوحيدين المطروحين.
من جهته، وصف د. محمد بدر الدين، الأمين العام المكلف لحزب المؤتمر الشعبي، المشهد السوداني بـ”المضطرب وغير الثابت”، مشيراً إلى غياب موقف رسمي موحد يعبر عن الدولة.
وقال بدر الدين لـ”دروب”: “ما يقلقنا هو عدم وجود موقف واضح صادر من جهة سيادية يمكن التعاطي معه كموقف رسمي للدولة، وهو ما يجعل التكهن بمستقبل الوضع شديد الصعوبة”.
وتوقع بدر الدين استمرار الحرب إذا استمر النهج الحكومي الحالي، مضيفاً: “لا أرى مساراً آخر غير الحرب إذا واصل البرهان التذبذب في موقفه من السلام”.
كما لم يستبعد لجوء واشنطن إلى أدوات ضغط “غير تقليدية”، خاصة بعد شروعها في الحديث علناً عن انتهاكات الجيش واستخدام السلاح الكيميائي، “في مؤشر واضح إلى استعدادها لاستخدام هذا الملف كورقة ضغط سياسية ودولية لدفع القيادة العسكرية إلى القبول بخارطة الرباعية” وفق قوله.
في السياق ذاته، قال رئيس الحزب الاتحادي الموحد، محمد عصمت يحيى، إن الحرب السودانية تشهد لأول مرة منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 “محاولة جادة ومنسقة من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر لوقف النزاع”.
وأوضح أن جدية هذه المساعي تتجلى في وجود خطة زمنية واضحة، تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تعقبها فترة انتقالية تمتد لتسعة أشهر لمعالجة الملفات الجوهرية، وعلى رأسها توحيد الجيوش في جيش وطني مهني، وإنهاء نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسات العسكرية والمدنية.
وأشار إلى أن تحالفي “تأسيس” و“صمود” أعلنا ترحيبهما الفوري بمبادرة الرباعية، مقابل ما وصفه بـ”تردد يلامس الرفض” من جانب سلطة بورتسودان، في مشهد يعيد إلى الأذهان إخفاقات جولات جدة والمنامة وجنيف.
ولفت يحيى إلى بيان مكتب الشؤون الإفريقية بالخارجية الأميركية، الذي تحدث عن استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024، معتبراً أنه يشكل تصعيداً خطيراً في مسار الموقف الدولي.
وأوضح أن البيان تضمن مطالبة صريحة لسلطة بورتسودان بوقف استخدام هذه الأسلحة والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لمعالجة آثار ما وُصف بـ”جريمة غير مسبوقة في الحروب الداخلية السودانية”.
وحذر من أن استمرار رفض مبادرة الرباعية، إلى جانب الاتهامات باستخدام السلاح المحرم دولياً، قد يقود إلى إجراءات أشد صرامة من قبل الدول الداعمة للمبادرة، وربما يفتح الباب أمام سيناريو التدخل المباشر.
وختم بالقول إن تعنت السلطة قد يدفع داخلياً إلى تشكل جبهة مدنية–عسكرية واسعة ضد نظام الحركة الإسلامية وسلطته القائمة من بورتسودان.من جهته رأى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، فؤاد عثمان، أن المشهد السياسي والعسكري الراهن يعكس استمرار قيادة الجيش في انتهاج سياسة المناورة وتبديل المواقف تجاه مبادرة الرباعية.
وأضاف أن “ردود الفعل الرسمية تراوحت بين الترحيب المشروط تارة، ورفع سقف الاشتراطات تارة أخرى، ثم إحالة الرد إلى مجلس الأمن والدفاع، وهو ما يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة، ومحاولة لكسب الوقت وامتصاص الضغوط الدولية دون الدخول في التزامات فعلية على الأرض”.
وأشار عثمان في تصريح لـ”دروب” إلى أن إعلان قوات الدعم السريع عن هدنة من طرف واحد يُعد خطوة محسوبة لتحسين موقعها السياسي والإنساني أمام المجتمع الدولي، لكنه لا يعكس بالضرورة التزامًا عمليًا ميدانيًا.
ويضيف أن التطور اللافت يتمثل في شروع واشنطن في ربط أي مسار جاد لوقف إطلاق النار باعتراف الجيش بالانتهاكات المرتكبة والامتناع عن استخدام الأسلحة المحظورة، وهو تحول نوعي من شأنه أن يرفع كلفة الاستمرار في سياسة المناورة، ويضيق هامش المناورة السياسية أمام القيادة العسكرية.
وحذر عثمان من أن استمرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان في هذا النهج قد يقود البلاد إلى حالة جمود طويلة الأمد، يتفاقم خلالها النزيف الإنساني وتستمر حالة تبادل الاتهامات بين الأطراف، في وقت يدفع فيه الشعب السوداني الثمن الأكبر.
وأشار إلى انه في المقابل إلى أن تصاعد الضغط الدولي، لا سيما الأميركي، قد يفضي في نهاية المطاف إلى دفع الجيش نحو القبول بصيغة معدلة من مقترحات الرباعية.
وختم بالقول إن أي محاولة لمواصلة سياسة التملص من استحقاقات وقف إطلاق النار دون التزام فعلي على الأرض لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد الميداني أكثر، وإضعاف موقف بورتسودان سياسيًا أمام المجتمع الدولي، فضلًا عن إطالة أمد المعاناة الإنسانية في البلاد.
دروب
المصدر:
الراكوبة